تبحث الولايات المتحدة وإيران في نيويورك ترتيبا مرحليا لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ 209 أيام، يقوم في مرحلته الأولى على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة مقابل رفع واشنطن حصارها الاقتصادي عن طهران، في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتأتي المحادثات بعد 100 يوم من توقيع مذكرة التفاهم بين البلدين في 17 يونيو/حزيران 2026، والتي لم تمنع عودة المواجهة العسكرية.
وقالت الإدارة الأميركية لاحقا إن إيران هاجمت سفنا تجارية ترفع أعلام دول محايدة في مضيق هرمز يومي 6 و7 يوليو/تموز، بينما بدأت القوات الأميركية في 7 يوليو ضربات استهدفت مواقع لإطلاق الصواريخ ومنظومات دفاع جوي وأصولا بحرية عسكرية وبنى للدعم والقيادة والسيطرة داخل إيران.
المفاوضون يستكشفون اتفاقاً تدريجياً للخروج من الحرب
ونقلت وكالة رويترز عن مصدرين إيرانيين ومسؤولين إقليميين ومصدرين دبلوماسيين غربيين أن المفاوضين يستكشفون طريقا تدريجيا للخروج من الحرب، في ظل تمسك كل طرف بأدوات الضغط التي يمتلكها. وتسعى طهران إلى إنهاء الحصار الذي أثر في صادراتها النفطية واقتصادها، في حين تريد واشنطن ضمان حرية مرور السفن عبر المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
وقال مسؤول إيراني رفيع إن المسار الأكثر واقعية لحل المأزق يتمثل في معالجة الأزمة على مراحل، على أن تشمل الخطوة الأولى إنهاء الحصار وإعادة فتح مضيق هرمز. وأضاف أن الترتيب المقترح قد يتيح لإيران أيضا الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة. غير أن الخلاف بشأن الطرف الذي سيبدأ بتنفيذ التزاماته لا يزال يمثل عقبة رئيسية.
فواشنطن لا تريد رفع الحصار قبل الحصول على ضمانات بشأن الملاحة، بينما ترفض طهران التخلي عن ورقة المضيق من دون تخفيف ملموس للضغط الاقتصادي والعسكري عليها. ويواجه المفاوضون تحديا إضافيا يتعلق بضمان استمرار أي تفاهم جديد، بعد انهيار الترتيبات السابقة في يوليو/تموز.
وترى الأطراف المشاركة في الاتصالات أن التوصل إلى صيغة أولية لا يكفي ما لم تتضمن خطوات متزامنة أو ضمانات تجعل التنازلات قابلة للاستمرار وتحظى بثقة الطرفين. وقال المسؤول الإيراني إن بلاده تستعد في الوقت نفسه لاحتمال تجدد المواجهة، متهما الولايات المتحدة باستخدام الحصار الاقتصادي والتهديد بالقوة للضغط على طهران.
الخلافات تعرقل ضمانات استمرار التفاهم
وأضاف أن القوات الإيرانية في حالة استعداد، معتبرا أن ما وصفه بالمطالب الأميركية المفرطة يقلل فرص نجاح الدبلوماسية. وبحسب مصادر إقليمية، أبدت طهران استعدادا لإخراج مطلب تحصيل رسوم مقابل عبور مضيق هرمز من الاتفاق الرئيسي ووضعه في ملحق جانبي، بعدما أصبح إنهاء الحصار أولوية أكثر إلحاحا.
وأوضحت المصادر أن ذلك سيكون ترتيبا مؤقتا، ولن يعني تخلي إيران رسميا عن موقفها بشأن إدارة الممر البحري. ورفضت دول الخليج مقترح فرض رسوم على حركة العبور، وشددت خلال اتصالاتها في نيويورك على ضرورة استعادة حرية الملاحة وعدم تحويل المضيق إلى وسيلة للضغط على دول المنطقة.
وفي المقابل، دفعت هذه الدول باتجاه خفض التصعيد وإطلاق عملية سياسية تجنب المنطقة جولة جديدة من الحرب. وكان مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قد شاركا، الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول، في محادثات استمرت نحو ثلاث ساعات مع الوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي، وجرت عبر وسطاء تنقلوا بين الجانبين، وفقا لتفاصيل نشرتها وسائل إعلام أميركية.
مواقف متباينة بشأن شروط إعادة فتح المضيق
ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحادثات بأنها مثمرة، وقال إن هناك زخما للتوصل إلى اتفاق. كما ذكر ويتكوف أن الوسطاء أتموا جولة مناقشات مطولة بين الوفدين، معربا عن أمله في أن تكون بناءة، ومؤكدا استمرار جهود الوساطة. وفي المقابل، قال التلفزيون الإيراني إن الاتصالات جاءت لنقل شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وتشمل رفع الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات.
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد أعلن قبل ذلك أن بلاده نقلت شروطها إلى واشنطن عبر قطر وتنتظر رد ترمب. وتضمنت المذكرة الموقعة في يونيو/حزيران التزام إيران ببذل جهود لتأمين مرور السفن التجارية من الخليج إلى بحر عُمان.
إلا أن الإدارة الأميركية اتهمت طهران لاحقا بانتهاك التفاهم، بينما تتمسك إيران بضرورة وقف الحصار والضغط العسكري قبل تقديم تنازلات بشأن المضيق. وتقول القيادة المركزية الأميركية إن القوات الأميركية دعمت مرور مليار برميل من النفط عبر المضيق خلال شهرين، وإن الممرات الرئيسية أزيلت منها الألغام، في حين أشارت تقديرات مستقلة نقلتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن حركة الشحن لا تزال أقل من مستوياتها قبل الحرب.
وكان نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي العالمية يمر عبر المضيق قبل اندلاع القتال. والتقى ترمب في نيويورك ممثلين عن تسع دول عربية لمناقشة الحرب ومسار إنهائها.
الانتخابات تضغط على مسار التفاوض الأميركي الإيراني
وطلب قادة خليجيون توضيح خطط واشنطن لما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستستأنف عملياتها العسكرية إذا رفضت إيران العودة إلى المفاوضات.
وقال ترمب إنه يعتقد أن اتفاقا قد يُبرم بعد الانتخابات، لكنه أكد أن الملف الإيراني لن يتوقف على نتائجها. ونقلت رويترز عن المفاوض الأميركي السابق دينيس روس تقديره فرص التوصل إلى اتفاق قبل التصويت بنحو 30%، معتبرا أن لدى الطرفين دوافع قد تدفعهما إلى التفاهم قبل الانتخابات.
ويرى روس أن فتح مضيق هرمز قد يساعد في تهدئة التوتر في الخليج والحد من ارتفاع أسعار النفط والوقود داخل الولايات المتحدة، بينما قد تحصل إيران على فرصة أكبر لتخفيف الضغط الاقتصادي قبل انقضاء الفترة التي تكون فيها لدى الإدارة الأميركية حوافز سياسية أقوى للتوصل إلى صفقة.
وتبقى السيطرة على أدوات الضغط جوهر الخلاف في محادثات نيويورك؛ فالولايات المتحدة تملك الحصار والعقوبات، وإيران تملك القدرة على تعطيل الملاحة في ممر استراتيجي. ولم تتبلور بعد صيغة نهائية لترتيب تنفيذ الخطوات أو للضمانات التي قد تمنع انهيار تفاهم جديد وعودة القتال.