العودة للرئيسية
سياحة وسفر

مقابر كوم الشقافة تكشف ألفي عام من تاريخ الإسكندرية

تمتد مقابر كوم الشقافة في الإسكندرية عبر ثلاثة طوابق صخرية يصل إليها الزائر بدرج حلزوني يتجاوز عمقه 10 أمتار. ويعود الموقع إلى القرن الثاني الميلادي، ويتميز بمزج العمارة والفنون المصرية والرومانية، بينما أسهم مشروع لخفض المياه الجوفية في فتح مستواه السفلي أمام الزوار عام 2019.

••4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
لقطة مقرّبة لعنصر معماري حجري منحوت داخل مقابر كوم الشقافة في الإسكندرية، يظهر تاج عمود مزخرف بنقوش وأشكال منحوتة. لا يظهر أشخاص أو نص مقروء.

تكشف مقابر كوم الشقافة في مدينة الإسكندرية شمالي مصر عالماً جنائزياً يعود إلى نحو ألفي عام، موزعاً على ثلاثة طوابق منحوتة في الصخر تحت سطح الأرض. ويصل الزائر إلى مستويات الموقع عبر درج حلزوني يمتد إلى عمق يزيد على 10 أمتار، قبل أن تقوده الممرات إلى قاعات واسعة وغرف دفن تزينها نقوش وزخارف تجمع بين التأثيرين المصري والروماني.

أصل كوم الشقافة وطراز الكتاكومب

ويعود الموقع إلى القرن الثاني الميلادي، ويُعد أحد أبرز نماذج العمارة الجنائزية الرومانية المعروفة بطراز «الكتاكومب»، أي المقابر والممرات المحفورة تحت الأرض وما تضمه من سراديب وغرف صخرية. ويطلق اسم الكتاكومب أيضاً على الموقع، وهي كلمة لاتينية تشير إلى المقابر الجوفية أو سراديب الموتى.

واكتسبت المنطقة اسم «كوم الشقافة» من كثرة الشقف الفخارية التي تراكمت فيها، وفق معلومات وزارة السياحة والآثار المصرية. وقال كبير الأثريين في مصر مجدي شاكر إن زوار المقابر كانوا يتركون قديماً بقايا الأواني الفخارية التي استُخدمت ضمن الطقوس الجنائزية خلال العصر الروماني، فتراكمت تلك القطع بمرور الوقت وأصبح المكان معروفاً بهذا الاسم.

وتتميز المقابر بمزج واضح بين الحضارتين المصرية والرومانية في التصميم والزخرفة. وتقدم نقوشها وغرف الدفن فيها تصوراً عن المعتقدات الجنائزية السائدة في تلك الحقبة، كما تبين الطريقة التي انعكست بها أفكار الموت والخلود على الفنون والعمارة داخل الموقع.

تحول المقبرة الخاصة إلى مدفن عام

وكانت كوم الشقافة في بدايتها مقبرة خاصة بأحد أعيان الإسكندرية، وتعود إلى أسرة رومانية ثرية عاشت في المدينة القديمة خلال القرن الثاني الميلادي. وتحولت المقبرة لاحقاً إلى مدفن عام مع تقلص عدد أماكن الدفن، ولا سيما خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين، وظلت مستخدمة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي.

وتتصل الطوابق الثلاثة المنحوتة في الصخر بسلم حلزوني ذي تصميم متدرج. وتشير معلومات الرئاسة المصرية إلى أن الدرجات الموجودة في الجزء السفلي من السلم أكثر ارتفاعاً، ثم يقل ارتفاعها تدريجياً كلما اقترب السلم من سطح الأرض. وتمنح كثرة الغرف والزخارف وتعقيد التخطيط الداخلي الموقع أهمية أثرية إضافية، إلى جانب ما يظهره من تداخل بين الفن المصري والفن الروماني.

اكتشاف السراديب ومشكلة المياه الجوفية

وظلت السراديب بعيدة عن الأنظار تحت الأرض قروناً، إلى أن عُثر عليها مصادفة عام 1900. ومنذ ذلك الاكتشاف، واجهت المقابر مشكلة ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خصوصاً في المستويات السفلى، وهو ما أثر في إمكان الوصول إلى أجزاء من الموقع والحفاظ عليها.

5.7 ملايين دولار
تكلفة مشروع خفض المياه الجوفية

وفي مارس/آذار 2019، أعلنت وزارة الآثار المصرية إنجاز مشروع لخفض منسوب المياه الجوفية في منطقة المقابر، بتكلفة بلغت آنذاك 5.7 ملايين دولار. وأتاح المشروع فتح المستوى السفلي من مقابر الكتاكومب أمام الزوار للمرة الأولى منذ اكتشاف الموقع قبل 119 عاماً. وقال وزير الآثار المصري آنذاك خالد العناني إن مشكلة المياه الجوفية ظلت تلازم الموقع منذ اكتشافه.

وأوضح أن تنفيذ المشروع بدأ في مايو/أيار 2016، بعد أن تسببت المياه في سقوط جزء يبلغ نحو سنتيمترين من أحد جدران المقبرة. وأضاف أن الأعمال المنفذة أتاحت رؤية الطابق السفلي جافاً للمرة الأولى منذ عام 1900.

قيمة المقابر وفرص تطوير زيارتها

ووصف مجدي شاكر كوم الشقافة بأنها واحدة من أهم المقابر التاريخية المتكاملة وأبرزها في الإسكندرية، نظراً إلى طرازها المعماري الذي يجمع خصائص الفن المصري القديم والفن اليوناني الروماني. وقال إن المقابر، الممتدة عبر عدة طوابق تحت الأرض والمنحوتة مباشرة في الصخر، تضم نظاماً معمارياً متكاملاً يشمل سلالم حلزونية وصالات للزيارة وأماكن لتناول الطعام الجنائزي.

وأضاف شاكر أن النقوش والزخارف الموجودة داخل الموقع تعكس معتقدات المصريين القدماء والرومان المتعلقة بالموت والخلود. ورأى أن الخصائص المعمارية والبصرية للمقابر تمنحها إمكانات أكبر لاستقطاب السياح من مختلف أنحاء العالم، داعياً إلى رفع كفاءة الترويج للموقع بالاعتماد على تقنيات عرض حديثة.

واقترح شاكر توظيف الإضاءة التفاعلية ثلاثية الأبعاد، إلى جانب العروض الصوتية والموسيقية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لإعادة تجسيد قصة اكتشاف المقابر وتاريخها بأسلوب سينمائي يواكب مستويات العرض العالمية.

وأشار إلى أن تصميم الموقع ودرجه الحلزوني وسراديب الموتى يمكن أن يشكل مادة سياحية جاذبة، داعياً الزوار الأجانب إلى اكتشاف ما تختزنه المقابر من تاريخ وفنون تمتد لنحو ألفي عام.