تبدأ في نيويورك يوم 22 سبتمبر/ أيلول أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة نحو 130 رئيس دولة وحكومة، في اجتماعات تضع قدرة المنظمة الدولية على التعامل مع الحروب والأزمات العابرة للحدود أمام اختبار جديد، بالتزامن مع ضغوط مالية تهدد قدرتها على أداء أدوارها وتراجع مساحة التوافق بين القوى الكبرى.
وتستمر الاجتماعات الرئيسية حتى 26 سبتمبر/ أيلول، على أن تختتم الدورة في 28 من الشهر نفسه، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع».
ولا تقتصر الأجندة على خطب القادة واللقاءات الدبلوماسية، إذ تتداخل فيها نزاعات مفتوحة وتحديات اقتصادية وأمنية، إلى جانب الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي بوصفه ملفاً يتجاوز قدرة أي دولة منفردة على ضبط تداعياته.
وتنعقد الدورة في مرحلة تواجه فيها الأمم المتحدة تساؤلات بشأن قدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات ومتابعة تداعياتها إلى التأثير الفعلي في مساراتها. ويزيد من صعوبة هذا الدور اتساع الخلافات بين القوى الدولية الكبرى، بما يحد من فرص التوصل إلى مواقف مشتركة حيال عدد من النزاعات والملفات المطروحة أمام مؤسسات المنظمة.
قيود التوافق واختبار دور المنظمة
وتشهد اجتماعات هذا العام عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منصة الأمم المتحدة، في حين يغيب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن نيويورك. وتتزامن الدورة كذلك مع اقتراب ولاية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من نهايتها في ديسمبر/ كانون الأول 2026، ما يضفي بعداً إضافياً على النقاشات المتعلقة بدور المنظمة وفاعلية مؤسساتها.
ويتصدر الشرق الأوسط جدول الاهتمام الدولي في ظل استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما ترتب عليها من تداعيات لم تعد محصورة في ساحات القتال المباشرة. فقد امتدت آثار التصعيد إلى أمن الملاحة وإمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية، لتصبح الأزمة مرتبطة بمصالح اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.
وتتركز المخاوف بصورة خاصة على الممرات البحرية الحيوية، مع احتمال تدخل الحوثيين في حركة الملاحة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويضيف هذا الاحتمال مزيداً من الضغوط على قطاع الشحن وأسواق الطاقة، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح التجارية الدولية، وتتزايد صعوبة احتواء التصعيد مع اتساع نطاق آثاره الإقليمية والدولية. وفي أوروبا، تبقى الحرب الروسية الأوكرانية من أبرز الاختبارات التي تواجه النظام الدولي مع دخول النزاع عامه الخامس.
تداعيات التصعيد على الملاحة والطاقة
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الجوانب الأمنية أو العمليات العسكرية داخل حدود البلدين، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والغذاء والتجارة العالمية، بما يجعل تطوراتها حاضرة بقوة في مناقشات القادة المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة.
ويحتل أمن البحر الأسود موقعاً مهماً ضمن الملفات المرتبطة بالحرب، إلى جانب استمرار تدفق صادرات الحبوب والأسمدة والطاقة. وتحظى هذه القضايا باهتمام دولي بسبب تأثيرها في الإمدادات والأسواق، بينما تتواصل التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد مسارات تساعد على خفض التصعيد وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية للنزاع.
وتواجه الأمم المتحدة قيوداً سياسية واضحة في الملف الأوكراني، إذ يحد حق النقض الروسي داخل مجلس الأمن من قدرة المجلس على تبني إجراءات ملزمة لإنهاء الحرب.
ويبرز هذا التعطيل الفجوة بين حجم التحديات التي يتعامل معها النظام الدولي وبين قدرته على إنتاج توافق بين القوى الكبرى بشأن آليات مواجهتها، وهو ما ينعكس مباشرة على دور المنظمة وفاعلية مؤسساتها. وإلى جانب النزاعات المسلحة، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه على أجندة الدورة باعتباره أحد أبرز التحديات الجديدة أمام النظام الدولي.
الحرب الأوكرانية وحدود تحرك مجلس الأمن
ولم تعد هذه التكنولوجيا ملفاً اقتصادياً أو تقنياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بالأمن وسوق العمل والاقتصاد ومستقبل إدارة المخاطر العالمية، مع اتساع استخداماتها وتسارع تطوير قدراتها في دول وشركات متعددة.
وتتمثل إحدى أبرز صعوبات هذا الملف في أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة أسرع من عملية وضع القواعد المنظمة لاستخدامه. ويغذي ذلك نقاشاً دولياً حول كيفية الموازنة بين الاستفادة من إمكانات التكنولوجيا والحد من المخاطر التي قد تنتج عن نشرها واستخدامها على نطاق واسع في قطاعات حساسة ومؤثرة.
ويضع غوتيريش حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات الأمم المتحدة، داعياً الدول والشركات التي تقود عملية تطويره إلى اعتماد ضوابط مشتركة تمنع تحول المنافسة التكنولوجية إلى سباق يصعب التحكم في تداعياته.
مساعي تنظيم الذكاء الاصطناعي دولياً
وتأتي هذه الدعوات ضمن مساعي المنظمة إلى بناء إطار دولي يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها قضية عابرة للحدود الوطنية. وكانت الأمم المتحدة قد أنشأت في عام 2023 هيئة استشارية ضمت مسؤولين حكوميين وخبراء من قطاع التكنولوجيا والأوساط الأكاديمية.
وهدفت الخطوة إلى تطوير مقاربة دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه المنظمة إلى الجمع بين الحكومات والجهات المطورة للتكنولوجيا والخبرات العلمية لصياغة قواعد مشتركة تحد من المخاطر وتتيح الاستفادة من التطور التقني.