العودة للرئيسية
صحة

وفيات الأمهات تتصاعد في جبل مرة مع انهيار الخدمات الصحية

تواجه الحوامل في جبل مرة غربي السودان مخاطر متزايدة بسبب إغلاق المرافق الصحية ونقص الأدوية والكوادر وغياب وسائل النقل، فيما تضطر أسر إلى حمل النساء على نقالات خشبية عبر طرق جبلية. وتقول شهادات محلية إن أمهات توفين في الطريق، وسط مجاعة وتدهور صحي يفاقمان الأزمة.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
نساء وأطفال داخل مبنى مفتوح في منطقة ريفية، فيما تحمل إحدى النساء رضيعًا ملفوفًا بالقماش. تظهر مبانٍ طينية وأشجار جافة في الخلفية.

تتصاعد وفيات الأمهات المرتبطة بالحمل والولادة في منطقة جبل مرة غربي السودان، حيث أدى توقف معظم المرافق الصحية ونقص الأدوية والكوادر وغياب سيارات الإسعاف إلى حرمان الحوامل من المتابعة والولادة الآمنة، فيما تضطر أسر إلى نقلهن على الأكتاف أو فوق نقالات خشبية عبر طرق جبلية وعرة للوصول إلى مستشفيات بعيدة.

في قرية دبة نايرة الواقعة على سفح جبل مرة، فقدت آمنة عمر ابنتها وطفلها قبل وصولهما إلى المستشفى. وتروي أن ابنتها كانت في الشهر الثامن من الحمل عندما بدأ مخاضها ليلاً، في وقت لم يكن فيه طبيب أو قابلة أو وسيلة نقل داخل القرية.

وتقول آمنة إن زوج ابنتها وأقاربها حملوها على نقالة خشبية، وساروا بها عبر الدروب الجبلية باتجاه مستشفى منطقة قولو، لكنها توفيت مع طفلها في الطريق قبل أن يصلا إلى المستشفى. وتعيش آمنة اليوم في خيمتها برفقة ثلاثة أطفال، بعد أن خرجت ابنتها منها للعلاج ولم تعد.

جبل مرة خارج سيطرة الجيش والدعم السريع

تمتد منطقة جبل مرة عبر ولايتي وسط وجنوب دارفور، وتخضع لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي أنشأت سلطة مدنية لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، إلى جانب محلية طويلة في ولاية شمال دارفور. وبقيت هذه المناطق خارج سيطرة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، وتحولت خلال سنوات القتال إلى ملاذ لآلاف المدنيين الفارين من المواجهات.

غير أن تدفق النازحين جاء بالتزامن مع تراجع حاد في قدرة النظام الصحي المحلي على تقديم خدماته. ويربط أهال ومنظمات إنسانية وفيات الأمهات بانهيار تدريجي أصاب المنظومة الصحية.

إغلاق المرافق الصحية ونقص الكوادر والأدوية

فبحسب رواياتهم، لم تتوقف المستشفيات نتيجة تعرضها للقصف، وإنما أغلقت أبوابها تدريجياً بعد مغادرة كوادر طبية، وشح التمويل، وتوقف الرواتب وأعمال الصيانة وسلاسل الإمداد، إلى جانب نفاد الأدوية من المستودعات وعدم وصول شحنات جديدة. ويقول الناشط محمد صالح أبكر، وهو من أبناء المنطقة، إن أغلب المرافق الصحية توقفت عن العمل.

وأوضح أن مستشفى دربات الريفي، الواقع في أعلى سفح الجبل، أغلق أبوابه بعدما كان يقدم خدمات الرعاية الصحية الأساسية للنساء، مما حرم الحوامل من المتابعة الطبية وخدمات الولادة الآمنة وفاقم معاناتهن. وأضاف أبكر أن المنطقة سجلت خلال الفترة الأخيرة أكثر من ست وفيات مرتبطة بالولادة.

وأرجع هذه الحالات إلى بُعد المراكز الصحية، وصعوبة الوصول إليها عبر الطرق الجبلية، فضلاً عن غياب الخدمات التخصصية الضرورية لرعاية الأمومة والتعامل مع حالات الولادة المعقدة. ويحذر مسؤول الإعلام في غرف طوارئ منطقة قولو، سليمان آدم النور، من أن وعورة الطرق وانعدام وسائل النقل يزيدان مخاطر الولادة داخل المنازل، ويرفعان احتمالات الإجهاض وفقر الدم والولادة المبكرة.

وناشد الجهات المعنية توفير وسائل نقل وسيارات إسعاف تساعد في إيصال المرضى والحوامل إلى المنشآت الصحية وإنقاذ حياتهم. وبحسب النور، لم تعد المستشفيات القليلة التي واصلت العمل قادرة على إنقاذ الأرواح بسبب نقص العاملين ونفاد الأدوية.

مستشفيا قولو ونرتتي آخر مرافق العمليات

ويُعد مستشفيا قولو ونرتتي المرفقين الوحيدين القادرين على إجراء العمليات القيصرية في المنطقة، كما لم يعد لهما بديل بعد توقف المستشفيات الكبيرة عن العمل. وتعكس أزمة جبل مرة تدهوراً صحياً أوسع في السودان.

256 وفاة لكل مئة ألف ولอ
معدل وفيات الأمهات في السودان

فقد أفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية، صدر في 13 يوليو/تموز 2026، بأن معدل وفيات الأمهات في البلاد وصل إلى 256 وفاة لكل مئة ألف ولادة، أي أعلى بنحو أربعة أضعاف من هدف التنمية المستدامة العالمي لعام 2030، الذي ينص على خفض المعدل إلى أقل من 70 وفاة لكل مئة ألف ولادة.

تفاقم الجوع وسوء التغذية في المنطقة المحاصرة بالخدمات المحدودة؟

وتتزامن أزمة الرعاية الصحية في جبل مرة مع تفاقم الجوع وسوء التغذية والأمراض. ففي 8 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت السلطة المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور دخول جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات النزوح مرحلة وصفتها بأنها «كارثة المجاعة».

وحذرت السلطة من ارتفاع الوفيات وحالات سوء التغذية بين الأطفال والنساء والمسنين، وقدرت عدد الوفيات اليومية الناجمة عن الجوع المباشر والأمراض المرتبطة به بما يتراوح بين 10 و20 وفاة. وعزت تدهور الأوضاع إلى عرقلة وصول قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وفشل الموسم الزراعي بسبب قلة الأمطار، إضافة إلى انتشار الأوبئة وتلوث مياه الشرب.

وتقول فاطمة إبراهيم هارون، وهي ربة منزل تعيش مع أسرتها في جبل مرة، إنها شاهدت عشرات النساء يُحملن على الأكتاف أثناء المخاض وهن يصرخن من الألم، كما شاهدت أطفالاً يولدون على قارعة الطرق الجبلية قبل وصول أمهاتهم إلى المرافق الصحية.

وأضافت هارون أن قرية دربات وحدها فقدت خلال شهرين نحو ثماني أمهات، مرجحة أن يكون العدد الحقيقي أكبر بكثير، لأن العديد من الوفيات لا يجري تسجيلها أصلاً. وتنسجم شهادتها مع إفادات أخرى عن اضطرار السكان إلى قطع مسافات طويلة بالحوامل في ظل غياب وسائل النقل وصعوبة التضاريس.

وتقول شبكة دارفور لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية ترصد وتوثق انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم، إن السكان يحملون النساء الحوامل على الأكتاف لمسافات طويلة للوصول إلى أقرب منشأة صحية. وتقع المستشفيات والعيادات في كثير من الأحيان على بعد كيلومترات من القرى، بينما تظل وسائل النقل محدودة والطرق شديدة الوعورة.

وتشير الشبكة إلى أن النساء اللواتي يتعرضن لولادة متعسرة أو معقدة لا يحصلن غالباً على الرعاية المنقذة للحياة في الوقت المناسب. كما نقلت عن مجتمعات محلية إفادات بوفاة عشرات الأمهات خلال الرحلات من قراهن إلى أقرب منشأة صحية.

ولم ترد السلطة المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة جيش تحرير السودان ولا وزارة الصحة السودانية على طلبات التعليق بشأن أزمة وفيات الأمهات في جبل مرة.

وفي دبة نايرة، لا تزال حوامل في الشهور الأخيرة ينتظرن الولادة وسط الاحتمالات نفسها التي واجهتها ابنة آمنة عمر، بين الولادة داخل خيمة أو على طريق جبلي ومحاولة الوصول إلى مستشفى بعيد.