العودة للرئيسية
سياحة وسفر

مطاعم صينية في العباسية تروي حكايات بدأت من الأزهر

تحولت مطاعم صينية في حي العباسية بالقاهرة إلى مساحات تجمع بين وصفات شرق الصين وعادات الضيافة وحكايات أصحابها، وبينهم طلاب سابقون في الأزهر وآخرون اختاروا الاستقرار والعمل في مصر، مستفيدين من قرب الحي من مدينة البعوث الإسلامية وتنوع زبائنه.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رجلان داخل مطعم صيني؛ يقف أحدهما خلف المنضدة ويرتدي مئزرًا، بينما يرفع الآخر إبهامه بجانب طبق من الطعام الصيني وعيدان الأكل.

تمنح مجموعة من المطاعم الصينية في حي العباسية بالقاهرة زوارها تجربة تتجاوز قوائم الطعام، إذ تنقل إلى الحي وصفات وعادات ضيافة صينية، فيما تكشف قصص أصحابها عن مسارات بدأت لدى بعضهم بالدراسة في الأزهر، ثم تحولت إلى مشروعات تجارية وحياة عائلية مستقرة في مصر.

العباسية ومسار المطاعم الصينية إلى الحي

وأسهم قرب العباسية من مدينة البعوث الإسلامية، التي تستقبل طلابا وافدين للدراسة في الأزهر، في وصول عدد من الصينيين إلى المنطقة واتخاذها مكانا للإقامة والعمل. ومع مرور الوقت، أصبحت المطاعم التي أسسوها جزءا من شوارع الحي، بما تعرضه من أطباق ومشروبات وتقاليد اجتماعية حملها أصحابها من بلادهم.

تعود الجذور التاريخية للمنطقة التي تقوم عليها العباسية حاليا إلى ما كان يعرف باسم «صحراء الريدانية»، حيث وقعت عام 1517 معركة الريدانية التي انتهت بهزيمة المماليك أمام العثمانيين. وبعد قرون، بدأ العمران يمتد إليها خلال عهد عباس الأول، وشُيدت فيها ثكنات عسكرية ومبان جديدة قبل أن تحمل اسمه.

داود إسماعيل يحول دراسة الأزهر إلى مطعم

من بين أصحاب المطاعم الصينيين في الحي داود إسماعيل، الذي جاء إلى مصر لدراسة اللغة العربية في الأزهر، وأقام في مدينة البعوث الإسلامية القريبة من العباسية. وخلال إقامته، فكر في تأسيس مطعم صيني مستندا إلى خبرة اكتسبها من مراقبة والديه أثناء إدارتهما مطعما في شرق الصين.

13 عاما
مدة عمل داود في القاهرة

افتتح داود مطعمه في القاهرة قبل 13 عاما، ثم أنهى دراسته في الأزهر، غير أن توسع مشروعه وتكوين أسرته جعلا مغادرة مصر أمرا صعبا بالنسبة إليه. ويقول إنه تخرج في الأزهر منذ فترة طويلة، لكن حياته أصبحت مرتبطة بمصر بعدما نما مشروعه وأصبح مطعمه، بحسب وصفه، من أبرز المطاعم الصينية في البلاد، يقصده زبائن من جنسيات متعددة.

ولم يعد المشروع بالنسبة إلى داود مجرد مكان للعمل. فقد تزوج قريبة له قدمت من الصين للإقامة معه في مصر، وأنجبا أربع بنات يدرسن في مدارس مصرية. ويقول إن أفراد عائلته يأتون لزيارتهم خلال فصل الشتاء من كل عام، في حين تسافر أسرته إلى الصين على فترات متباعدة.

يحاول داود نقل تفاصيل من ثقافة بلاده إلى مطعمه، فعلق على الجدران عبارات ترحيب باللغة الصينية، ويقدم لزبائنه مشروبا يطلق عليه اسم «الشاهي» في أوان فخارية جلبها من الصين. ويوضح أن هذا المشروب ليس الشاي الأخضر المعتاد في مطاعم صينية أخرى، بل مزيج من بذور الشاي واليقطين والتمر وتوابل يستقدمها من بلده.

ويصف داود المطبخ الصيني بأنه غني بوصفات الطعام والشراب، موضحا أن لكل منطقة في الصين أطباقها المميزة. ويقول إن مطعمه يحاول تقديم أطباق تنتمي إلى مطابخ صينية مختلفة، لكنه يركز بصورة أساسية على أطباق شرق الصين، وهي المنطقة التي تعلم فيها الطهو من أسرته. ومن الأسئلة المتكررة التي يتلقاها داود من بعض الزبائن ما إذا كان مطعمه يقدم السوشي.

ويرد موضحا أن السوشي طبق ياباني وليس صينيا، مؤكدا أن المطعم يقدم الطعام الصيني. ويعكس السؤال، بالنسبة إليه، خلطا شائعا بين أطباق تنتمي إلى مطابخ آسيوية مختلفة. يتكون المطعم من صالة رئيسية وغرف مخصصة للمجموعات الكبيرة. وفي إحدى الغرف وضع داود مائدة مستديرة ذات سطح رخامي دوار، شبيهة بالموائد المستخدمة في الصين حتى داخل المنازل.

ويشرح أن هذا النوع من الموائد يشجع الحاضرين على مشاركة الطعام، إذ توضع عليه أطباق متعددة، ويأخذ كل شخص ما يريده قبل تدوير سطح المائدة لتصل الأطباق إلى بقية الجالسين. وتضم الغرفة نفسها جهازا لتسخين الماء وتحضير «الشاهي» على امتداد الوجبة.

ويقول داود إن أحد العاملين يتولى، في الغرف المخصصة للمجموعات الكبيرة، إعداد المشروب وتقديمه إلى الضيوف طوال مدة وجودهم، ضمن أسلوب الضيافة الذي يسعى المطعم إلى الحفاظ عليه. وتتقارب قوائم الطعام في عدد من المطاعم الصينية المنتشرة بالعباسية؛ إذ تشمل أطباق النودلز المقدمة بصلصات مختلفة، وأطعمة بصلصة «السويت آند ساور»، فضلا عن عجائن محشوة تشبه السمبوسة.

مطعم حسين يواجه حاجز اللغة في القاهرة

ومع هذا التشابه، يحتفظ كل مطعم بقصة مختلفة ترتبط بأصحابه وظروف وصولهم إلى القاهرة. وعلى مسافة شارعين من مطعم «آندا الصيني»، يوجد مطعم يحمل اسما مباشرا هو «المطعم الصيني». وتظهر إلى جوار الاسم كلمة «حلال» مكتوبة بالعربية، في إشارة إلى طبيعة الطعام الذي يقدمه المكان.

ويدير المطعم حسين وزوجته، وهما لا يتحدثان العربية أو الإنجليزية، ما يجعل التواصل معهما يجري عبر برنامج للترجمة. وصل حسين إلى القاهرة قبل ثلاثة أشهر، واشترى المطعم من مالكه السابق الذي عاد إلى الصين بعد إقامة في مصر استمرت أكثر من عشر سنوات. ويقول حسين إن المصريين يمثلون النسبة الأكبر من زبائنه، وإن اختلاف اللغة لم يمنعهم من زيارة المطعم وتناول وجباته.

ويساعد عامل مصري يعرف بعض الكلمات الصينية حسين وزوجته في استقبال الزبائن والتواصل معهم. ويقدم الزوجان للضيوف الشاي الأخضر وطبق «الدامبلينغ»، وهو قطع من العجين المحشو باللحم المفروم تُقدم مسلوقة، في امتداد لتقاليد الضيافة والأطباق التي جاءا بها من الصين.

ويقول حسين إنه أحب مصر كثيرا ويتمنى أن يعيش فيها فترة طويلة. ورغم إقراره بأن العمل يمر أحيانا بأوقات صعبة، يؤكد أن تلك الصعوبات لن تدفعه إلى مغادرة البلاد. وعلى خلاف بعض الصينيين المقيمين في العباسية، لم يأت حسين وزوجته إلى مصر بغرض الدراسة في الأزهر. ويحرص حسين عند حلول موعد الصلاة على مغادرة المطعم والتوجه إلى مسجد قريب.

الإسلام والضيافة يعيدان تشكيل هوية المطاعم

ويعرف نفسه بأنه مسلم صيني، قائلا إنه وزوجته يحرصان على أداء الصلاة في وقتها، وهو جانب يفسر كذلك إبراز كلمة «حلال» على واجهة المطعم وتعريف الزبائن بطبيعة ما يقدمه. وفي مطعم صيني آخر بالحي، تجتمع عناصر تبدو متباعدة؛ إذ يعمل فيه صينيون، وتتصدر أحد جدرانه صورة الشيخ محمد متولي الشعراوي، بينما يحمل المكان اسم «الأمريكاني».

ويعمل إبراهيم، وهو شاب صيني، في هذا المطعم منذ نحو خمس سنوات. ويقول إبراهيم إن العاملين يطلبون من الزبائن إبعاد هواتفهم أثناء تناول الطعام، بهدف مساعدتهم على الاستمتاع بالوجبة وتبادل الحديث بدلا من الانشغال بتصوير الأطباق. لكن المطعم لا يلزم الزبون بتنفيذ الطلب إذا اعترض عليه.

أما صورة الشعراوي، فيوضح إبراهيم أن عائلته تعرفت من خلاله إلى الإسلام، ومنه عرفت مصر والأزهر. كما يواجه أسئلة متكررة عن سبب احتفاظ مطعم صيني باسم «الأمريكاني»، ويشرح أن الاسم كان موجودا عند شراء المكان، حين كان يقدم الوجبات السريعة الأميركية. واختار المالكون الجدد الإبقاء عليه، مع تغيير نوع الطعام الذي يقدمه المطعم إلى أطباق صينية.