سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن ضحايا فلسطينيين أو أضرار بالممتلكات أو كليهما في 275 تجمعًا بالضفة الغربية منذ مطلع عام 2026.
وبلغ متوسط هذه الاعتداءات 6.7 هجمات يوميًا، في أعلى معدل يسجله المكتب منذ بدء توثيق تلك الوقائع، وسط تقارير أممية وحقوقية تتحدث عن وقوعها تحت أنظار القوات الإسرائيلية، وأحيانًا بمشاركتها أو حمايتها. ويقدم أستاذ علم الاجتماع السياسي والسياسات العامة ياغيل ليفي قراءة تتجاوز تفسير هذه الوقائع باعتبارها مجرد تقاعس أمني.
ليفـي يطرح مفهوم «جيش الضبط»
ويرى ليفي، الذي يرأس معهد دراسة العلاقات المدنية العسكرية في الجامعة المفتوحة بإسرائيل، أن شبكة من القوات والمستوطنين والروابط الاجتماعية والعقائدية تشكل ما يسميه «جيش الضبط»، وتعمل بوصفها «ذراعًا رمادية» للدولة لترسيخ السيطرة على الضفة الغربية.
وكان ليفي قد طرح منذ عام 2022 تصورًا عن وجود انقسام عملي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية العاملة في الضفة. فإلى جانب ما يصفه بـ«الجيش الرسمي»، نشأت قوة تتولى مهام أمنية وشرطية بصورة يومية، وتضم وحدات عسكرية دائمة الانتشار، وقوات حرس الحدود الإسرائيلية، إضافة إلى مجموعات مسلحة من المستوطنين تعمل في إطار وحدات الدفاع الإقليمي التابعة للجيش.
وتخضع هذه التشكيلات رسميًا للقيادة الوسطى، لكن ليفي يقول إن الحدود الفاصلة بين سلطة الجيش ودور المستوطنين أصبحت أقل وضوحًا. ويوضح أن وجود مستوطنين داخل بعض الوحدات، إلى جانب تشابك العلاقات الاجتماعية والعقائدية بينهم وبين الجنود، أدى إلى تعقيد سلسلة القيادة والجهات المؤثرة في القرارات الميدانية.
وبحسب تفسيره، يتلقى جنود توجيهات من مسؤولي الأمن في المستوطنات، فيما تؤثر توجيهات وفتاوى حاخامية في مواقف بعض العسكريين. ويبرز هذا التأثير خصوصًا عندما تتعلق المهمات بإخلاء مستوطنات أو بؤر استيطانية، حيث تتداخل التعليمات الرسمية مع الروابط المحلية والمواقف العقائدية، بما يحد من وضوح التسلسل القيادي المعتمد داخل المؤسسة العسكرية.
ويرى ليفي أن هذا التداخل أفرز قوة تتمتع باستقلال جزئي عن هيئة الأركان العامة، وتميل في ممارساتها العملية إلى جانب المستوطنين.
ويقول إن هذه القوة قد تتغاضى عن إقامة بؤر استيطانية غير مرخصة وعن اعتداءات تستهدف الفلسطينيين، أو تتباطأ في منعها وملاحقة المسؤولين عنها، معتبرًا أن ذلك يتجاوز مجرد عجز القوات عن فرض القانون. وفي صلب أطروحته، يقول ليفي إن هذه المنظومة تؤدي وظيفة يصعب على مؤسسات الدولة الرسمية تنفيذها علنًا بالسهولة نفسها.
وتتمثل هذه الوظيفة، وفق قراءته، في توسيع السيطرة على الأرض، ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة تجمعاتهم وأراضيهم، وتقليص فرص قيام كيان فلسطيني قابل للحياة، عبر ممارسات تقع في المسافة بين الأوامر القانونية الرسمية وما يسمح به ميدانيًا.
وبناء على ذلك، لا يتعامل ليفي مع وقوف القوات جانبًا خلال اعتداءات المستوطنين، أو تأخرها في حماية الفلسطينيين وملاحقة المعتدين، بوصفه خللًا عارضًا. فهو يعتبر تلك الممارسات أداة ضمن مسار أوسع يهدف إلى توسيع السيطرة وتنفيذ ضم تدريجي للأراضي، بينما تظل الصيغة الرسمية للأوامر مختلفة عما يحدث فعليًا على الأرض.
تسليح المستوطنين يوسع العمل المشترك
وازداد التداخل بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية رسوخًا بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع التوسع في تسليح المستوطنين وإدماجهم داخل وحدات الدفاع الإقليمي.
ويربط ليفي هذه الأرقام باتساع نموذج العمل المشترك، الذي يجمع بين القوات الرسمية والمستوطنين المسلحين ضمن آليات السيطرة اليومية على الأرض. وفي مقابل ذلك، انتقد كبار ضباط في الجيش الإسرائيلي بعض اعتداءات المستوطنين، واتخذ قائد القيادة الوسطى آفي بلوط إجراءات للحد منها.
إجراءات آفي بلوط لضبط الاعتداءات
إلا أن ليفي لا يفسر تلك الخطوات باعتبارها قطيعة مع مشروع الاستيطان أو التوجه نحو ضم الأراضي، بل يراها محاولة للتحكم في وتيرة العملية ومنع خروجها عن الإطار الذي تريد القيادة العسكرية الحفاظ عليه. ويميز ليفي بين نوعين من عنف المستوطنين: عنف يؤدي وظيفة مباشرة في مشروع السيطرة، وآخر يتسع إلى مستوى قد يهدد النظام الأمني الذي يسعى الجيش إلى إدارته.
وفي الحالة الأولى، قد يهاجم مستوطنون تجمعًا فلسطينيًا صغيرًا ويدفعون سكانه إلى الرحيل، ثم تمتنع القوات عن تأمين عودة هؤلاء السكان إلى منازلهم وأراضيهم. أما إذا تحولت الاعتداءات إلى هجمات واسعة تستقطب اهتمامًا دوليًا وتهدد بانفجار أمني أكبر، فإنها تصبح، وفق هذا التحليل، عبئًا على عملية الضم التدريجي التي يفضل القائمون عليها إبقاءها بعيدًا عن الأضواء.
ومن هذا المنطلق، يرى ليفي أن إجراءات بلوط لكبح بعض المستوطنين تستهدف إعادة العملية إلى سيطرة الجيش، وليس بالضرورة وقف الاستيلاء على الأراضي. وفي الوقت نفسه، شهدت فترة قيادة بلوط ترسيخ البؤر الاستيطانية الزراعية باعتبارها وسيلة للسيطرة على مساحات أوسع من الضفة الغربية.
ويقول ليفي إن ذلك جرى بالتعاون مع الإدارة المدنية، التي حصل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على صلاحيات واسعة فيها، مما أتاح تعزيز مسار السيطرة الميدانية بالتوازي مع محاولات ضبط الاعتداءات التي قد تسبب تداعيات أمنية أو سياسية أوسع.
جذور المسار تعود إلى نحو عقدين
ولا يحصر ليفي هذا التحول في المستوطنين المتطرفين أو في حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بل يعيد جذوره إلى نحو عقدين. ويقول إن المسار تسارع بعد عودة نتنياهو إلى الحكم عام 2009، عندما تراجع المسار السياسي، وأصبح الحفاظ على الوضع القائم وتغييره تدريجيًا باتجاه ضم الأراضي جزءًا متزايدًا من وظيفة القوات الإسرائيلية في الضفة.
وبعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، يضع ليفي هذه السياسة ضمن ما يسميه، استنادًا إلى أعمال المؤرخ ديرك موزس، عقيدة «الأمن الدائم». وتقوم هذه العقيدة، بحسب شرحه، على إزالة مصادر التهديد المحتملة مستقبلًا بدل الاكتفاء بردعها، ورفض المخاطرة والتسوية، إلى جانب توسيع حرية العمل العسكري وتعزيز السيطرة على الأرض وإنشاء المناطق العازلة.
ويشدد ليفي على أن هذه العقيدة لا تتطلب بالضرورة منطلقًا دينيًا، لأنها تطورت أيضًا داخل قيادة عسكرية علمانية تقدمها بلغة أمنية وإستراتيجية. ويخلص إلى أن تفسير التطورات من خلال «تطرف المستوطنين» وحده يحجب جزءًا أساسيًا من المشهد، إذ لم يسيطر المستوطنون ببساطة على جيش كان يتحرك في اتجاه معاكس، بل تشابك الطرفان على مدى سنوات.
وبفعل هذا التشابك، ضاقت المسافة بين السياسات التي تنفذها الدولة رسميًا والممارسات التي تنجز ميدانيًا بوسائل أقل وضوحًا.
وفي قراءة ليفي، باتت الوحدات العسكرية وحرس الحدود والمستوطنون المسلحون والروابط العقائدية والاجتماعية عناصر ضمن بنية واحدة، تتفاوت مستوياتها الرسمية لكنها تتقاطع في ترسيخ السيطرة على أراضي الضفة الغربية ودعم مسار الضم التدريجي.