العودة للرئيسية
صحة

المشي وحده لا يكفي لحماية العظام بعد سن الأربعين

يوصي مختصون بالجمع بين المشي وتمارين المقاومة والأنشطة الحاملة لوزن الجسم للحفاظ على صحة العظام بعد الأربعين. وتظهر مراجعات علمية أن الرياضة قد تحسن كثافة العظام، فيما تزداد أهمية اختيار برنامج تدريجي وآمن لدى المصابين بالهشاشة أو مشكلات المفاصل والعمود الفقري.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رجل يمارس الركض على ممر مرصوف في حديقة خضراء بين الأشجار.

لا يُعد المشي اليومي وحده كافيا بالضرورة لحماية العظام بعد سن الأربعين، رغم أهميته لصحة الجسم، إذ يوصي مختصون بالجمع بينه وبين تمارين المقاومة والأنشطة الحاملة لوزن الجسم وتمارين التوازن.

ويهدف هذا التنوع إلى تحفيز العظام، والحفاظ على الكتلة العضلية، وتقليل احتمالات السقوط والكسور مع التقدم في العمر. وتتجاوز صحة العظام مسألة الحصول على الكالسيوم وفيتامين «د»، لأن العظام نسيج حي يتأثر أيضا بنوع الحركة والضغط الميكانيكي الواقع عليه.

هشاشة العظام تتجاوز انخفاض الكثافة

ويقول الدكتور محمد عبد الباقي، استشاري أمراض الروماتيزم والطب الفيزيائي والأخصائي المعتمد في قياس كثافة العظام بمركز أيكون الطبي في قطر، إن هشاشة العظام تعني فقدان جزء من قدرة العظام الطبيعية على تحمل الضغوط، مما يجعلها أكثر قابلية للكسور.

ويوضح عبد الباقي أن هشاشة العظام لا ترتبط بانخفاض كثافتها فحسب، بل تشمل كذلك جودة بنائها. ويحمل اعتماد «CCD» الذي حصل عليه صفة مهنية تمنحها الجمعية الدولية للقياس السريري لكثافة العظام للممارسين المؤهلين لتفسير فحوص قياس كثافة العظام.

ويشبّه عبد الباقي صحة العظام على المدى الطويل بفكرة «المخزون العظمي»، إذ يمنح بناء كتلة عظمية قوية خلال الطفولة والمراهقة وبدايات الشباب الإنسان مخزونا أكبر يساعده على مواجهة الفقد التدريجي الذي يصاحب التقدم في السن. وبناء على ذلك، يؤكد أن الوقاية من هشاشة العظام لا تبدأ بعد بلوغ الأربعين، وإنما منذ مرحلة الطفولة.

ويشير المعهد الوطني الأميركي لالتهاب المفاصل وأمراض العضلات والعظام والجلد إلى أن الكتلة العظمية تصل لدى معظم الأشخاص إلى ذروتها بحلول منتصف أو أواخر العشرينيات. ولذلك يؤثر مقدار ما يبنيه الإنسان من كتلة عظمية خلال الصغر والشباب في صحة عظامه خلال المراحل اللاحقة من حياته.

التحميل الميكانيكي يدعم بناء العظام

وبحسب عبد الباقي، يحتاج بناء العظام والحفاظ عليها إلى تغذية سليمة وتوافر الكالسيوم وفيتامين «د»، بالتوازي مع تعريضها للتحميل أو الضغط الميكانيكي المناسب. وتوفر الرياضات التي تحمل وزن الجسم، أو تجعل العضلات تشد على العظام، حافزا ميكانيكيا يساعد العظام على التكيف والمحافظة على قوتها.

وتشمل هذه الأنشطة المشي والجري والقفز وصعود الدرج، إلى جانب استخدام «الترامبولين» بالنسبة للأطفال. كما تندرج ضمنها تمارين المقاومة التي يمكن تنفيذها بالأوزان أو الأجهزة أو وزن الجسم. ويوضح عبد الباقي أن المقاومة تولد شدا تنقله العضلات إلى العظام، ومن ثم لا تتوقف فوائدها عند تقوية العضلات، بل تمتد إلى الهيكل العظمي.

5581
عدد النساء المشاركات في المراجعة

وتدعم مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2023 في مجلة «أوستيوبوروسيس إنترناشونال» أهمية النشاط البدني للعظام. وشملت المراجعة 80 دراسة شاركت فيها 5581 امرأة بعد انقطاع الطمث، وربطت ممارسة الرياضة بتحسن كثافة العظام في الفقرات القطنية وعنق عظم الفخذ والورك.

الفئات الأكثر عرضة لفقدان العظام

وتستدعي صحة العظام عناية أكبر لدى النساء بعد انقطاع الطمث، ولا سيما مع التقدم في السن، وكذلك لدى الرجال الأكبر سنا، وفقا لعبد الباقي. ويرتفع خطر الإصابة أيضا لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لهشاشة العظام، ما يجعل الانتباه إلى عوامل الخطورة والكشف المبكر أكثر أهمية لهذه الفئات.

وتضم عوامل الخطورة الاستخدام المطول لبعض الأدوية، وفي مقدمتها الكورتيزون، فضلا عن بعض علاجات السرطان والعلاجات الهرمونية. كما تشمل السكري وأمراض الغدد والاضطرابات الهرمونية، ومنها فرط نشاط الغدة الدرقية أو جارات الدرقية، ونقص الهرمونات الجنسية، والانقطاع المبكر للدورة الشهرية.

ويضيف عبد الباقي إلى القائمة أمراض سوء الامتصاص، والتهابات الأمعاء المزمنة، وبعض الأمراض الروماتيزمية. كما يلفت إلى ارتباط هشاشة العظام بالتدخين والإفراط في تناول الكحول وقلة ممارسة الرياضة وسوء التغذية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في قدرة الجسم على بناء العظام أو المحافظة على قوتها.

وتحتاج جراحات علاج السمنة، وخصوصا عمليات تحويل المسار، إلى متابعة منتظمة، مع الالتزام بالمكملات الغذائية التي يحددها الطبيب. وقد أوصت إرشادات فرنسية نُشرت عام 2022 في مجلة «جوينت بون سباين» بتقييم خطر الكسور لدى الخاضعين لجراحات السمنة، والعناية بتناول الكالسيوم والبروتين وفيتامين «د»، إلى جانب النشاط البدني.

ودعت الإرشادات إلى اهتمام خاص بمن خضعوا لتحويل مسار المعدة وبعض الإجراءات التي تؤثر في الامتصاص. ويرى عبد الباقي أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة ينبغي أن يهتموا بالكشف المبكر عن هشاشة العظام، بما في ذلك إجراء فحص كثافة العظام عندما تتوافر دواع طبية تستلزم ذلك.

الأطباء يدعون إلى تنويع التمارين بعد الأربعين‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎

من جانبه، يقول الدكتور فراس عاشوري، رئيس قسم جراحة العظام بمستشفى أمان في قطر، إن المشي اليومي مهم جدا لصحة العظام وللجسم عموما، لكنه «وحده ليس كافيا بالضرورة». وينصح من تجاوزوا الأربعين بالجمع بين المشي وتمارين المقاومة والأنشطة التي تحمل وزن الجسم، بدلا من الاعتماد على نوع واحد من الحركة.

ويوضح عاشوري أنه لا يوجد تمرين واحد يمكن وصفه بأنه الأفضل لجميع الأشخاص. فالمشي السريع وصعود الدرج والأنشطة الحاملة للوزن تساعد على تحفيز العظام، بينما تسهم تمارين المقاومة في تقوية العضلات ودعم المفاصل وتحسين التوازن. ولهذا تتحقق فائدة أكبر عند الجمع بين هذه الأنشطة بدلا من الاكتفاء بالمشي.

وخلصت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في مجلة «مينوبوز»، وشملا 10 تجارب، إلى أن المشي وحده لم يُظهر أثرا واضحا في كثافة الفقرات القطنية أو الجسم بأكمله لدى النساء في مرحلتي ما حول انقطاع الطمث وما بعده. في المقابل، ظهرت فائدة في عنق عظم الفخذ ضمن البرامج التي استمرت أكثر من 6 أشهر.

وتزداد أهمية تمارين المقاومة مع العمر، بحسب عاشوري، لأنها تساعد على الحفاظ على الكتلة العضلية وقوة العضلات، وفي الوقت نفسه تمنح العظام التحفيز الميكانيكي اللازم للمساعدة في صون قوتها. كما أن تحسين قوة العضلات والتوازن والثبات يمكن أن يخفض خطر التعرض للسقوط والإصابات.

وفي عام 2025، نشرَت مجلة «جورنال أوف أورثوبيديك سيرجري أند ريسيرش» تحليلا تلويا شمل 17 تجربة عشوائية شاركت فيها 690 امرأة بعد انقطاع الطمث. وتوصل التحليل إلى أن تمارين المقاومة حسنت كثافة العظام في الفقرات القطنية وعنق عظم الفخذ والورك الكلي، مع وجود تفاوت بين نتائج الدراسات في بعض المواضع.

ولا تعني ممارسة تمارين المقاومة، وفق عاشوري، الاضطرار إلى رفع أوزان شديدة الثقل. ويمكن للشخص أن يبدأ بمقاومة بسيطة، ثم يزيدها بصورة تدريجية، على أن تبقى التقنية الصحيحة أولوية خلال التدريب. وينصح من لم يعتد ممارسة الرياضة بأن يبدأ بتمارين سهلة ومقاومة خفيفة، ثم يرفع الشدة مع تحسن القوة واللياقة.

ويشدد عاشوري على أن جودة الحركة وصحة التقنية أهم من مقدار الوزن المستخدم. ويحذر من البدء المفاجئ بأوزان ثقيلة أو تمارين مرتفعة الشدة، وكذلك من تجاهل الألم ومواصلة التدريب رغم وجوده، لأن البرنامج ينبغي أن يتناسب مع قدرة الشخص وحالته الصحية.

ويحتاج المصابون بهشاشة العظام، ومن لديهم تاريخ سابق للكسور أو مشكلات في العمود الفقري والمفاصل، إلى تعديل التمارين بما يلائم حالتهم. ويضيف عبد الباقي أن بعض من تجاوزوا الأربعين قد يعانون خشونة المفاصل، ولذلك يجب اختيار أنشطة توفر التحميل والمقاومة من دون الإضرار بالمفاصل أو الفقرات عند وجود مشكلة مرضية.

ويعتبر المعهد الوطني الأميركي لالتهاب المفاصل وأمراض العضلات والعظام والجلد أن الجمع بين التمارين الحاملة للوزن وتمارين المقاومة وتمارين التوازن هو الخيار الأنسب لدعم صحة العظام والوقاية من السقوط والكسور. ويوصي باستشارة مختص قبل بدء برنامج رياضي جديد بالنسبة لمن يعانون انخفاض كثافة العظام أو هشاشتها.

لا تنتظر حتى تشعر بضعف العظام أو العضلات حتى تبدأ بالاهتمام بها

وبذلك يظل المشي نقطة بداية مفيدة، لكنه يمثل جزءا من برنامج أكثر تنوعا، يضم تمارين المقاومة والأنشطة الحاملة للوزن والتوازن، مع مراعاة العمر والحالة الصحية.

ويمنح هذا الجمع العظام والعضلات فرصة أفضل للاحتفاظ بالقوة، ودعم التوازن، وتقليل خطر الكسور والإصابات المرتبطة بالسقوط.