دخل التوتر في إثيوبيا مرحلة جديدة مع عودة المواجهات بين القوات الفدرالية وقوات جبهة تحرير تيغراي، وسيطرة الأخيرة على مطارات رئيسية داخل الإقليم، بالتزامن مع امتداد الاشتباكات إلى مناطق مجاورة وتحولات في التحالفات المسلحة قد توسع نطاق النزاع إلى ما وراء تيغراي.
سيطرة قوات تيغراي على المطارات
وقالت الحكومة الفدرالية إن قوات الجبهة سيطرت على مطارات إستراتيجية، في مقدمتها مطار ميكيلي في عاصمة الإقليم. وأظهرت المعطيات الميدانية امتداد التوتر من تيغراي إلى مناطق في إقليم عفر، إلى جانب ورود معلومات عن هجمات عند نقاط حدودية تربط تيغراي بإقليمي عفر وأمهرة.
وسحبت القوات الفدرالية عناصرها من مطار ميكيلي لتجنب اندلاع اشتباك مع قوات الجبهة، بينما توقفت حركة الطيران المدني في مطارين آخرين داخل تيغراي. وفي الوقت نفسه، برزت مؤشرات على تحرك حشود عسكرية باتجاه المناطق المتاخمة للإقليم، وسط تركز التوتر في تيغراي ومحيطه المباشر.
تصعيد بدأ منذ أغسطس الماضي
ويأتي التصعيد بعد توترات متزايدة منذ أغسطس/آب الماضي، عندما بدأت قوات جبهة تحرير تيغراي شن هجمات في المناطق الغربية من الإقليم. وتثير التطورات مخاوف من تراجع الترتيبات الأمنية والسياسية التي أعقبت الحرب السابقة، خصوصاً مع عودة التحركات العسكرية إلى مناطق حدودية حساسة.
وقال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إن سيطرة قوات تيغراي على مطار ميكيلي تمثل تطوراً في مسار المواجهة، بالنظر إلى ارتباط المطارات بمفهوم السيادة. وأضاف أن انتقال السيطرة على المطار يعكس تحدياً لسلطة الحكومة الفدرالية داخل الإقليم.
وأوضح جوني أن القيمة العسكرية الأساسية للسيطرة على المطار تكمن في حرمان القوات الفدرالية من منشأة إستراتيجية. لكنه أشار إلى أن قدرة قوات تيغراي على تشغيل المطار واستثماره لأغراض عسكرية واسعة تظل محدودة، بسبب افتقارها إلى سلاح جو وإلى القدرات الجوية اللازمة لاستخدام المنشأة بصورة فعالة.
تحالف مسلح يوسع التحدي للحكومة
ويتزامن التطور الميداني مع انضمام جبهة تحرير تيغراي إلى تحالف تشكل حديثاً ويضم ست جماعات مسلحة أخرى من أقاليم إثيوبية مختلفة. ووفق جوني، فإن اتساع التشكيل ليشمل قوى من عدة أقاليم ينقل طبيعة المواجهة من نزاع محلي متركز في تيغراي إلى تحد أوسع أمام الحكومة المركزية.
ويضم التحالف جماعات مسلحة تنشط في مناطق من بينها أمهرة وأوروميا وعفر. وتتهم القوى المشاركة فيه الحكومة الفدرالية بتركيز السلطة في المركز وتهميش الأقاليم، بينما تقول أديس أبابا إنها تسعى إلى معالجة الانقسامات القائمة من خلال الحوار الوطني. ويرى جوني أن مدى تماسك التحالف الجديد وحجم قدرته العسكرية لا يزالان غير محسومين.
ومع ذلك، اعتبر أن اجتماع عدة حركات مسلحة حول هدف سياسي مشترك، يتمثل في مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، يضيف عنصراً جديداً إلى الصراع ويزيد الضغوط الواقعة على القوات الفدرالية. ويبرز احتمال التقارب بين إريتريا وقوات تيغراي باعتباره أحد أكثر المتغيرات حساسية في خريطة التحالفات الجديدة.
مؤشرات تقارب بين إريتريا وتيغراي
وكانت أسمرا قد قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد قوات تيغراي خلال الحرب التي اندلعت عام 2020، قبل أن تنتهي باتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وأشار جوني إلى وجود مؤشرات على تقارب بين إريتريا وقوات تيغراي، معتبراً أن تحوله إلى تعاون عسكري قد يوفر للجبهة عمقاً إضافياً بسبب الحدود الطويلة التي تربط الإقليم بإريتريا.
وقد يؤثر مثل هذا التطور، بحسب تقديره، في قدرة أديس أبابا على إدارة المواجهة ومراقبة مسارات الحركة والإمداد. وتزداد حساسية العامل الإريتري بفعل موقع إثيوبيا وإريتريا في منطقة البحر الأحمر، إلى جانب سعي أديس أبابا منذ سنوات إلى الحصول على منفذ بحري.
ومن شأن دخول أسمرا بصورة مباشرة على خط الصراع أن يدفع المواجهة إلى مستوى يتجاوز الحسابات الداخلية للأقاليم الإثيوبية. وحذر جوني من أن تزامن أي تعاون إريتري مع نشاط التحالف المسلح الجديد قد يفتح الباب أمام اكتساب النزاع بعداً إقليمياً، وربما يقود إلى مواجهة بين دولتين في منطقة تشهد بالفعل توترات متعددة، ولا سيما في البحر الأحمر وباب المندب.
وتدخل الحدود بين تيغراي والسودان أيضاً في الحسابات الجيوسياسية للمواجهة. وتسيطر القوات الفدرالية على مناطق تشكل حاجزاً أمام اتصال قوات تيغراي بالسودان، ما يمنح تلك المواقع أهمية إضافية إذا توسعت العمليات العسكرية وتعددت خطوط الإمداد والتحرك.
وتعيد المواجهات الحالية إبراز هشاشة الترتيبات التي أعقبت اتفاق بريتوريا، الذي أنهى حرباً استمرت نحو عامين وأودت بحياة أعداد كبيرة من الإثيوبيين. وكان الاتفاق يفترض أن يمهد لترتيبات أمنية وسياسية جديدة، من بينها دمج مقاتلي تيغراي في مؤسسات الدولة.