العودة للرئيسية
فن ونجوم

عائلة فنان تونسي تسعى لإدراج «دار عم الطيب» ضمن مسارات سوسة

تعمل عائلة الفنان التشكيلي والنحات التونسي الراحل الطيب بلحاج أحمد على استكمال مسار قانوني يتيح تصنيف منزله ومتحفه الخاص ضمن المعالم الوطنية، تمهيداً لإدراجه في المسالك السياحية لولاية سوسة. ويضم المنزل أعمالاً أنجزها الفنان من مواد مهملة ومتنوعة، إلى جانب تفاصيل معمارية تحمل بصمته.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
واجهة «دار عم الطيب» في سوسة، مزينة بالفسيفساء والحجر، وتضم باباً خشبياً ومصابيح معلقة وأحواضاً للزينة. تظهر لافتة باسم المكان وإشعار مكتوب على الباب.

تسعى عائلة الفنان التشكيلي والنحات التونسي الراحل الطيب بلحاج أحمد إلى منح منزله المعروف باسم «دار عم الطيب» موقعاً على الخريطة الثقافية والسياحية لمدينة سوسة، عبر استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإدراجه ضمن المعالم الوطنية، بما يفتح الطريق أمام ضمه لاحقاً إلى المسالك السياحية في الولاية.

ويحتفظ المنزل، الذي تحول إلى متحف خاص عام 2005، بجانب كبير من أعمال الفنان وذاكرته وتفاصيل تجربته الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي. تقع الدار وسط حي سكني في سوسة، وتتميز واجهتها بتفاصيل تختلف عن المنازل المحيطة بها.

أما داخلها، فتنتشر منحوتات ولوحات وقطع فنية صنعت من النحاس والحجر والرخام والحديد والمطاط والخشب والقش والسيراميك، إضافة إلى مواد وأغراض كانت قد فقدت وظيفتها الأصلية قبل أن يعيد الفنان تشكيلها ويمنحها استخداماً ومعنى جديدين.

تحول منزل الطيب إلى متحف فني

لم يبدأ الطيب بلحاج أحمد، المولود عام 1949 والمتوفى في 7 فبراير/شباط 2022، بناء منزله وفي ذهنه مشروع جاهز لإنشاء متحف. فقد كان البيت في الأصل مكاناً للسكن والعمل، ثم أخذت الأعمال والأفكار تتراكم في غرفه، بينما وضع الفنان لمساته الخاصة على الجدران والتفاصيل المعمارية وشارك بنفسه في تشييد أجزاء منه.

وبمرور الوقت، صار المنزل امتداداً لتجربته الفنية، قبل أن يؤسس فيه متحفه الخاص ويكتب على بابه عام 2005 عبارة «متحف خاص للفن المعاصر». كان بلحاج أحمد فناناً عصامياً لم يتلق تكويناً أكاديمياً، وجمع في مسيرته بين التصوير الزيتي والنحت والنقش على الحجر والرخام والخشب والحديد.

كما شارك في معارض جماعية وأقام معارض شخصية منذ ثمانينيات القرن العشرين. واكتسب تقدير سكان سوسة واحترامهم، حتى أطلقوا عليه لقب «العم الطيب»، وهو اللقب الذي بات يحمله المتحف المقام داخل منزله. ارتكز جانب أساسي من تجربته على شغفه بالأشياء التي يتخلى عنها أصحابها.

ويصف ابنه يوسف هذه الممارسة بأنها «إعادة الحياة للأشياء»، إذ كان والده يجمع المواد والأدوات التي انتهى استخدامها العملي، ثم يحولها إلى أعمال فنية لا تشبه الغرض الذي صنعت من أجله أول مرة. وبدلاً من التعامل معها بوصفها نفايات أو مقتنيات عديمة الجدوى، كان يبحث عما يمكن للفن أن يستخرجه منها من قيمة ودلالة جديدتين.

ويقول يوسف إن «لكل لوحة وكل قطعة قصة»، في إشارة إلى أن الأعمال المعروضة داخل الدار لا تؤدي وظيفة الزينة أو العرض وحدها، بل ترتبط كل منها بفكرة أو حكاية وبالمكان الذي جاءت منه مادتها. ولهذا تحمل محتويات المتحف آثاراً من حياة الأشياء السابقة، إلى جانب التحولات التي أدخلها الفنان عليها عندما أعاد تركيبها وصياغتها ضمن رؤيته الخاصة.

ومن بين القطع الموجودة في الدار أعمال استخدم فيها بلحاج أحمد خوذات تعود إلى جنود قتلوا في ساحات الحروب، فأخرجها من سياقها العسكري وأعاد توظيفها فنياً. وفي عمل آخر، استعان بالبلاستيك لصنع هيئة مجازية تشبه وحشاً أو تمساحاً، بقصد الإشارة إلى التلوث والأخطار التي يمكن أن تترتب عليه بالنسبة إلى الإنسان والبيئة.

وتظهر هذه النماذج كيف ربط الفنان بين المادة المهملة والرسالة التي يريد أن يحملها العمل. وعند نعيه عام 2022، أشارت وزارة الشؤون الثقافية التونسية إلى مسيرته بوصفه فناناً عصامياً استخدم مواد مختلفة في أعماله، وتمكن من تطويع الأشياء القديمة واستلهام قطع فنية تحمل بصمته.

الدار امتداد لتجربة الفنان وذاكرته

ولم تقتصر تلك البصمة على المنحوتات واللوحات والنقوش، إذ امتدت إلى المنزل ذاته، بما في ذلك غرفه وجدرانه وأجزاؤه التي ساهم الفنان في بنائها. لهذا السبب، لا تبدو «دار عم الطيب» كقاعة عرض تقليدية يمكن فصل القطع فيها عن محيطها. فالمنزل هو المكان الذي عاش فيه الفنان وعمل وأنجز جانباً من تجربته، كما أن تصميمه وتفاصيله جزء من هذه التجربة.

ويجد الزائر نفسه أمام فضاء يجمع بين الحياة اليومية والإنتاج الفني، ويحفظ آثار صاحبه في البناء كما يحفظها في الأعمال الموزعة داخله. بعد وفاة بلحاج أحمد، ظلت أعماله في مواضعها داخل المنزل، وتولت عائلته المحافظة على الدار والتعريف بإنتاجه ومسيرته.

وأصبح البيت شاهداً على طريقة الفنان في التفكير والعمل، وعلى المراحل التي انتقل خلالها من جمع المواد المستغنى عنها إلى تحويل المكان بأكمله إلى متحف يحتفظ بجزء واسع من تجربته الفنية. ولم تكن علاقة المنزل بمحيطه ثابتة منذ البداية.

جيران سوسة يشاركون في تغذية التجربة

فقد قابل بعض الجيران ما كان يصنعه الفنان بالاستغراب، قبل أن تتبدل نظرتهم تدريجياً بعدما تعرفوا إلى النتائج التي يحققها باستخدام الأشياء القديمة. ومع إدراكهم أن الأدوات التي يعدونها منتهية الصلاحية قد تتحول على يديه إلى قطع مختلفة، أخذ بعض سكان الحي يزودونه بما لم يعودوا يحتاجون إليه من أغراض وأجهزة.

وفي بعض الأحيان، كانت العائلة تسمع جرس الباب، ثم تجد ثلاجة أو جهاز تلفاز تركه أحد الجيران أمام المنزل، على أمل أن يعثر الفنان له على استخدام آخر. وأسهمت هذه الممارسة في جعل سكان الحي جزءاً من قصة الدار، ليس فقط باعتبارهم جيراناً يراقبون تجربتها، بل أيضاً من خلال تقديم المواد التي كانت تغذي أعمال بلحاج أحمد وتتحول داخل البيت إلى عناصر فنية جديدة.

ويستعيد جار الفنان، عماد بن سالم، علاقته به قائلاً إن الطيب بلحاج أحمد كان «جاراً مميزاً إنسانياً وفنياً»، وإن كل زيارة إلى منزله كانت تكشف عن أشياء وأفكار وأعمال لم تكن موجودة في الزيارة السابقة.

العائلة تطلب إدراج الدار في المسالك السياحية

ووفق شهادة بن سالم، عاش الفنان ببساطة وكرس حياته للأشياء التي أحبها، كما أنفق ما كان يملكه على ما يؤمن به، لتبقى ذاكرة الجار مرتبطة بصاحب الدار وبالمكان الذي احتضن إنتاجه. وتطلب عائلة بلحاج أحمد من الدولة ووزارة الثقافة إدراج «دار عم الطيب» ضمن المسالك السياحية لولاية سوسة، أملاً في أن يسهم الاعتراف الرسمي بالمكان في حماية إرث الفنان وإيصاله إلى جمهور أوسع.

غير أن تثمين المعالم وإدراجها رسمياً يخضعان لمسار قانوني وإجراءات محددة، تتضمن شروطاً متصلة بتاريخ إنشاء المعلم. ومن بين تلك الشروط مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء المعلم حتى يصبح من الممكن النظر في إدراجه ضمن المعالم الوطنية.

وتعمل العائلة على استيفاء المتطلبات والإجراءات القانونية التي تسمح بتحقيق هذا التصنيف، ليصبح ممكناً بعد ذلك ضم الدار إلى المسالك السياحية في سوسة، ونقلها من نطاق الذاكرة العائلية داخل منزل خاص إلى فضاء ثقافي وفني أكثر حضوراً لدى الجمهور.

وتحفظ الدار اليوم فلسفة صاحبها في التعامل مع المواد التي فقدت قيمتها العملية، وتحويلها إلى أعمال تحمل أفكاراً ورسائل، كما تحفظ المسار الذي جعل بيتاً للسكن والعمل متحفاً من دون أن يكون إنشاؤه مخططاً له منذ البداية. وبينما كان بلحاج أحمد يمنح الأشياء المتروكة حياة مختلفة، تواصل عائلته العمل على حماية المنزل الذي جمع تلك الأشياء وضمان بقائه شاهداً على تجربته بعد رحيله.