العودة للرئيسية
أخباراليمن

ذكرى سيطرة الحوثيين على صنعاء تحل وسط معارك متعددة الجبهات

تتزامن الذكرى الـ12 لسيطرة الحوثيين على صنعاء مع تصعيد عسكري شمل الساحل الغربي والبيضاء والجوف ومأرب، وتصريحات حكومية عن التوجه نحو العاصمة. وتأتي المواجهات بعد أربعة أعوام من الهدوء النسبي، وسط تغيرات في خريطة السيطرة وامتداد الهجمات إلى السعودية والبحر الأحمر.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تُظهر الصورة باب اليمن في صنعاء، محاطاً بالمباني التقليدية المزخرفة، مع حركة مرور ومشاة في الشارع أمامه. تظهر لافتات عربية على جانبي البوابة.

تحل الذكرى الـ12 لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة اليمنية صنعاء، في وقت يشهد فيه اليمن جولة جديدة من المعارك على محاور عدة بعد أربعة أعوام من الهدوء النسبي، وسط تحركات للقوات الحكومية وتصريحات لمسؤولين عسكريين عن التوجه نحو العاصمة، بالتزامن مع تقدم ميداني حققه الحوثيون في الساحل الغربي.

سيطرة الحوثيين على صنعاء ومسار التوسع

وسيطر الحوثيون على صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، بعد مواجهات محدودة شهدتها بعض أحياء المدينة، في تحول أعاد تشكيل المشهد السياسي والعسكري في اليمن وأطلق سلسلة من التداعيات التي ما زالت مستمرة بعد مرور 12 عاما.

وكان الحوثيون قد انطلقوا من جبال محافظة صعدة، ثم خاضوا معارك عنيفة مع القوات الحكومية في محافظة عمران المتاخمة لصنعاء قبل وصولهم إلى العاصمة. ورافقت تقدمهم آنذاك اتهامات للرئيس السابق علي عبد الله صالح بالتواطؤ معهم من خلال القوات الموالية له.

وتحول التقارب بين صالح والحوثيين لاحقا إلى تحالف معلن، قبل أن يعلن صالح في عام 2017 فض الشراكة مع الجماعة ويدخل في مواجهة معها داخل صنعاء انتهت بمقتله. ومثلت تلك المواجهة نهاية التحالف الذي أسهم في تغيير موازين القوى خلال السنوات الأولى من الحرب. وبعد السيطرة على صنعاء، توسع الحوثيون باتجاه محافظات في غرب اليمن وجنوبه وشرقه، إلا أن تمددهم واجه مقاومة من خصوم الجماعة.

واستعانت الحكومة اليمنية بالتحالف العربي بقيادة السعودية، وتمكنت خلال عام 2015 من استعادة السيطرة على عدد من المحافظات، وفي مقدمتها عدن التي اتخذتها عاصمة مؤقتة للبلاد. ومنذ ذلك الوقت، تتقاسم الحكومة والحوثيون السيطرة على اليمن، مما أوجد حكومتين واقتصادين ونظامين للتعليم.

خمسة ملايين
نازحون داخل اليمن

وفاقم هذا الانقسام معاناة السكان، في ظل حرب تسببت في نزوح نحو خمسة ملايين يمني داخل البلاد. وتصف الحكومة اليمنية استيلاء الحوثيين على صنعاء بأنه انقلاب على مؤسسات الدولة، كما تتهم إيران بدعم الجماعة وإمدادها بالأسلحة.

وبعد سنوات من المواجهات، لم يُحسم الصراع عسكريا أو سياسيا، إذ تسعى الحكومة إلى إنهاء ما تصفه بالانقلاب، بينما يعمل الحوثيون على تثبيت سلطتهم والسيطرة على كامل البلاد وانتزاع الشرعية.

وتسيطر الحكومة على المحافظات الجنوبية والشرقية التي تمثل الجزء الأكبر من مساحة اليمن، في حين تخضع غالبية المحافظات الشمالية للحوثيين، وبينها صنعاء. وتضم المناطق الشمالية الكتلة السكانية الأكبر في البلاد، وهو ما يضيف إلى خريطة السيطرة بعدا سكانيا إلى جانب الأهمية السياسية والعسكرية للعاصمة.

تصعيد ميداني يغيّر خريطة النفوذ

وتأتي ذكرى السيطرة على صنعاء هذا العام بعد تصعيد بدأه الحوثيون قبل نحو ثلاثة أشهر ضد الحكومة والسعودية، تحت عنوان إنهاء ما تصفه الجماعة بـ«الحصار» المفروض على المناطق الخاضعة لها. وانتقل التصعيد من التهديدات إلى هجمات جوية متبادلة، ثم توسع مطلع سبتمبر/أيلول إلى مواجهات برية.

وبدأت المعارك البرية الأخيرة بعدما شن الحوثيون هجوما على مناطق تسيطر عليها القوات الحكومية في الساحل الغربي بمحافظتي الحديدة وتعز. وبالتوازي، وسعت الجماعة نطاق هجماتها عبر قصف مدن سعودية واستهداف سفن تابعة للمملكة في البحر الأحمر، في إطار ما تسميه فرض حظر بحري على الرياض. وحقق الحوثيون، بعد أيام من المواجهات مع القوات الحكومية، اختراقا أدى إلى تغيير خريطة النفوذ الميداني.

وسيطرت الجماعة على مدينتي حيس والخوخة، اللتين كانتا آخر معاقل الحكومة في محافظة الحديدة، إلى جانب أربع مديريات في محافظة تعز، أبرزها مدينة المخا، وصولا إلى منطقة باب المندب وجزيرة ميون. وفي الوقت نفسه، أطلقت القوات الحكومية عمليات عسكرية بهدف استعادة محافظة البيضاء وسط اليمن.

وتكتسب المحافظة أهمية إستراتيجية بسبب اتصالها الجغرافي بثماني محافظات، من بينها صنعاء، مما يجعل مسار القتال فيها مرتبطا بالمناطق المحيطة بالعاصمة وبعدد من الجبهات الأخرى. وشنت القوات الحكومية كذلك عملية هجومية في محافظة الجوف شمالي البلاد، وأعلنت السيطرة على مناطق ومواقع داخلها. ومع ذلك، ما زالت مدينة الحزم، عاصمة المحافظة، خاضعة للحوثيين منذ مارس/آذار 2020.

وتبرز أهمية الجوف من موقعها المحاذي للسعودية ومجاورتها خمس محافظات محورية، في مقدمتها صنعاء وصعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين. وتشهد محافظة مأرب النفطية بدورها معارك عنيفة بين الطرفين.

ويحاول الحوثيون السيطرة على المحافظة منذ سنوات، لكن محاولاتهم السابقة لم تنجح، وكان أعنفها خلال عام 2021. وتبقى مأرب واحدة من الجبهات الرئيسية في الصراع نظرا إلى مواردها النفطية وموقعها ضمن خريطة النفوذ الحكومية. ويتزامن التصعيد داخل اليمن وفي محيطه مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

تصريحات حكومية بشأن استعادة صنعاء

وفي هذا السياق، تتهم الحكومة اليمنية الحوثيين بتنفيذ أجندة إيرانية ومحاولة استنساخ تجربة طهران في التحكم بمضيق هرمز، في وقت تمتد فيه المواجهات إلى البحر الأحمر والممرات البحرية القريبة من اليمن. ومع احتدام القتال، أعلن مستشار وزير الدفاع اليمني للتعاون الدولي، اللواء الركن سمير الصبري، في تصريحات للتلفزيون اليمني الرسمي يوم 7 سبتمبر/أيلول، أن قرار تحرير صنعاء اتُخذ.

وقال الصبري إن «الأمر حُسم وهناك مفاجأة لن نكشفها الآن». وسبق ذلك تصريح لوزير الدفاع اليمني، الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي، في فبراير/شباط الماضي، قال فيه إن مؤشر العمليات يتجه نحو العاصمة صنعاء.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية مع اتساع نطاق العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الحكومية في البيضاء والجوف ومأرب. وشهدت صنعاء يوم الجمعة الماضي تحليق طائرات مسيرة، بالتزامن مع سماع أصوات انفجارات وإطلاق مضادات للدفاع الجوي وأعيرة نارية في عدد من أحياء المدينة، وفقا لما أوردته وكالة الأناضول ووسائل إعلام يمنية.

وتحدثت تقارير إعلامية يمنية لاحقا عن هجمات نفذتها القوات الحكومية بواسطة طائرات مسيرة على منشآت عسكرية وأمنية تابعة للحوثيين. ولم تعلن الحكومة تنفيذ عملية داخل صنعاء، بينما قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن جماعته أفشلت ما وصفها بـ«محاولات إجرامية في صنعاء»، واتهم السعودية بالوقوف وراءها من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وأضاف سريع أن تلك المحاولات «لن تمر دون رد»، قبل أن يعلن الحوثيون لاحقا تنفيذ هجوم على أهداف في العاصمة السعودية. وتضع هذه التطورات ذكرى سيطرة الحوثيين على صنعاء ضمن سياق مختلف عن الأعوام الماضية، إذ تتزامن مع تصعيد متعدد الجبهات قد يعيد رسم خريطة السيطرة.

عوامل استمرار سيطرة الحوثيين

كما يتداخل الملف اليمني مع المستجدات الإقليمية وتعدد الأطراف الخارجية، في ظل أهمية موقع البلاد المطل على خطوط رئيسية للتجارة البحرية الدولية. ويرى المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي أن عدة عوامل مكنت الحوثيين من السيطرة على صنعاء والاستمرار فيها حتى اليوم.

وقال إن العامل الأول تمثل في وجود عقيدة سياسية داخل هرم السلطة الشرعية سمحت بمنح الحوثيين دورا في تفكيك البنية السياسية والمعنوية للسلطة التي أفرزتها ثورة 11 فبراير/شباط 2011، وإضعاف القوى السياسية التي حملتها. وأضاف التميمي أن ذلك تزامن، من وجهة نظره، مع توجه دولي ضاغط لتصفية تركة الربيع العربي في اليمن.

واعتبر أن العامل الثاني ارتبط بتصرفات الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي، متهما إياه بـ«خيانة التفويض الشعبي وأمانة المسؤولية الدستورية التي حملها على عاتقه، ظناً منه أنه يسوي الأرضية لسلطته بعيدا عن نفوذ من كان يسميهم مراكز القوى».

وأشار التميمي أيضا إلى الغطاء الذي وفره طيف من القوى الحزبية والعسكرية والقبلية لتحركات الحوثيين باتجاه صنعاء، ومشاركة بعضها في المعارك التي انتهت بسيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة ومناطق واسعة. وأدرج ضمن الأسباب ما وصفه بالمخاوف المبالغ فيها لدى قوى إقليمية تجاه الإسلاميين.

ويعتقد التميمي أن استعادة صنعاء تظل ممكنة إذا توحدت القوى العسكرية تحت عقيدة قتالية واحدة تتمحور حول استعادة الدولة اليمنية الجمهورية الموحدة. وربط تحقيق ذلك بحصول تلك القوات على الموارد العسكرية اللازمة، إلى جانب التغطية الجوية والتفوق الناري.