أصيب الطفل هيال جابر الجميلي، البالغ 14 عاماً، بأضرار بالغة في عينيه إثر انفجار جسم من مخلفات الحرب على جانب طريق في جنوب محافظة مأرب، في واقعة تعكس المخاطر التي تفرضها الألغام والذخائر غير المنفجرة على حركة المدنيين بين القرى والمدن ومناطق الخدمات في اليمن.
كان هيال يسافر برفقة خاله على طريق يُعرف باسم «خط العين»، عشية الذكرى السنوية لثورة 26 سبتمبر/أيلول، قبل أن يترجل قرب مسار «سائلة حريب»، الذي أعيد فتحه وتأهيله حديثاً لتسهيل تنقل المسافرين. وهناك تعثر بجسم غريب انفجر في وجهه، لتنتهي رحلة الطفل الذي كان يستعد للعيد الوطني بإصابة خطرة ومسار علاجي طويل.
نُقل الطفل في البداية إلى صيدلية قريبة، ثم اصطحبه خاله عبر طريق صحراوي وعر في رحلة استغرقت أكثر من ساعتين حتى الوصول إلى مدينة مأرب شرقي اليمن. وبعد وصوله، خضع هيال لتدخلات جراحية عاجلة، أعقبتها عمليات أخرى في محاولة لمعالجة الأضرار التي لحقت بعينيه.
وخلص التقرير الطبي الأولي إلى إصابة العينين بانفجار، مصحوبة بنزيف في الحجرة الأمامية، ومياه بيضاء، ونزيف في الجسم الزجاجي. وعند التقييم الأولي، لم يتجاوز مستوى الرؤية لدى الطفل القدرة على تمييز حركة اليد، فيما لا يزال ذووه وأطباؤه ينتظرون معرفة مدى إمكانية استعادته بصره وما إذا كانت الإصابة ستترك آثاراً دائمة.
ويقول خاله نواف الجميلي، الذي يتولى رعايته منذ الحادث، إن هيال يقضي حالياً معظم وقته معصوب العينين، ويتسم سلوكه بالصمت والانطواء. ولا تقتصر معاناته على العلاج الجسدي، إذ أدخلته الإصابة في مرحلة من الانتظار والقلق بشأن مستقبله وقدرته على العودة إلى حياته المعتادة.
الألغام تعيد رسم حركة المدنيين اليومية
وتتجاوز مخاطر الألغام ومخلفات الحرب لحظة الانفجار، إذ يؤدي انتشارها في الطرق والممرات والمزارع ومناطق الرعي إلى تغيير حركة السكان اليومية، ويجعل التنقل إلى القرى والمدن أو الوصول إلى المستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية محفوفاً بالخطر، ولا سيما في المناطق البعيدة عن مراكز المحافظات.
وفي مأرب، أغلقت الحرب طرقاً رئيسية كانت تربط المحافظة بصنعاء والبيضاء ومناطق يمنية أخرى، ما أجبر السكان على سلوك طرق بديلة تمر في مناطق صحراوية أو جبلية، وفق الدكتور علي التام، رئيس منظمة حماية للتوجه المدني «إتش أو سي أو»، وهي منظمة حقوقية إنسانية غير حكومية. ويوضح التام أن الطرق البديلة أطول وأكثر وعورة، الأمر الذي ضاعف زمن الرحلات ورفع كلفة التنقل.
كما جعل هذا الواقع وصول سكان المناطق النائية إلى المستشفيات والمدارس وغيرها من الخدمات الضرورية أكثر صعوبة، في ظل اضطرارهم إلى استخدام ممرات قد تكون ملوثة بالألغام أو الذخائر التي خلفتها الحرب. ولا يبقى نطاق الخطر ثابتاً في المواقع التي زُرعت أو سقطت فيها المخلفات أصلاً.
فبحسب التام، تستطيع السيول الموسمية نقل الألغام ومخلفات الحرب من الجبال ومناطق المواجهات إلى مجاري المياه والأراضي الزراعية والطرق الفرعية، وهو ما يغيّر خريطة المناطق الملوثة ويزيد صعوبة حصرها ووضع علامات عليها وتأمينها. ويؤكد مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام أن السيول وتحرك الرمال، إلى جانب محدودية الوصول إلى بعض المناطق، تعرقل أعمال المسح والتطهير.
452 ضحية مدنية في مأرب خلال عقد
ولا تزال هذه المخلفات، وفق المشروع، تمثل تهديداً مباشراً للسكان، فضلاً عن تأثيرها في النشاط الزراعي والطرق المستخدمة للوصول إلى الخدمات. ووثقت منظمة حماية للتوجه المدني سقوط 452 مدنياً بين قتيل وجريح بسبب الألغام ومخلفات الحرب في مأرب خلال 10 سنوات.
وأدت الإصابات لدى عدد من الناجين إلى إعاقات حركية أو سمعية أو بصرية، بما يفرض عليهم احتياجات علاجية وتأهيلية تستمر بعد انتهاء مرحلة الرعاية الطبية العاجلة. وخلال عامي 2025 و2026، قالت المنظمة إنها سجلت مقتل وإصابة 61 مدنياً في المحافظة بسبب الألغام ومخلفات الحرب.
وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال، إضافة إلى الرعاة والمزارعين والمسافرين، وهم من الفئات التي ترتبط أنشطتها اليومية بالطرق المفتوحة والأراضي الزراعية ومناطق الرعي والمساحات غير المأهولة. ويشير التام إلى أن الأطفال قد يصابون أثناء العبث بالذخائر غير المنفجرة، بينما تواجه النساء الخطر خلال جلب المياه أو جمع الحطب.
ويتعرض الرعاة والمزارعون والمسافرون لمخاطر مماثلة بسبب تنقلهم المستمر في الأراضي المفتوحة والممرات البعيدة، التي يصعب التأكد من خلوها من الألغام وبقية مخلفات المواجهات. ولا تنتهي تبعات الحوادث بإنقاذ المصاب أو خروجه من المستشفى.
نقص التأهيل يفاقم تبعات الإصابات
وتقدر منظمة حماية أن أكثر من 50% من الضحايا لم يحصلوا على خدمات متكاملة للتأهيل الطبي والنفسي، في حين لم تتوفر فرص التأهيل المهني لنحو 80% منهم. ويحتاج بعض الناجين، بحسب التام، إلى رعاية تخصصية غير متاحة محلياً، بينما يواجه آخرون فقدان الدخل والعزلة النفسية وصعوبات العودة إلى الدراسة أو العمل.
وفي مركز الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل بمأرب، يمر المصابون بمراحل تبدأ بالعلاج والتأهيل، ثم تجهيز الطرف الصناعي وتركيبه والتدريب على استخدامه، وصولاً إلى المتابعة اللاحقة. ويقول مدير المركز الدكتور عمار الشيخ إن المركز استقبل خلال عامي 2025 و2026 أكثر من 112 مصاباً بالألغام ومخلفات الحرب، غالبيتهم من الرجال، وبينهم عسكريون ومدنيون.
ويربط الشيخ تغير أعداد الحالات بطبيعة الوضع في الجبهات ومستوى المواجهات، موضحاً أن الهدوء النسبي خلال فترات سابقة انعكس على أعداد المصابين، قبل أن ترتفع الحالات مع تجدد المواجهات. ومع ذلك، يظل الخطر قائماً حتى خلال فترات الهدوء بسبب بقاء الألغام والمخلفات في الأودية والممرات الجبلية ومجاري السيول.
وتأتي الإصابات الحربية، وفق مدير المركز، في مقدمة الأسباب المؤدية إلى حالات البتر التي يتعامل معها، تليها حوادث السير ثم الأسباب المرضية. ومنذ بدء تقديم خدماته عام 2020، نفذ المركز أكثر من 129 ألف خدمة استفاد منها أكثر من 42 ألف شخص، وشملت تجهيز الأطراف الصناعية وبرامج إعادة التأهيل.
ويصف الشيخ التأهيل بأنه منظومة متكاملة تبدأ منذ مرحلة البتر ولا تتوقف عند تسليم الطرف الصناعي للمصاب. وتهدف هذه العملية إلى مساعدة الناجي على استعادة قدرته على الحركة والاعتماد على نفسه، ثم إعادة دمجه في المجتمع من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فرق التطهير تتلف مخلفات حرب وتفتح أراضي زراعية
وبالتوازي مع خدمات العلاج والتأهيل، تعمل فرق مشروع «مسام» على إزالة الألغام والذخائر ومخلفات الحرب من المواقع التي يستخدمها المدنيون. وفي عملية أعلن عنها أخيراً، أتلف المشروع 299 قطعة من مخلفات الحرب في منطقة ذخار بمحافظة الضالع جنوبي اليمن، شملت ألغاماً مضادة للأفراد وعبوات ناسفة وقذائف وذخائر وصواعق وقنابل يدوية.
وقال المشروع إن القطع المتلفة جُمعت خلال الأشهر الماضية من مناطق مختلفة في محافظة الضالع. كما أشار إلى وقوع حوادث نتيجة العبث بهذه المخلفات، ولا سيما بين الأطفال والنساء ورعاة الأغنام، في مؤشر إلى استمرار خطرها حتى بعد توقف المواجهات في المواقع التي توجد فيها.
وتشمل أنشطة المشروع أيضاً تنظيم حملات توعية للمزارعين والرعاة بشأن المواقع المشتبه في تلوثها، بهدف الحد من دخولها أو التعامل مع أجسام مشبوهة فيها إلى حين اكتمال أعمال المسح والتطهير. وعلى مستوى اليمن، يقول المشروع إن فرقه أزالت منذ انطلاق عملياتها عام 2018 مئات الآلاف من الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، وطهرت عشرات الملايين من الأمتار المربعة.
ويرى التام أن معالجة الملف تتطلب إجراءات تتجاوز نزع الألغام وتطهير الأراضي، وتشمل برامج توعية مستدامة في المدارس ومخيمات النازحين والمجتمعات المحلية، وتوثيق المواقع الملوثة ووضع العلامات التحذيرية حولها، إلى جانب توفير العلاج والتأهيل والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي للضحايا.
كما يطالب بإنشاء آلية لتعويض المصابين وجبر الضرر الذي لحق بأسرهم، معتبراً أن غيابها يترك كثيراً من الناجين وعائلاتهم في مواجهة التداعيات الصحية والنفسية والاقتصادية بموارد محدودة. وتندرج إصابة هيال ضمن هذا المسار الممتد، إذ تحولت لحظة توقف على جانب طريق إلى رحلة من العمليات والعلاج والتأهيل، بينما لا يزال مصير قدرته على الإبصار غير محسوم.