أثارت صورة لمارين لوبان، زعيمة أقصى اليمين الفرنسي والمرشحة المحتملة عن التجمع الوطني في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي تبتسم إلى جانب راهبة مسيحية ترتدي غطاء الرأس التقليدي، نقاشاً جديداً في فرنسا حول الحجاب وحدود العلمانية والمساواة في التعامل مع المظاهر الدينية في المجال العام.
والتُقطت الصورة خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا، ثم نشرها النائب الأوروبي عن التجمع الوطني ماتييو فاليه عبر منصة «إكس»، مرفقة بعبارة «نهضة فرنسا الجميلة». وظهرت لوبان، المدانة في قضايا فساد، في اللقطة إلى جوار الراهبة خلال مناسبة عامة مرتبطة بالزيارة البابوية، ما دفع منتقدين إلى عقد مقارنة مع موقفها من الحجاب الإسلامي.
لوبان تطرح حظر الحجاب في الأماكن العامة
واكتسبت الصورة بعداً سياسياً بسبب نشرها بعد أسابيع من إعادة لوبان طرح قضية حظر الحجاب الإسلامي في الفضاء العام. وكانت قد أعلنت في نهاية أغسطس أنها تعتزم، في حال وصولها إلى قصر الإليزيه، عرض قانون لمواجهة ما تسميه «الإيديولوجيات الإسلامية» على استفتاء شعبي.
ويتضمن المشروع الذي تحدثت عنه لوبان تجريم ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، إلى جانب فرض عقوبات مالية على النساء اللواتي يرتدينه. ويتجاوز هذا المقترح نطاق القيود المنصوص عليها في القانون الفرنسي القائم، إذ يستهدف الحجاب الإسلامي في الفضاء العام بصورة أوسع من القواعد المطبقة حالياً.
منتقدون يتهمون الحزب بازدواجية المعايير
ورأى منتقدون أن المشهد ينطوي على مفارقة سياسية وبصرية، إذ استقبلت لوبان بابتسامة غطاء رأس دينياً ترتديه راهبة في مناسبة عامة، في الوقت الذي يناقش فيه حزبها معاقبة نساء مسلمات بسبب ارتداء الحجاب في الشوارع. وأدت هذه المقارنة إلى تداول اتهامات على شبكات التواصل الاجتماعي باعتماد سياسة «الكيل بمكيالين» تجاه الرموز والمظاهر الدينية.
ومن الناحية القانونية، لا يشكل غطاء الرأس الذي ارتدته الراهبة في الصورة مخالفة للقانون الفرنسي. كذلك لا ترتكب المرأة المسلمة التي تضع حجاباً يغطي الشعر فقط مخالفة، في الوقت الراهن، لمجرد ارتدائه في الشارع. وتتفاوت القيود الفرنسية الحالية بحسب المكان الذي يوجد فيه الشخص، وطبيعة وظيفته، ونوع اللباس الديني المستخدم.
احتجاجات رمزية وتضامن مع النساء المسلمات
ولم يقتصر النقاش على الصورة المتداولة. ففي 3 سبتمبر، ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي نساء مسيحيات وأخريات غير مسلمات وهن يرتدين الحجاب بصورة رمزية، تضامناً مع النساء المسلمات واحتجاجاً على مشروع التجمع الوطني.
وقالت إحدى المشاركات إنها مسيحية ومستعدة لارتداء الحجاب «دعماً لأخواتها»، كما انتشرت تسجيلات لنساء أخريات يغطين شعورهن لإيصال رسالة تضامن مماثلة. وامتد الجدل إلى أوساط في الشرطة الفرنسية، بعدما انتقد الشرطي والنقابي رودي مانّا فكرة تكليف عناصر الشرطة بتحرير مخالفات بحق النساء المحجبات.
ونقلت وسائل إعلام فرنسية عنه قوله إن لدى الشرطة مهام أخرى أكثر أهمية من التعامل مع هذا النوع من المخالفات، في إشارة إلى الجانب العملي لتطبيق الحظر الذي تقترحه لوبان. وتزامنت هذه المواقف مع زيارة البابا ليون الرابع عشر، التي تحولت إلى حدث جماهيري وسياسي كبير في فرنسا.
الزيارة البابوية تضخم النقاش السياسي والديني في فرنسا
وشاركت لوبان، إلى جانب جوردان بارديلا، في القداس الذي أقامه البابا يوم 26 سبتمبر في ساحة الكونكورد بالعاصمة باريس، بحضور سياسي واسع وحشد قدر الفاتيكان عدده بنحو 800 ألف شخص. وفي مواجهة الانتقادات، سعى التجمع الوطني إلى الفصل بين موقفه من الدين المسيحي وموقفه مما يصفه بالإسلام السياسي.
وقال نائب رئيس الحزب سيباستيان شونو إن التجمع الوطني «يحارب الإسلاموية ولا يحارب ديناً»، رداً على سؤال يتعلق بموقف البابا من العلمانية ومن استمرار حضور الدين في المجال العام. أما البابا ليون الرابع عشر، فقال خلال زيارته إن «العلمانية العادلة» لا تعني إقصاء الدين من المجال العام.
وربطت وسائل إعلام فرنسية هذا التصريح مباشرة بالنقاش الدائر حول الحجاب، ولا سيما أن مشروع لوبان يستند إلى مفهوم العلمانية في تبرير الدعوة إلى منع الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة. وحولت ردود الفعل الصورة من لقطة مرتبطة بزيارة بابوية إلى محور لنقاش أوسع بشأن المعايير التي تحكم التعامل مع الألبسة الدينية في فرنسا.
ويرى مؤيدو مشروع التجمع الوطني أن الحجاب الإسلامي قد يمثل، في بعض الحالات، تعبيراً عن «الإسلاموية»، بينما يعتبر منتقدوه أن استهداف الحجاب الإسلامي وحده، دون غيره من أغطية الرأس الدينية، يثير إشكالية المساواة في تطبيق مبدأ العلمانية.