العودة للرئيسية
صحة

وفاة مشتبه بارتباطها بالطاعون تستنفر السلطات الصحية في روسيا

وضعت السلطات الصحية في منطقة إيركوتسك بسيبيريا 197 شخصا تحت المراقبة أو العزل الاحترازي بعد وفاة موظفة في معهد لمكافحة الطاعون، وسط اشتباه بإصابتها بعدوى شديدة الخطورة. ولا تظهر أعراض على المخالطين، بينما جاءت النتائج المخبرية الأولية سلبية، ما يجعل احتمال تحول الواقعة إلى تفش واسع بعيدا حتى الآن.

••8 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تظهر امرأة ترتدي قناع طبيب الطاعون وقبعة وملابس سوداء، بينما يقف شخص آخر بالزي نفسه في الخلفية. المشهد في موقع خارجي ذي جدران حجرية أو طوبية.

تراقب السلطات الصحية الروسية 197 شخصا وتحقق في ظروف وفاة موظفة شابة بمعهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون، بعد الاشتباه في ارتباط وفاتها بعدوى شديدة الخطورة قد تكون الطاعون الرئوي. ودفعت الواقعة إلى فرض عزل احترازي على المخالطين وحجر مؤقت على قسم في مستشفى بمنطقة إيركوتسك في سيبيريا، من دون ظهور علامات مرض على الأشخاص الذين شملهم التتبع حتى الآن.

وفاة موظفة بمعهد مكافحة الطاعون

وأكد رئيس جمهورية بورياتيا المجاورة لمنطقة إيركوتسك، أليكسي تسييدينوف، وفاة امرأة يُحتمل أن تكون مرتبطة بالطاعون. وكانت سلطات إيركوتسك قد وصفت الواقعة في البداية بأنها حالة مشتبه فيها من «عدوى شديدة الخطورة»، من دون أن تحدد المرض رسميا في إعلان مفصل.

وتراوحت تقديرات عمر المتوفاة، التي كانت تعمل في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون، بين 27 و28 عاما. وأفادت تقارير روسية ودولية بأنها ربما تعرضت للبكتيريا خلال عملها في المختبر، إثر حادث يتعلق بأنبوب اختبار يحوي بكتيريا حية، لكن هذه الرواية لم تُعرض بصورة كاملة ضمن بيان رسمي مفصل صادر عن السلطات الصحية الروسية.

ونُقلت الموظفة إلى مستشفى في مدينة شيليخوف قرب إيركوتسك بعد ظهور أعراض تنفسية شديدة عليها. ثم تدهورت حالتها الصحية، واضطر الأطباء إلى وضعها على جهاز للتنفس الاصطناعي، قبل إعلان وفاتها. وأثارت طبيعة الأعراض ومكان عملها مخاوف من احتمال إصابتها بالشكل الرئوي من الطاعون.

وبعد الوفاة، حددت السلطات 197 شخصا يُعتقد أنهم خالطوا المريضة، وأخضعتهم للمراقبة الطبية أو العزل على سبيل الاحتياط. كما فُرض الحجر مؤقتا على قسم بالمستشفى الذي عولجت فيه، بالتوازي مع بدء إجراءات التتبع الوبائي والتحقيق في ملابسات الواقعة ومصدر العدوى المحتملة.

وقال حاكم إيركوتسك إيغور كوبزيف إن المخالطين الذين جرى حصرهم لا تظهر عليهم حاليا أي علامات للمرض، مضيفا أن النتائج المخبرية الأولية جاءت سلبية. وتعزز هذه النتائج الأولية تقدير أن احتمال انتقال العدوى على نطاق واسع لا يزال بعيدا، مع استمرار الحذر نظرا إلى سرعة تطور الطاعون الرئوي وخطورته إذا تأخر العلاج.

كيف ينتقل الطاعون الرئوي ويتطور

والطاعون عدوى بكتيرية وليس مرضا فيروسيا، وتسببه بكتيريا «يرسينيا بيستيس» التي توجد بصورة طبيعية لدى بعض القوارض الصغيرة والبراغيث المتطفلة عليها. وظلت هذه البكتيريا موجودة في بؤر حيوانية طبيعية رغم ارتباط المرض تاريخيا بأوبئة واسعة، أبرزها الوباء المعروف باسم «الموت الأسود» قبل قرون.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، يمكن أن تصل العدوى إلى الإنسان عبر لدغة برغوث مصاب، أو عند ملامسة أنسجة وسوائل حيوان أو شخص يحمل البكتيريا. ويمكن أيضا أن تنتقل باستنشاق جزيئات تنفسية يطلقها شخص مصاب بالطاعون الرئوي، وهو المسار الذي يمنح هذا النوع قدرة على الانتقال مباشرة بين البشر. ويظهر المرض في صور رئيسية عدة.

أكثرها شيوعا الطاعون الدبلي، الذي يؤدي عادة إلى تورم مؤلم في العقد اللمفاوية، بينما يحدث الطاعون الإنتاني عندما تنتشر البكتيريا في الدم. أما الطاعون الرئوي فيصيب الرئتين، ويُعد الشكل الأكثر إثارة للقلق بسبب قدرته على الانتقال عبر الجزيئات التنفسية الناتجة عن السعال.

وتصف منظمة الصحة العالمية الطاعون الرئوي بأنه قادر، في ظروف معينة، على التسبب في أوبئة شديدة. وعلى خلاف الطاعون الدبلي المعتاد، لا يتوقف انتقاله بالضرورة على وسيط حيواني أو لدغات البراغيث، إذ قد تنتقل البكتيريا من مريض إلى شخص قريب منه عند التعرض المباشر للرذاذ التنفسي.

وتشير بيانات المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها إلى أن فترة حضانة الطاعون الرئوي قصيرة في العادة، وتتراوح غالبا بين يوم واحد و3 أيام. وقد تبدأ الإصابة بحمى وصداع وضعف شديد، قبل أن تتطور إلى ألم في الصدر وسعال وصعوبة في التنفس، ما يجعل الساعات الأولى للتشخيص والعلاج شديدة الأهمية.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن معدل الوفاة في الأشكال المختلفة للطاعون قد يتراوح بين 30% و100% عندما يُترك المرض من دون علاج. ويصبح الشكلان الرئوي والإنتاني قاتلين في كثير من الحالات إذا لم يبدأ التدخل الطبي مبكرا، بسبب سرعة انتشار البكتيريا وتدهور وظائف الجسم والجهاز التنفسي.

لكن الإصابة بالطاعون في الوقت الحاضر لا تعني حكما حتميا بالموت كما كان الوضع في القرون الماضية. فالمرض ناتج عن بكتيريا ويمكن علاجه بالمضادات الحيوية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن التشخيص المبكر وبدء العلاج بسرعة قادران على إنقاذ حياة المصابين.

ورغم إمكان انتقال الشكل الرئوي بين البشر، لا تشير الأدلة الوبائية إلى أنه ينتشر عادة بسهولة تماثل أمراضا تنفسية شديدة العدوى مثل الحصبة والإنفلونزا وكوفيد-19. ويتطلب انتقاله في معظم الحالات اقترابا شديدا من مريض يسعل، ولا سيما في المراحل المتقدمة التي تزداد فيها الأعراض التنفسية.

وخلصت مراجعة علمية نشرها باحث من المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن انتقال الطاعون الرئوي بين الأشخاص يرتبط عادة بالمخالطة القريبة لمريض مصاب بالسعال. وأظهرت الخبرات السابقة أن تجنب الاحتكاك المباشر واستخدام وسائل حماية الجهاز التنفسي ساهما في قطع سلاسل العدوى خلال حوادث تفش سابقة.

كما توصلت مراجعة موسعة للتاريخ الطبيعي لبكتيريا الطاعون إلى نتيجة مماثلة. وأظهر تحليل شمل 8 فاشيات موثقة للطاعون الرئوي متوسطا تقديريا يقارب 1.3 إصابة ثانوية ينقلها كل مريض، مع وجود اختلاف كبير بين البيئات تبعا لظروف المخالطة وسرعة اكتشاف الحالات وتطبيق تدابير العزل.

وأشارت المراجعة إلى وقائع في الصين تعرض فيها أكثر من 200 شخص لمخالطة مرضى، من دون تسجيل إصابات ثانوية بينهم بعد تطبيق الحجر والمتابعة. كما خلصت إلى أن العدوى غالبا ما تتطلب وجود الشخص وجها لوجه وعلى مسافة قريبة من مريض يسعل، وهو ما يحد من قدرتها على الانتشار المتسلسل مقارنة ببعض الفيروسات التنفسية.

ولا تعني هذه البيانات استحالة وقوع تفش كبير للطاعون الرئوي، لكنها تساعد في تفسير عدم تحول معظم الحالات الحديثة إلى موجات وبائية واسعة. وتؤدي سرعة العزل، واستخدام وسائل الوقاية، وتقديم المضادات الحيوية للمصابين والمخالطين المعرضين، دورا حاسما في منع امتداد سلاسل الانتقال.

وفي هذا السياق، لا تمثل مراقبة 197 شخصا في روسيا دليلا على وجود العدد نفسه من الإصابات المحتملة أو على تعرض جميع المخالطين لدرجة مرتفعة من الخطر. ففي التعامل مع الأمراض النادرة والشديدة، توسع فرق الصحة العامة عادة نطاق التتبع حتى لا تفلت حالة محتملة، خصوصا عندما يكون توقيت بدء العدوى أو مسار التعرض غير محسوم.

وتوصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بإعطاء مضادات حيوية وقائية للأشخاص الذين خالطوا عن قرب ومدة كافية مريضا بالطاعون الرئوي، وكذلك لمن لمسوا مباشرة أنسجة أو سوائل مصابة. ويستمر العلاج الوقائي عادة 7 أيام، إلى جانب متابعة ظهور أي أعراض خلال الفترة المرتبطة باحتمال تطور العدوى.

أحدث أرقام الطاعون وتفشي مدغشقر

ولا تزال إصابات الطاعون البشرية تُسجل في عدد من دول العالم. وقالت منظمة الصحة العالمية، في تحديث نشرته في 29 سبتمبر/أيلول 2026، إن معظم الحالات المبلغ عنها بين عامي 2019 و2025 جاءت من جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر، حيث تستمر بؤر طبيعية للبكتيريا وتحدث إصابات بشرية بين حين وآخر.

وتسجل الولايات المتحدة بدورها حالات متفرقة سنويا، ويبلغ المتوسط الحديث نحو 7 حالات بشرية كل عام، وفقا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. وتتركز تلك الحالات في مناطق من غرب الولايات المتحدة، وتكون معظم الإصابات من الطاعون الدبلي، وليس من النوع الرئوي القابل للانتقال مباشرة بين البشر.

وعلى المستوى العالمي، سجلت منظمة الصحة العالمية 3248 حالة طاعون و584 وفاة خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2015. وتظهر هذه الأرقام أن المرض لم يختف، رغم أن توفر التشخيص والمضادات الحيوية وأنظمة المراقبة جعل التعامل معه مختلفا جذريا عن موجات الطاعون التاريخية.

2348
حالات تفشي مدغشقر

ويقدم تفشي مدغشقر عام 2017 مثالا حديثا على قدرة الطاعون الرئوي على الانتشار عندما تتوافر ظروف مناسبة. فبين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، أبلغت السلطات عن 2348 حالة مؤكدة أو محتملة أو مشتبه فيها، وسُجلت بينها 202 وفاة، فيما كان الجزء الأكبر من الحالات مصابا بالشكل الرئوي.

ووصلت الإصابات خلال ذلك التفشي إلى عشرات المناطق وإلى مدن رئيسية، إلا أن حملات واسعة لتتبع المخالطين وتقديم العلاج الوقائي ساعدت على احتوائه. وتابع العاملون الصحيون أكثر من 7 آلاف مخالط، تلقوا مضادات حيوية وقائية بهدف منع تطور العدوى وقطع انتقالها إلى أشخاص آخرين.

وتوضح تجربة مدغشقر أن الطاعون الرئوي قادر فعليا على إحداث تفشيات كبيرة، لكنها تبين في الوقت نفسه فاعلية اكتشاف الحالات وعزلها بسرعة، وعلاج المرضى، ومراقبة المخالطين ومنحهم العلاج الوقائي. وتقل قدرة العدوى على التوسع كلما بدأ تطبيق هذه الإجراءات في مرحلة مبكرة.

ولا يمكن استبعاد ظهور فاشيات أخرى مستقبلا، لأن بكتيريا الطاعون لا تزال مستقرة في مستودعات حيوانية طبيعية في أجزاء من أفريقيا وآسيا والأمريكتين. وتعد منظمة الصحة العالمية المرض خطرا صحيا يتطلب إبقاء أنظمة المراقبة والاستعداد قادرة على اكتشاف الحالات البشرية والاستجابة لها بسرعة.

وتحذر أبحاث حديثة من أن ظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية، أو تأخر التشخيص في مناطق تفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية، قد يزيد صعوبة السيطرة على بعض الفاشيات. وذكرت مراجعة منشورة عام 2024 في دورية «إن بي جي فاكسينز» أن استمرار البؤر الطبيعية واحتمال المقاومة الدوائية يجعلان تطوير لقاحات أكثر فاعلية مجالا مهما للأمن الصحي العالمي.

ومع ذلك، تختلف إمكانية تحول واقعة إيركوتسك إلى جائحة عالمية عن احتمال حدوث تفش محلي. فالمعطيات الأولية تتعلق بحالة وفاة واحدة مشتبه بارتباطها بالطاعون، بينما تحركت السلطات لتتبع المخالطين، ولم تظهر عليهم أعراض، وجاءت نتائج فحوصهم الأولية سلبية بحسب حاكم المنطقة.

كما أن انتقال الطاعون الرئوي يحتاج عادة إلى مخالطة قريبة، ويمكن الحد منه بالعزل ووسائل الوقاية والمضادات الحيوية. وتقلل هذه الخصائص قدرته على الانتشار العالمي المتتابع مقارنة بفيروسات تنفسية مثل كوفيد-19، رغم أن شدة المرض وسرعة تطوره تفرضان استمرار التعامل معه بأقصى درجات الحذر.

التحقيق الصحي يحدد مصدر العدوى

ويركز التحقيق الصحي في المرحلة الحالية على تحديد مصدر إصابة الموظفة، وحسم نوع العدوى التي أدت إلى وفاتها، والتحقق من سلامة جميع المخالطين.

وتظل أدوات التشخيص والعلاج والتتبع والعزل المتاحة حاليا عناصر أساسية في مواجهة مرض قد يكون قاتلا بسرعة، لكنها لم تكن متوافرة عندما تسبب الطاعون في أوبئة تاريخية واسعة.