اختار الروائي سعيد أبو غزة أن يضع الحب في مواجهة الموت في روايته الجديدة «رسائل ممنوعة»، التي كتبها وهو يقيم في قطاع غزة المدمر والمحاصر. ومن خلال قصة زوجين فرّق بينهما غياب مفاجئ، يحاول العمل حماية الذاكرة العاطفية من المحو، واستعادة ما تهدمه الحرب في داخل الإنسان من حميمية وقدرة على الحلم والأمل.
الرواية الثالثة عشرة تحت القصف
تمثل الرواية العمل الأدبي الثالث عشر في مسيرة أبو غزة، والخامس الذي ينشره على وقع ما يصفه بجرائم الإبادة. ويقول الروائي إنه يواصل الكتابة في ظل ظروف استثنائية بهدف تحويل التجربة الإنسانية تحت القصف إلى مادة أدبية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل ما يحدث من فقد ودمار ونجاة.
لا يتعامل أبو غزة مع الكتابة عن الحب باعتبارها مهرباً من الحرب، بل بوصفها طريقاً إلى ترميم الإنسان من الداخل. وفي الوقت الذي تتصدر فيه مشاهد الموت والانهيار كثيراً من الكتابات الآتية من غزة، تتجه روايته الرسائلية الوجدانية إلى مساحة أخرى من مقاومة الفناء، عبر التمسك بالعاطفة والذاكرة وما تبقى من أسباب البقاء.
كمال ووصال ورسائل تصل متأخرة
تدور «رسائل ممنوعة» حول كمال ووصال، وهما زوجان يؤدي غياب مفاجئ إلى الفصل بينهما، فاتحاً المجال أمام الشك والانتظار والانكسار. يبدأ كمال بكتابة رسائل إلى زوجته الغائبة، لكنها لا تصل إليها، وتحمل كلماته مزيجاً من العتاب والاشتياق والاتهام، في وقت يجهل فيه حقيقة اختفائها ومصيرها. يموت الزوج مكلوماً قبل أن يعرف ما وقع لزوجته.
ثم تكشف الرواية أن وصال لم تهرب منه ولم تخنه، وإنما أصيبت بمرض مفاجئ أدى إلى إيداعها مصحة نفسية في مدينة بعيدة. وحين تعود إلى منزلها، تعثر على الرسائل التي كتبها كمال خلال غيابها، لكنها تصل بعد أن أصبح الرد المباشر مستحيلاً. تشرع وصال بدورها في كتابة رسائل إلى روح زوجها الراحل، وتستعيد من خلالها ذكريات الحب التي جمعتهما، كما تجيب عن العتاب والاتهامات والأسئلة التي تركها في رسائله.
وبهذا البناء، تتحول الرواية إلى حوار مؤجل بين عاشق مات قبل ظهور الحقيقة وأرملة وصلت متأخرة، بعدما عجزت الكلمات عن بلوغ وجهتها في الوقت المناسب. يقسم أبو غزة الرواية إلى جزأين يحمل أولهما عنوان «بوح رجل مكلوم»، ويضم الرسائل التي كتبها كمال أثناء غياب زوجته.
أما الجزء الثاني، المعنون «ذكريات أرملة عاشقة»، فيعرض رسائل وصال بعد وفاة زوجها. ولا تظهر الرسائل في العمل كمراسلات تقليدية، بل تشكل الهيكل الذي تُبنى من خلاله رواية كاملة من وجهتي نظر.
يتحرك السرد بين الحاضر والذاكرة، ويقارن بين ما يتصوره الإنسان حقيقة في لحظة الألم وما تكشفه الوقائع لاحقاً. ومن خلال صوتي كمال ووصال، يتناول أبو غزة موضوعات الفراق والوفاء والخيانة والأمل والألم، ويطرح سؤالاً عن قدرة الحب على الصمود أمام سوء الفهم والغياب القسري والموت.
أبو غزة يجعل الحب مقاومة للموت
ويشرح أبو غزة الدافع وراء كتابة الرواية بالقول: «في غزة نحن لا نكتب العشق ترفاً، ولا نغازل الحبيبة هروباً من هول القصف، بل نكتب ونحن في عين العاصفة لأننا ندرك أكثر من غيرنا أن الحب هو المعادل الموضوعي الوحيد للموت». وبالنسبة إليه، يصبح الأدب محاولة لاستعادة الإنسان من بين ركام الحرب.
ويضيف أن الكتابة عن العشق تمثل «فعلاً ثورياً بامتياز»، لأنها إعلان عن استمرار الحياة ورفض لتحويل أهل غزة إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار أو هياكل عظمية تحت الأنقاض. فالحب في الرواية لا يقتصر على علاقة رومانسية، وإنما يتحول إلى وسيلة لمواجهة الفقد والإمساك بما تبقى من الحياة عندما تفوق احتمالات الغياب فرص اللقاء.
وكان أبو غزة قد اختار البقاء والصمود في القطاع بدلاً من السفر ومغادرة غزة عقب اندلاع الحرب، وعاش فصولها الدامية. ومن واقع هذه التجربة، يصف العشق بأنه «إستراتيجية وجودية، ودرع روحي نتخذه لنحتمي به من شظايا العدم»، ويراه فعل تحد يعلن من خلاله الناس أنهم ما زالوا يحبون ويبتسمون ويتألمون ويبكون لأنهم بشر.
الرسائل الورقية تبني عالم الرواية الداخلي
تعتمد الرواية لغة شاعرية كثيفة، تتداخل فيها الرسائل مع المونولوج الداخلي والذكريات. كما تمنح الأماكن الحميمة، مثل المنزل والشرفة والحديقة الصغيرة، دوراً في تشكيل عالم متكامل من الحب والانتظار، يقف في مقابل عالم خارجي تهيمن عليه الحرب والموت. وتغدو التفاصيل المنزلية أوعية للذاكرة وللأثر الذي يتركه الغائبون وراءهم.
وتعيد «رسائل ممنوعة» إلى الواجهة شكلاً أدبياً يكاد يتراجع في عصر الرسائل الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. فالرسالة الورقية في العمل ليست أداة لنقل الكلام فحسب، بل مساحة للاعتراف والبوح، ووسيلة لتأجيل حديث لا يُقرأ إلا بعد الغياب. ويسعى أبو غزة بذلك إلى إعادة الاعتبار للرسالة بوصفها فعلاً حميمياً يحتفظ بأثر صاحبه، حتى حين يتعذر وصولها إلى من كُتبت له.
ويرى الروائي أن كل حرف يكتبه في زمن الحرب يشكل محاولة لمقاومة المحو. ويقول: «نحن نبحث عن الحياة في دهاليز الموت، ونحتمي بدفء العشق لنصمد أمام برودة القتل والفقد»، مضيفاً أن كل حرف يُكتب هو صرخة احتجاج ضد الركام ومحاولة لترميم ما تهدم في دواخل الناس قبل منازلهم.
وعلى الرغم من اتصال الرواية المباشر بتجربة مؤلفها خلال الحرب، فإنها لا تتحول إلى سرد لتفاصيل الحرب وتداعياتها اليومية. ويوضح أبو غزة أن الحرب تبقى حاضرة في الخلفية باعتبارها سياقاً وجودياً، بينما ينصب اهتمام النص على تأثير القسوة في الإنسان من الداخل، وحاجته إلى الحب والذاكرة والكتابة حتى يحافظ على إحساسه بإنسانيته.
ويلخص أبو غزة قيمة الكتابة على أصوات المدافع والصواريخ بقوله إن الناس يحبون الحياة «ليس لأنها سهلة أو جميلة، بل لأنها الشيء الوحيد الذي نملكه في زمن الإبادة، والذي نحاول جاهدين انتزاعه من بين فكي الموت».
ومن هذا المنطلق، تصبح الرواية وثيقة وجدانية عن قدرة الإنسان على إنتاج المعنى وسط الانهيار، إلى جانب كونها عملاً ينتمي إلى الأدب الرومانسي. ويصف الروائي العشق بأنه المساحة الخاصة التي لا يستطيع المحتل تدنيسها، و«الواحة الخضراء» التي تُزرع فيها بذور الأمل رغم شح المياه وكثرة الدماء.
ويقول إن الكتابة عن الحب تؤكد أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن العاطفة قادرة على الوقوف في وجه آلة الحرب. وتتجاوز الرواية في بنائها قصة الحب بين رجل وامرأة، لتجعل من الفقد والانتظار والذاكرة أسئلة عن معنى البقاء، وما يتبقى من الإنسان بعد رحيله، وإمكان عبور الحب للموت عندما تصل الكلمات متأخرة.
ويصف أبو غزة عمله بأنه شهادة حية على قدرة الكلمة على الصمود في وجه الفناء، معتبراً «رسائل ممنوعة» صرخة حياة ضد العدم في مكان صار فيه كل ثانية احتمالاً للرحيل.