العودة للرئيسية
أخبار

ثلاثة سيناريوهات ترسم مسار الصراع المتجدد في إقليم تيغراي

تضع دراسة بحثية ثلاثة مسارات محتملة للمواجهات المتجددة في شمال إثيوبيا منذ 23 سبتمبر، تتراوح بين استئناف الحوار واستمرار القتال المحدود وتصاعد التدخلات الإقليمية. وترتبط تطورات الصراع بمستقبل اتفاق بريتوريا وسلامة الممرات التجارية المؤدية إلى جيبوتي والبحر الأحمر.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
جنود مسلحون يسيرون على رصيف بمحاذاة طريق في منطقة حضرية، فيما تظهر مبانٍ قيد الإنشاء وأشجار في الخلفية. ترتبط الصورة بالصراع المتجدد في إقليم تيغراي.

أعاد تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي في شمال البلاد، منذ 23 سبتمبر، فتح احتمالات اتساع الصراع داخلياً وإقليمياً. وحددت دراسة أعدها الباحث السعودي محمد بن منخير ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمساره، تشمل العودة إلى الحوار، واستمرار القتال عند مستوى محدود، أو زيادة التصعيد والتدخلات الإقليمية.

ثلاثة مسارات محتملة لتجدد القتال

يتمثل السيناريو الأول في استئناف الحوار ووقف التصعيد بين القوات الحكومية والجبهة، مع الإبقاء على اتفاق بريتوريا مرجعاً سياسياً لمعالجة النزاع. ويفترض هذا المسار استئناف ترتيبات نزع سلاح الجبهة وإعادة دمج المقاتلين تدريجياً، بما يؤدي إلى تراجع حدة المواجهات وتقليص احتمالات امتداد الأزمة إلى دول ومناطق مجاورة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار التوتر بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي إذا بقيت الملفات العالقة دون تسوية. وتربط الدراسة هذا الاحتمال بما وصفته بـ«تذبذب السيطرة الميدانية»، الذي قد يفضي إلى تكرار المواجهات في عفر وأجزاء من أمهرا، من دون تحولها بالضرورة إلى حرب واسعة النطاق.

وفي ظل هذا المسار، قد تستمر الاتهامات المتعلقة بالتدخلات الخارجية من دون أدلة حاسمة، بالتوازي مع ارتفاع المخاطر الأمنية والتجارية المحيطة بالممرات المرتبطة بجيبوتي والبحر الأحمر. وتكتسب هذه الممرات أهمية خاصة لإثيوبيا بسبب اتصالها بشبكات النقل وخطوط الإمداد التي تخدم تجارتها الإقليمية.

ويشير السيناريو الثالث إلى تزايد التدخلات الإقليمية واتساع نطاق المواجهات. وترى الدراسة أن تجدد القتال، بالتزامن مع تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا ونمو الخلافات السياسية، قد يقود إلى تشكل تحالفات مسلحة أكثر تماسكاً في مواجهة الحكومة الفيدرالية، مع ما يصاحب ذلك من تسارع النزوح وتعطل الطرق ومنافذ النقل.

وبحسب هذا التصور، ترتفع احتمالات انتقال تداعيات الأزمة من الداخل الإثيوبي إلى البيئة الأمنية الأوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولا يقتصر أثر هذا المسار على المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى أمن الحدود وحركة التجارة الإقليمية وسلامة خطوط الإمداد، ولا سيما في المناطق القريبة من الطرق المؤدية إلى جيبوتي.

حرب تيغراي واتفاق بريتوريا للسلام

تعود خلفيات الصراع في تيغراي إلى النزاع الذي دار بين عامي 2020 و2022، على وقع خلافات بشأن الأراضي وتوزيع الصلاحيات، إلى جانب التنافس بين القوى السياسية والمكونات الإقليمية. وانتهت تلك الحرب بتوقيع اتفاق السلام الدائم، المعروف باسم «اتفاق بريتوريا»، في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي.

600 ألف
ضحايا حرب تيغراي السابقة

وأدت الحرب بين القوات الحكومية والجبهة الشعبية خلال تلك الفترة إلى وفاة نحو 600 ألف شخص. لذلك أعادت المواجهات الحالية المخاوف من تجدد الحرب الأهلية، في وقت تتجاوز فيه الآثار الأمنية لإقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، حدوده المحلية لتطال حسابات الاستقرار في القرن الأفريقي.

اتساع التحالفات والاتهامات الإقليمية

وتزامنت عودة القتال مع إعلان جماعات مسلحة تشكيل تحالف مشترك ضد الحكومة الفيدرالية، فضلاً عن امتداد العمليات العسكرية إلى أمهرا وعفر. كما جاءت التطورات في ظل مواقف رسمية إثيوبية تتهم أطرافاً إقليمية، من بينها إريتريا ومصر، بالتدخل في الصراع، ما أضاف بعداً دبلوماسياً إلى الأزمة العسكرية الداخلية.

وقطعت إثيوبيا وإريتريا علاقاتهما الدبلوماسية يوم الخميس، وتبادلتا الاتهامات بتأجيج الصراعات الداخلية في ظل استمرار القتال في شمال إثيوبيا. وتتهم أديس بابا إريتريا بدعم متمردي جبهة تحرير شعب تيغراي، بينما شهدت العلاقات بين إثيوبيا ومصر تبادلاً لطرد الدبلوماسيين على خلفية الاتهامات نفسها.

ونفت مصر الاتهامات الإثيوبية، مؤكدة أنها لا «تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة»، وأن «أي شيء آخر مجرد ادعاءات». كما وصفت القاهرة ما يجري في تيغراي بأنه «أزمة داخلية لا علاقة لمصر بها»، رداً على تصريحات أديس بابا بشأن دورها المفترض في التطورات.

وتشير الدراسة، التي تحمل عنوان «الجماعات المسلحة في إثيوبيا: تجدد الصراع وتداعياته على الاستقرار الداخلي والأمن الإقليمي»، إلى أن عودة القتال تكشف محدودية قدرة ترتيبات اتفاق بريتوريا على احتواء الخلافات السياسية والأمنية التي ظلت من دون تسوية، «دون أن يعني ذلك انتهاء الإطار السياسي للاتفاق».

وترى الدراسة أن المواجهات وسعت نطاق الأزمة إلى مستوى إقليمي أكثر تعقيداً، في ظل توتر علاقات إثيوبيا مع إريتريا والسودان ومصر. كما زادت سيطرة قوات تيغراي على مناطق في عفر وأجزاء من شمال البلاد أهمية التطورات بالنسبة إلى الحدود والممرات التجارية والأمنية المتصلة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويمثل امتداد العمليات إلى عفر عاملاً أساسياً في تقدير المخاطر الإقليمية، نظراً إلى قرب الإقليم من طرق التجارة والممرات المتصلة بجيبوتي والبحر الأحمر. وتضع هذه الجغرافيا أمن خطوط الإمداد وحركة التجارة أمام ضغوط إضافية، خصوصاً مع اضطراب الأوضاع الأمنية في شمال البلاد والحاجة إلى مراقبة سلامة شبكات النقل التي تعتمد عليها التجارة الإثيوبية.

وخلصت الدراسة إلى أن التطورات تعزز موقع إثيوبيا في حسابات أمن البحر الأحمر، بسبب ارتباط مناطق الصراع بالممرات التجارية وخطوط النقل المؤدية إلى جيبوتي والساحل. وباتت الأزمة الداخلية، وفق نتائجها، متداخلة بصورة متزايدة مع القضايا الأمنية الإقليمية، بما يجعل تطورات الميدان مؤثرة في نطاق يتجاوز حدود البلاد.

المسار السياسي يحدد مستقبل الأزمة

كما ربطت الدراسة مستقبل الأزمة بقدرة الأطراف الإثيوبية على إعادة تفعيل المسار السياسي، ومعالجة القضايا الخلافية في إطار اتفاق بريتوريا، والحد من التصعيد العسكري. ويظل الاتفاق، رغم محدودية ترتيباته الحالية، الإطار السياسي المتاح لوقف القتال واستكمال نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين ضمن عملية تدريجية.

وتكشف إعادة تشكيل المعارضة المسلحة، بحسب الدراسة، عن تحول في طبيعة الصراع، بعد تأسيس «تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء»، الذي يضم جماعات تنتمي إلى أقاليم ومكونات مختلفة. غير أن التباينات السياسية والتنظيمية والجغرافية بين أطرافه ستظل عاملاً محدداً لدرجة تماسكه وقدرته على تنفيذ عمل عسكري مشترك.

وتبقى السيناريوهات الثلاثة مرتبطة بمصير تنفيذ اتفاق بريتوريا ومسار السيطرة الميدانية والعلاقات الإثيوبية مع دول الجوار. فالعودة إلى الحوار قد تحد من اتساع الأزمة، بينما يرجح بقاء القضايا دون تسوية تكرار المواجهات، في حين ينذر تعطل المسار السياسي وتماسك التحالفات المسلحة بزيادة النزوح وتعطل النقل وانتقال آثار الصراع إلى محيط إثيوبيا الإقليمي.