توفي الممثل الأميركي ريتشارد هاريسون في لوس أنجلوس عن 90 عاما، بعد مسيرة سينمائية امتدت إلى أكثر من 100 فيلم، وعبرت به من الأدوار الصغيرة في هوليوود إلى البطولة في إيطاليا، ثم إلى إنتاجات الحركة والنينجا منخفضة الميزانية في آسيا.
وترك هاريسون زوجته وثلاثة من أبنائه الأربعة، إلى جانب أعمال توزعت على صناعات سينمائية وبلدان وأنواع فنية يصعب جمعها ضمن المسار التقليدي لنجم هوليوودي. ارتبطت إحدى أشهر مفارقات مسيرته بدور رفضه عام 1964، قبل أن يصبح من أبرز الأدوار في تاريخ أفلام الغرب الأميركي.
رفض هاريسون بطولة حفنة من الدولارات
فقد عُرضت عليه بطولة فيلم سيرجيو ليوني «حفنة من الدولارات» (A Fistful of Dollars)، لكنه لم يقبلها، وقال لاحقا إنه اقترح كلينت إيستوود لأداء شخصية الرجل الغريب الذي لا يحمل اسما. ذهب إيستوود إلى الفيلم الذي غيّر مساره وحوّله إلى نجم عالمي، بينما واصل هاريسون رحلة مختلفة في السينما التجارية الدولية.
ولم تكن الواقعة مجرد فرصة ضائعة، إذ اختصرت الفارق بين ممثل عاد من أوروبا إلى هوليوود ليبني مسيرة بارزة في التمثيل والإخراج، وآخر فضّل مواصلة التنقل داخل شبكة السينما الشعبية خارج المركز الأميركي. بدأ هاريسون عمله في هوليوود، لكنه لم يحقق فيها النجومية التي وجدها بعد انتقاله إلى أوروبا.
وحين تراجعت الأنواع السينمائية التي صنعت شهرته في إيطاليا، لم يعد إلى الولايات المتحدة لمحاولة استئناف مسيرته من هناك، بل تحرك نحو هونغ كونغ وصناعة أفلام الحركة الآسيوية التي كانت تبحث عن وجوه أجنبية وتنتج بوتيرة سريعة. وكانت طريقة هاريسون في اختيار بعض أعماله أقرب إلى قرار بالسفر منها إلى تخطيط مهني معتاد.
وقالت المنتجة جوان بورستن، صديقته القديمة، إنه كان يسأل المنتج أولا عن مكان تصوير الفيلم، فإذا كان بلدا أو موقعا لم يزره من قبل وافق على العمل، ثم يبدأ قراءة السيناريو وهو على متن الطائرة. وبحسب شهادتها، لم تكن السينما بالنسبة إليه طريقا إلى الشهرة وحدها، بل وسيلة لاكتشاف العالم أيضا.
من الرياضة إلى أدوار هوليوود الصغيرة
ولد ريتشارد هاريسون في سولت ليك سيتي بولاية يوتا في 26 مايو/أيار 1936، ونشأ في بيئة متواضعة وأجواء عائلية وُصفت بأنها متوترة. وغادر منزل والديه وهو لا يزال مراهقا، متجها إلى كاليفورنيا بحثا عن حياة مختلفة، ووصل إلى هوليوود عندما كان في السابعة عشرة من عمره. لم يبدأ هاريسون طريقه إلى التمثيل عبر المسرح أو العروض المدرسية، بل جاء من عالم الرياضة واللياقة البدنية.
عمل في صالات رياضية، وظهر عارضا في مجلات موجهة إلى المهتمين بالرياضيين، وكان مظهره الجسدي مدخله الأول إلى الوسط الذي سيمنحه لاحقا أدوار البطولة في أفلام المغامرات التاريخية. لم يكتف هاريسون بما يمكن أن يوفره مظهره من أدوار محدودة، فدرس التمثيل وبدأ الحصول على فرص صغيرة.
ريتشارد هاريسون
ممثل أميركي
- 1957
البداية السينمائية
ظهر عام 1957 في فيلم «كرونوس» (Kronos)، ثم شارك في «جين إيغلز» (Jeanne Eagels) إلى جانب كيم نوفاك. وفي عام 1958 ظهر في «تو ماتش، تو سون» (Too Much, Too Soon) مع دوروثي مالون، كما شارك في «ساوث باسيفيك» (South Pacific).
- 1962
بطولة إيطالية
وجد هاريسون في تلك الصناعة ما لم توفره له هوليوود. فبدلا من الظهور لدقائق قليلة بجوار نجم أكبر، أصبح بطل الفيلم، وجاء تحوله الأساسي مع «المصارع الذي لا يقهر» (The Invincible Gladiator) عام 1962. وأصبح الجسد الذي ساعده على دخول السينما الأميركية مؤهله لاحتلال موقع البطولة في الإنتاجات الأوروبية.
- 1963
الويسترن الأوروبي
ظهر هاريسون عام 1963 في فيلم «مبارزة في تكساس» (Duello Nel Texas/Gunfight in the Red Sands)، وهو إنتاج إيطالي إسباني وضع موسيقاه إنيو موريكوني قبل أن يقترن اسمه بأشهر أعمال الويسترن الإيطالي. وفي هذا التحول، أصبح الممثل الذي حمل السيف في عوالم رومانية متخيلة يحمل المسدس في نسخة أوروبية من الغرب الأميركي.
- 1985
استضافة أوليغ فيدوف
وفي عام 1985، دخلت حياة هاريسون واقعة بدت قريبة من أفلام التجسس التي شارك فيها. فقد رفض النجم السوفياتي أوليغ فيدوف، أحد أشهر ممثلي بلاده والذي عُرف لاحقا في الغرب بلقب «روبرت ريدفورد الروسي»، أمرا بالعودة إلى موسكو خلال 72 ساعة، وفر من يوغوسلافيا إلى النمسا بمساعدة صديق نمساوي.
- 1986
العودة إلى لوس أنجلوس
وبذلك وجد الممثل الذي قضى جزءا كبيرا من حياته متنقلا بين بلدان وصناعات سينمائية مختلفة نفسه يستضيف شخصا آخر كان في منتصف رحلة للبحث عن بلد جديد وحياة جديدة. عاد هاريسون إلى لوس أنجلوس عام 1986، بعد نحو ربع قرن من انتقاله إلى أوروبا، وبنى منزلا هناك.
واصل هاريسون الظهور في الإنتاجات الأميركية، وشارك عام 1960 في فيلم «تول ستوري» (Tall Story) مع أنتوني بيركنز. وعلى الرغم من الأسماء الكبيرة التي عمل إلى جانبها، بقيت أدواره محدودة المساحة، فأتاحت له هوليوود الاقتراب من صناعة السينما من دون أن تمنحه المكانة التي حصل عليها سريعا بعد عبوره المحيط الأطلسي.
السينما الإيطالية تمنحه أدوار البطولة
في مطلع الستينيات، كانت السينما الإيطالية تبحث عن نجوم يناسبون موجة أفلام المغامرات التاريخية المعروفة باسم «السيف والصندل» (Sword-and-Sandal). وحققت الأعمال التي تتمحور حول أبطال مفتولي العضلات نجاحا تجاريا، وكان الممثل الأميركي ستيف ريفز من أشهر وجوهها، ما فتح المجال أمام ممثلين يمتلكون حضورا جسديا مماثلا.
وفي العام نفسه، قدم هاريسون فيلمي «منتقم البحار السبعة» (Avenger of the Seven Seas) و«غلادياتور 7» (Gladiator 7). واعتمدت هذه الأفلام نموذجا يقوم على بطل قوي يتحرك في عالم قديم، وسط صراعات على السلطة ومعارك وملابس تاريخية ومغامرات مباشرة، وكانت موجهة أساسا إلى سوق تجارية مزدهرة.
لم تكن تلك الإنتاجات من النوع الذي يضع ممثله بالضرورة في صدارة كتب تاريخ الفن، لكنها منحت هاريسون في تلك المرحلة هوية سينمائية واضحة وسوقا تحتاج إلى مواصفاته. ولذلك لم يعد إلى الولايات المتحدة ليبدأ مجددا محاولة الصعود داخل هرم هوليوود، بل بقي في أوروبا وتكيف مع منطق الصناعة التي منحته فرصة البطولة.
من المصارع إلى بطل الويسترن الإيطالي
ومع انحسار موجة «السيف والصندل»، كانت السينما الإيطالية تعيد صياغة أفلام الغرب الأميركي وفق رؤيتها الخاصة، في النوع الذي عُرف لاحقا باسم «الويسترن سباغيتي». وانتقل هاريسون بدوره من شخصية المصارع إلى راعي البقر، مستفيدا من صناعة أعادت استخدام نجومها وديكوراتها ومواقع تصويرها وفقا للنوع الرائج في السوق.
بعد ذلك بعام، جاءت فرصة «حفنة من الدولارات» التي كان يمكن أن تعيد كتابة مسيرته بالكامل، لكنه رفضها واقترح إيستوود للدور. ومع أن هاريسون واصل العمل بكثافة، فإنه بقي ضمن المجال الذي حقق له الشهرة، أي السينما التجارية الأوروبية ذات الميزانيات المنخفضة والمتوسطة، ولم يحول نجاحه هناك إلى مشروع دائم للعودة إلى هوليوود من موقع أقوى.
بلغت شهرة هاريسون في إيطاليا مستوى جعله غير قادر على السير في الشارع من دون أن يتعرف الناس إليه. وكان في ذلك تناقض أساسي في حياته المهنية، إذ لم يصبح نجما كبيرا في بلده، لكنه جسّد في إيطاليا صورة النجم الأميركي، وظهرت صورته على ملصقات الأفلام بعد أن غادر الصناعة التي بدأ فيها.
ومع نهاية السبعينيات، انحسرت الموجة الأوروبية التي وفرت له أدواره، وبدأت فرص العمل تتراجع.
وكان انتقاله إلى هونغ كونغ أكثر تحولاته المهنية مجازفة، إذ اتجه مرة أخرى إلى صناعة جديدة بدلا من محاولة استعادة بدايته الأميركية، مستفيدا من طلب السينما الآسيوية على الممثلين الأجانب في أفلام الحركة السريعة الإنتاج. على مدى نحو عقد، ظهر هاريسون في عدد كبير من أفلام النينجا والحركة منخفضة الميزانية.
وقد يبدو انتقاله من هوليوود إلى روما، ثم من أفلام المصارعين والويسترن إلى إنتاجات النينجا الآسيوية، ابتعادا متواصلا عن مركز صناعة السينما وفقا للمقاييس التقليدية لمسيرة الممثل، لكنه أظهر في الوقت نفسه قدرته على البقاء داخل المهنة بعد اختفاء السوق التي صنعت كل مرحلة سابقة.
لم يسع هاريسون إلى تثبيت صورة فنية واحدة لنفسه، بل كان يغيرها كلما تغير البلد والنوع السينمائي والسوق. ومع نهاية مسيرته تجاوز رصيده 100 فيلم، كان معظمها من أفلام الدرجة الثانية والإنتاجات محدودة الميزانية. كما عمل أحيانا خلف الكاميرا، وتولى إخراج عدد من الأعمال إلى جانب نشاطه ممثلا.
وجمعت تجربة هاريسون وإيستوود نقطة انطلاق متشابهة، إذ كان كلاهما ممثلا أميركيا وجد في السينما الإيطالية فرصة لم يحصل عليها في بداية عمله داخل الولايات المتحدة. غير أن إيستوود استخدم نجاحه الأوروبي للعودة إلى هوليوود وبناء واحدة من أشهر مسيرات التمثيل والإخراج الأميركية، بينما استمر هاريسون في الاتجاه الآخر متنقلا بين صناعات السينما الشعبية في بلدان مختلفة.
وعند الحدود، تمكن فيدوف من العبور إلى الغرب بعدما كان الحراس منشغلين بمتابعة مباراة لكرة القدم، فلم يدققوا في جواز سفره. لكن وجوده في النمسا لم يفتح له طريقا سريعا إلى الولايات المتحدة، فنُقل إلى روما، حيث استقبله هاريسون في منزله ومنحه مكانا مؤقتا للإقامة.
عاش فيدوف في منزل هاريسون فترة اتسمت بالحذر، فيما كانت الاتصالات جارية لترتيب انتقاله إلى الولايات المتحدة. وحصل لاحقا على أوراقه من خلال السفارة الأميركية في روما، قبل أن يصل إلى لوس أنجلوس في أغسطس/آب 1985. وفي منزل هاريسون نفسه، التقى فيدوف الصحفية الأميركية جوان بورستن، التي أصبحت زوجته بعد سنوات.
وفي سنوات شيخوخته دمر حريق ذلك المنزل. وانتهت رحلته في المدينة التي بدأ منها مسيرته، بعدما صنع شهرته الأساسية بعيدا عنها وترك أكثر من 100 فيلم امتدت من المغامرات التاريخية والويسترن الأوروبي إلى أفلام الحركة والنينجا الآسيوية.