العودة للرئيسية
صحة

تصنيف حبوب منع الحمل والسرطان لا يعني حتمية الإصابة

إدراج حبوب منع الحمل المركبة ضمن المجموعة الأولى للعوامل المسببة للسرطان أثار مخاوف غذتها منشورات متداولة، لكن البيانات الطبية تظهر صورة أكثر تعقيدا، تشمل ارتفاع مخاطر بعض السرطانات وانخفاض مخاطر أخرى. ويشدد مختصون على ضرورة تقييم كل حالة طبيا وعدم التوقف المفاجئ عن الحبوب دون بديل مناسب.

•6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
امرأة حامل تجلس على سرير في غرفة نوم وتضع يدها على بطنها.

أعاد تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان حبوب منع الحمل المركبة المحتوية على الإستروجين والبروجستين ضمن المجموعة الأولى من العوامل المسببة للسرطان إثارة المخاوف بشأن سلامة استخدامها، بعدما قدمت منشورات لبعض صانعي المحتوى الطبي التصنيف وكأنه يعني أن كل امرأة تتناول هذه الحبوب ستصاب بالسرطان.

تصنيف الوكالة لا يحدد خطر كل مستخدمة

غير أن المعطيات الطبية الواردة في تقارير المؤسسات الصحية ترسم علاقة أكثر تعقيدا، تتفاوت فيها المخاطر والفوائد باختلاف نوع السرطان وحالة المرأة الصحية. أدرجت الوكالة التابعة لمنظمة الصحة العالمية هذه الحبوب ضمن المجموعة الأولى في مايو/أيار 2026، وأشارت إلى ارتباطها بسرطاني الثدي وعنق الرحم.

لكنها نبهت، في الوقت نفسه، إلى أن تقييمها لا يشمل عددا من العوامل التي لم تغطها أبحاث الوكالة، ومن بينها الصفات الوراثية والتكاثرية، والحالة الصحية للمرأة، وبعض العوامل الغذائية. ولا تعني نتيجة التصنيف تحديد احتمال إصابة كل مستخدمة بالسرطان أو القول إن المرض نتيجة حتمية لتناول الحبوب.

وتعود متابعة الوكالة لهذه المسألة إلى عام 2007، حين نشرت تقريرا عن الآثار الجانبية المحتملة لبعض موانع الحمل المركبة المحتوية على هرموني الإستروجين والبروجستيرون، وحددت أنواعا من السرطان قد يرتفع أو ينخفض خطرها لدى مستخدمات هذه الوسائل، من دون أن يقدم التقرير تقديرا فرديا لاحتمال إصابة كل امرأة.

عمرو حسن يحذر من تحويل التصنيف إلى ذعر

وقال الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب في جامعة القاهرة وعضو المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتقدير وفيات الأمهات وأسبابها، إن الجدل بشأن تصنيف بعض موانع الحمل الهرمونية وعلاقتها بالسرطان يكشف مشكلة تتجاوز تفسير مصطلح علمي، وتتصل بكيفية إيصال المعلومة الطبية إلى المرأة من دون إخفاء الخطر أو تحويله إلى سبب للذعر.

وأوضح حسن أن تصنيف الوكالة لبعض موانع الحمل الهرمونية المركبة لا يعني أن جميع النساء اللواتي يستخدمن أقراص منع الحمل سيصبن حتما بالسرطان.

كما أن وجود ارتباط بين هذه الوسائل وارتفاع خطر أنواع معينة من السرطان لا يلغي ارتباط استخدامها بانخفاض خطر أنواع أخرى، وفي مقدمتها سرطان المبيض وسرطان بطانة الرحم. وأشار إلى أن الأبحاث التي تتناول الصلة بين موانع الحمل الفموية والسرطان ممتدة منذ عقود، ولذلك لا يمكن اختزال نتائجها في حكم مطلق بأن الحبوب إما «تسبب السرطان» أو «لا تسبب السرطان».

فوائد الحبوب تختلف باختلاف نوع السرطان

ويتطلب تفسير البيانات النظر إلى نوع الورم، ومدة الاستخدام، والتاريخ الطبي والعائلي، والعوامل الصحية الخاصة بكل امرأة. وأظهرت تقارير لمنظمة الصحة العالمية صدرت في ديسمبر/كانون الأول 2025 أن فوائد بعض حبوب منع الحمل لا تقتصر على منع الحمل.

فقد تساعد هذه الوسائل في تقليل خطر الإصابة بسرطاني الرحم والمبيض، كما قد تخفف فقر الدم وآلام الدورة الشهرية ومشكلات النزيف وآلام التبويض، فضلا عن بعض أعراض متلازمة تكيس المبايض وبطانة الرحم المهاجرة. وتصف المنظمة العلاقة بين حبوب منع الحمل الفموية المركبة والسرطان بأنها معقدة.

فمن جهة، تساعد هذه الحبوب على الوقاية من سرطان المبيض وسرطان بطانة الرحم، ويتعزز أثرها الوقائي مع طول مدة الاستخدام. ومن جهة أخرى، تكون مستخدمات موانع الحمل الفموية أكثر عرضة للإصابة بسرطان عنق الرحم مقارنة بالنساء اللواتي لا يستخدمنها.

أما بالنسبة إلى سرطان الثدي، فتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم النساء لا يواجهن خطرا متزايدا، في حين قد يرتفع الخطر لدى النساء الحاملات لطفرات جينية وراثية، ولا سيما مع الاستخدام طويل الأمد. ويبرز هذا التفاوت أهمية عدم تطبيق تقدير واحد للمخاطر على جميع المستخدمات من دون مراعاة الخصائص الصحية والوراثية لكل حالة.

بيانات أمريكية تقارن مخاطر الثدي والرحم والمبيضين باستخدام الحبوب مطولا في الوقاية من السرطان وتحذر من الفروق الفردية في

7%
زيادة خطر سرطان الثدي

وفي تحليل أورده المعهد الوطني الأمريكي للسرطان وشمل بيانات أكثر من 150 ألف امرأة شاركن في 54 دراسة وبائية، سجلت النساء اللواتي سبق لهن تناول موانع الحمل الفموية زيادة طفيفة قدرها 7% في خطر الإصابة بسرطان الثدي مقارنة بمن لم يستخدمن هذه الوسائل مطلقا.

وبلغت زيادة الخطر 24% لدى النساء اللواتي كن يستخدمن موانع الحمل الفموية عند إجراء الدراسات. ولم تظهر البيانات ارتفاع هذه النسبة مع زيادة مدة الاستخدام، كما تراجع الخطر بعد التوقف عن تناول الحبوب، ولم يُسجل ارتفاع في خطر الإصابة بسرطان الثدي بعد مرور 10 سنوات على وقف استخدامها.

في المقابل، أظهرت بيانات المعهد أن النساء اللواتي سبق لهن استخدام موانع الحمل الفموية كن أقل عرضة للإصابة بسرطان بطانة الرحم مقارنة بالنساء اللواتي لم يستخدمنها مطلقا. وبلغ الانخفاض في الخطر 30% على الأقل، مع ازدياد الأثر الوقائي كلما طالت فترة تناول الحبوب.

ولا ينتهي هذا الأثر الوقائي بالتوقف عن استخدام موانع الحمل الفموية، إذ يستمر انخفاض خطر الإصابة بسرطان بطانة الرحم لسنوات بعد وقف تناولها. وتوضح هذه النتيجة أن تقييم الحبوب لا يقتصر على المخاطر التي قد تصاحب فترة الاستخدام، بل يشمل أيضا فوائد صحية يمكن أن تمتد إلى ما بعدها.

ويفسر التباين بين زيادة خطر الإصابة ببعض السرطانات وانخفاض خطر أنواع أخرى تأكيد منظمة الصحة العالمية ضرورة تقديم مشورة طبية شخصية عند اختيار وسائل منع الحمل.

وينبغي أن تراعي هذه المشورة التاريخ الطبي للمرأة، والتاريخ العائلي، وعوامل الخطورة، بدلا من الاعتماد على تصنيف عام بوصفه حكما فرديا ينطبق بالطريقة نفسها على جميع النساء. وقد يؤدي التوقف الجماعي عن استخدام حبوب منع الحمل بسبب الخوف من السرطان إلى مخاطر صحية واجتماعية.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن موانع الحمل الفموية تعد من أكثر الوسائل فعالية في الوقاية من حالات الحمل غير المرغوب فيها وحالات الحمل عالية الخطورة، كما تمثل إنجازا في الصحة العامة لما تؤديه من دور في تحسين صحة النساء، والحد من وفيات الأمهات، ودعم فرص التعليم والعمل والفرص الاقتصادية.

وحذر حسن من أن التوقف المفاجئ عن وسيلة فعالة لمنع الحمل استنادا إلى منشور متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد لا يكون قرارا صحيا سليما. وأوضح أن القرار لا يرتبط بالدواء وحده، بل بالمرأة التي تستخدمه وظروفها الصحية والإنجابية، قائلا: «لا توجد وسيلة منع حمل مثالية لكل النساء، ولكن يمكن أن توجد وسيلة مناسبة لهذه المرأة في هذه المرحلة من حياتها».

وأضاف أن اختيار وسيلة منع الحمل ينبغي أن يستند إلى التاريخ المرضي وعوامل الخطورة والعمر والحالة الصحية والاحتياجات الإنجابية، إلى جانب رغبة المرأة وتفضيلاتها بعد حصولها على معلومات طبية صحيحة. وشدد على أن دور الطبيب لا يتمثل في اتخاذ القرار بدلا من المرأة، وإنما في تزويدها بالمعلومات التي تساعدها على اتخاذ اختيار واع يناسب حالتها.

وقد تجعل بعض الحالات الصحية وسائل هرمونية معينة غير مناسبة. وضرب حسن مثالا بوجود سرطان ثدي حالي، موضحا أن هذه الحالة تستلزم تقييما مختلفا واختيار وسائل أخرى وفقا للإرشادات الطبية. ويعني ذلك أن التعامل مع موانع الحمل يجب أن يقوم على تقييم فردي، لا على قرار موحد بالاستخدام أو التوقف.

ويرى حسن أن تنظيم الأسرة لا يقتصر على خفض عدد المواليد، بل يشكل جزءا من صحة المرأة ومن حق الأسرة في اختيار توقيت الإنجاب والمباعدة بين الولادات. ويقوم تنظيم الأسرة الحديث، بحسب قوله، على تعدد الوسائل وجودة المشورة وإتاحة البدائل، بما يسمح لكل امرأة باختيار الوسيلة الملائمة لظروفها الصحية والإنجابية.

وحذر من أن تقديم معلومات طبية مبتورة قد تكون له كلفة صحية، خصوصا إذا دفع المرأة إلى وقف وسيلة منع الحمل من دون توفير بديل مناسب. ولا يعني تصنيف بعض الحبوب ضمن العوامل المسببة للسرطان تجاهل المخاطر المحتملة، كما لا يجعل الإصابة بالمرض نتيجة حتمية، وإنما يستدعي موازنة الفوائد والمخاطر بصورة فردية واتخاذ القرار بالتشاور مع الطبيب.