العودة للرئيسية
سياحة وسفر

الدونر كباب من المطبخ العثماني إلى موائد العالم

انتقل الدونر كباب من أسلوب قديم لشواء اللحوم إلى وصفة طوّرها الطهاة العثمانيون، قبل أن تنتشر في أوروبا والشرق الأوسط والأميركيتين بأسماء وطرق تقديم مختلفة. وتكشف رحلته التاريخية صلاته بالشاورما والترومبو والتاكو العربي، إلى جانب تحوله من طعام شوارع إلى طبق تقدمه مطاعم كبرى.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
مشهد داخل محل مأكولات يعرض سيخاً كبيراً من لحم الدونر كباب، فيما يعمل عاملان يرتديان زي الطهاة وأقنعة واقية خلف المنضدة. تظهر أمامهما مكونات وأطباق وقائمة طعام مكتوبة بالإسبانية.

تحوّل الدونر كباب، الذي يقوم على تكديس شرائح اللحم وشوائها ببطء على سيخ دوار، من وصفة ارتبطت بالمطبخ العثماني إلى طعام عالمي حاضر في شوارع أوروبا وأسواق الشرق الأوسط وشاحنات الطعام في الولايات المتحدة.

وخلال رحلة امتدت قروناً، حمل المهاجرون هذه الطريقة إلى بلدان جديدة، حيث اكتسبت أسماء ونكهات متعددة، من الشاورما إلى الترومبو والتاكو العربي. ولا تقتصر شهرة الدونر على رائحة اللحم المشوي وطريقة تقديمه السريعة، إذ يمكن أن توفر الوجبة البروتين وعدداً من الفيتامينات والمعادن.

غير أن قيمتها الغذائية ترتبط بنوع اللحم والخبز والإضافات المستخدمة؛ فاختيار اللحم القليل الدسم وخبز القمح الكامل، وزيادة كمية الخضراوات والأعشاب، والحد من الصلصات والإضافات الغنية بالصوديوم والسعرات الحرارية، يجعل الوجبة أكثر توازناً.

شواء السيخ الدوار في أصول الطهي القديم

ويرى مؤرخ الطعام كين ألبالا، الأستاذ في جامعة المحيط الهادي بولاية كاليفورنيا، أن شوي اللحم على سيخ دوار يعد «من أقدم طرق الطهي التي عرفها البشر». وفي هذا الأسلوب لا يوضع اللحم مباشرة فوق النار، بل يُطهى ببطء إلى جوارها، بما يساعده على اكتساب نكهة مميزة وغنية.

وتقول سوزان شيرات، أستاذة علم الآثار الفخرية في جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، إن مشاهد ولائم اللحوم المشوية على الأسياخ ظهرت بوضوح في ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة». كما عُثر في منطقة بحر إيجة على أسياخ حديدية يُحتمل أنها استُخدمت في الشواء، ويعود تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وفق تصريحات نقلتها شبكة «سي إن إن».

الطهاة العثمانيون يبتكرون تكديس شرائح اللحم

وظلت طرق الشواء الدوار القديمة تعتمد على طهي حيوانات كاملة أو قطع كبيرة منها، قبل أن يطور الطهاة العثمانيون أسلوباً مختلفاً يقوم على رص شرائح رقيقة من اللحم النيئ في كتلة مخروطية كثيفة حول سيخ معدني، ثم طهيها تدريجياً في أثناء دوران السيخ أمام مصدر الحرارة.

وتورد الباحثة ماري إيشين في كتابها «الإمبراطورية الغنية: تاريخ المطبخ العثماني» دليلاً مبكراً على هذه الطريقة، مستندة إلى مخطوطة ترجع إلى عام 1620. وتُظهر المخطوطة طهاة يقطعون اللحم من أسياخ دوارة مؤلفة من طبقات مرصوصة، بعدما كلفهم رجل الدولة العثماني حافظ أحمد باشا بإعداد الطبق لتقديمه إلى أفراد الطبقة الراقية خلال النزهات الملكية.

وبحلول أوائل القرن التاسع عشر، كانت الوصفة قد انتشرت في مناطق واسعة من الإمبراطورية العثمانية، التي امتدت من وسط أوروبا وشمال أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية.

وتقول إيشين إن الدونر انتقل آنذاك من موائد الطبقة الراقية إلى طعام متاح لعامة الناس، ثم أصبح وجبة مفضلة لدى السياح المترددين على مطاعم الكباب في إسطنبول، بعد شيوع وصفه بأنه «الطبق الألذ في البلاد». وتكشف نصوص عثمانية عثرت عليها إيشين، وتعود إلى القرن الخامس عشر، أن اللحوم المشوية على الأسياخ الدوارة كانت توصف باسم «تشيفيرمه كبابي».

وفي مطلع القرن العشرين، تحول هذا المصطلح في العربية والإنجليزية إلى كلمة «شاورما»، بينما حل اسم «دونر» محل «تشيفيرمه» داخل الإمبراطورية العثمانية. ويشير الاسمان، بحسب إيشين، إلى اللحم الذي يُشوى على سيخ دوار.

الهجرة تنقل الدونر وتبدّل أسماءه ووصفاته

ومن أراضي الدولة العثمانية انتقلت طريقة إعداد اللحم إلى الشرق الأوسط وأوروبا، كما حمل المهاجرون القادمون من آسيا الصغرى الدونر إلى اليونان. ومع تنقل الجماعات المهاجرة بين القارات، تغيرت أنواع اللحوم والتتبيلات وطرق التقديم، وظهرت للطبق تسميات محلية تعكس شكله أو البيئة الجديدة التي استقر فيها.

وفي ألمانيا، أصبح الدونر واحداً من الوجبات المفضلة، وفق عائشة تشاغلار، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة فيينا. ووصل عدد مطاعم الدونر كباب في العاصمة برلين إلى ألف مطعم، في حين بلغت الإيرادات السنوية لهذا الطعام في أنحاء أوروبا 3.5 مليارات يورو، بحسب رابطة منتجي الدونر الأتراك في أوروبا.

ومن الأسماء التي ظهرت مع انتشار طريقة الشواء كلمة «ترومبو» الإسبانية، التي تعني لعبة «النحلة الدوارة». ويرتبط الاسم بالتشابه بين اللعبة والشكل المخروطي العمودي لكتلة اللحم المثبتة على السيخ قبل تقطيع طبقتها الخارجية المشوية. ووصلت الوصفة كذلك إلى المكسيك عبر المحيط الأطلسي.

ويقول جيفري بيلتشر، أستاذ تاريخ الغذاء في جامعة تورنتو، إن جالية لبنانية كبيرة ذات أصول عثمانية نقلت الشاورما إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر. وهناك عُرفت الوجبة باسم «تاكو أرابيس»، أي «التاكو العربي»، ضمن صور التكيف المحلي للوصفة الأصلية. ويُحضّر الدونر التركي عادة من شرائح رقيقة من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج، تُكدّس على سيخ كبير وتدور ببطء أمام الحرارة.

الدونر ينتقل من الشارع إلى المطاعم الكبرى

وعندما تصبح الطبقة الخارجية ذهبية اللون ومقرمشة، يقطع الطاهي منها شرائح بعناية، فيما تواصل الكتلة الداخلية دورانها ونضجها على مراحل. ويقول الطاهي ودات باشاران، مالك مطعم معروف في إسطنبول والباحث في تراث الطهي العثماني، إن الدونر انتقل من مجرد طعام يُباع في الشوارع إلى وجبة تقدمها المطاعم.

وتستقبل أكبر مطاعم الدونر في إسطنبول آلاف الزبائن يومياً، وتقدم شرائح شديدة الرقة من اللحم في أطباق إلى جانب خبز اللافاش الرقيق والسلطة الطازجة والبصل المرشوش بالسماق. ويضيف باشاران أن الدونر أصبح وجبة تناسب الاحتفالات والتجمعات لدى مختلف فئات المجتمع.

وفي المقابل، تقدم مطاعم صغيرة منتشرة في إسطنبول نسخة أخرى، تُقطع فيها اللحوم إلى شرائح سميكة وتوضع داخل خبز البيتا على هيئة شطيرة. وتختلف هذه الصورة عن الطريقة التركية التقليدية، لكنها تقترب كثيراً من الدونر الشائع في ألمانيا. وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين الدونر والشاورما، فإن التتبيل وطرق التقديم يمنحان كل طبق طابعاً مختلفاً.

فالدونر معروف عادة بنكهة هادئة تميل إلى المذاق المدخن، ويعتمد على لحم طري عالي الجودة يُتبل بخفة بالملح والفلفل الأسود، بما يسمح ببقاء النكهة الطبيعية للحوم واضحة. ويقدم الدونر ملفوفاً في خبز اللافاش، أو محشواً داخل خبز البيتا، أو موضوعاً فوق الأرز مع الزبادي والخضراوات المشوية والصلصات الغنية بالزبدة.

كما يقدم على طريقة «إسكندر»، حيث تغطى شرائح اللحم بصلصة الطماطم والزبدة والزبادي، وهو تنوع يمنح الطبق قواماً ونكهات مختلفة بحسب طريقة إعداده. أما الشاورما فتتميز بتتبيلة أقوى تضم مزيجاً من الكمون والقرفة والكركم والثوم، ما يمنحها نكهة عطرية غنية بالتوابل.

وتقدم عادة داخل خبز البيتا مع الطحينة وصلصة الثوم والمخللات والسلطات الطازجة. وتصف مدربة الطهي ومدونة الطعام صوفي رينويك الدونر بأنه «الجد الأكبر» للوصفات التي تفرعت عنه، ومن بينها الشاورما والترومبو والتاكو.