اتفق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، خلال قمة عقداها في البيت الأبيض الخميس، على تمديد الهدنة التجارية بين بلديهما شهرين، من دون تحقيق اختراقات كبيرة في ملفات الذكاء الاصطناعي وتايوان والحرب على إيران. وجاءت المحادثات وسط تأكيد متبادل على إدارة التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم وتجنب تحوله إلى نزاع مباشر.
وقبيل بدء المباحثات، قال شي إن على الصين والولايات المتحدة ضمان «عدم الدخول في نزاع أو مواجهة بينهما». وفي المقابل، تحدث ترمب عن «صداقة عظيمة» تجمعه بالرئيس الصيني، واتخذت تصريحاته خلال الزيارة نبرة ودية عكست مساعيه لكسب ود شي، رغم استمرار نقاط التوتر العميقة بين البلدين.
وعقب المحادثات، أعلن شي خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض التوصل إلى تفاهم مشترك مع ترمب بشأن مجموعة من القضايا. وقال إن الجانبين أجريا مباحثات صريحة ومعمقة، واتفقا على إقامة «علاقة بناءة ومستقرة إستراتيجيا بين البلدين»، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن معظم هذه التفاهمات.
وأضاف الرئيس الصيني أن على بكين وواشنطن استكشاف نهج جديد يتيح للدول الكبرى التعايش بصورة جيدة، داعيا البلدين إلى التصرف باعتبارهما قوتين عظميين مسؤولتين. وتكتسب القمة أهمية لكونها اللقاء الثالث بين الرئيسين منذ عودة ترمب إلى المكتب البيضاوي، وأول زيارة يجريها شي إلى البيت الأبيض منذ أكثر من 10 سنوات.
تمديد الهدنة التجارية لشهرين
وتمثل النتيجة العملية الأبرز للقمة في تمديد الهدنة التجارية شهرين، لتستمر حتى 10 يناير/كانون الثاني المقبل. وكانت واشنطن وبكين قد توصلتا العام الماضي إلى هدنة اقتصادية أنهت نزاعا متبادلا، استخدمت خلاله الصين ضوابط تصدير المعادن النادرة ردا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب.
وكانت بكين تأمل في تمديد الهدنة، التي كان مقررا انتهاؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حتى نهاية ولاية ترمب، لكن الجانبين اتفقا في النهاية على شهرين إضافيين فقط. ووصف شي الترتيب التجاري الجديد مع الولايات المتحدة بأنه «خبر سار للاقتصاد العالمي». وفي المقابل، يتذمر مسؤولون أمريكيون من مستوى التزام الصين ببنود الهدنة، بحسب مجلة الإيكونوميست البريطانية.
وشملت الالتزامات الصينية وقف تدفق المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، الذي يتسبب في وفاة عشرات الآلاف داخل الولايات المتحدة، إلى جانب زيادة مشتريات بكين من فول الصويا الأمريكي.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إنه سيستغل تمديد الهدنة للضغط على بكين من أجل تنفيذ التزاماتها بصورة «أكمل وأكثر شمولا». وأضاف أن واشنطن تدرس أيضا اتفاقا «أكبر» كانت الصين قد اقترحته، في وقت لا يزال فيه الجانبان يحاولان منع عودة التصعيد التجاري.
ولا يشكل التمديد تسوية نهائية للخلافات التجارية بقدر ما يعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة. ويرى خبراء أن واشنطن وبكين تدركان ما قد تسببه العودة إلى حرب الرسوم الجمركية من تضخم وبطالة، وهو ما يدفعهما إلى «وفاق تكتيكي» خلال المرحلة الحالية. وقال مدير معهد الصين في جامعة لندن ستيف تسانغ إن بكين تعتبر تمديد الهدنة نجاحا كافيا للزيارة.
من جانبه، رأى الباحث الأول في معهد هدسون رايلي والترز أن هذا السيناريو يوفر استقرارا إستراتيجيا قصير المدى، ويسمح للصين بمواصلة شراء المنتجات الزراعية والطائرات الأمريكية، مع استمرار توريد المعادن النادرة الحيوية إلى الولايات المتحدة.
مراسم الاستقبال والتفاهمات الدبلوماسية
وإلى جانب الملف التجاري، ذكرت وكالة أنباء شينخوا الرسمية أن ترمب وشي اتفقا على دعم كل منهما الآخر في استضافة اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي «آبيك»، وكذلك قمة مجموعة العشرين خلال عام 2026. وسبقت المحادثات مراسم استقبال واسعة بدأت بوصول الرئيس الصيني.
فقد استقبل ترمب شي شخصيا في المطار الأربعاء، في أول مرة منذ أكثر من ستة عقود يستقبل فيها رئيس أمريكي بنفسه رئيس دولة أجنبية في قاعدة أندروز قرب واشنطن. وتواصلت فعاليات الزيارة الخميس بمراسم رسمية ومصافحة في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، إلى جانب عرض جوي عسكري.
ونفذت طائرات عسكرية أمريكية طلعة استعراضية، كان من بينها قاذفة «بي-2» من النوع الذي قصف منشآت نووية إيرانية العام الماضي، بينما رُفع العلمان الأمريكي والصيني فوق الجناح الغربي للبيت الأبيض. وقال ترمب خلال القمة: «لقد حققت أنا والرئيس شي، من خلال العمل معا، تقدما هائلا بشأن القضايا التي تواجه بلدينا».
وأضاف أن الزيارة ستتناول أيضا «قضايا ملحة تتعلق بالأمن والتكنولوجيا والذكاء الفائق»، وهو التعبير الذي بات يستخدمه عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. وقال شي إن البلدين يشجعان مؤسساتهما على تعزيز التواصل في مجالات الشؤون الخارجية والاقتصاد والتعاون المالي وإنفاذ القانون.
كما أعلن دعمه لزيادة التبادلات بين الهيئات التشريعية في الصين والولايات المتحدة، ودعا 100 ألف شاب أمريكي إلى زيارة الصين للدراسة خلال السنوات الخمس المقبلة. ورغم مظاهر الاستقبال، لم تحقق القمة اختراقات كبيرة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، إذ غلب عليها طابع المراسم والاحتفالات بينما سعى البلدان إلى تنظيم تنافسهما.
وأثار الاستقبال انتقاد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر، الذي قارنه بزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ألاسكا العام الماضي. وقال شومر في كلمة داخل قاعة مجلس الشيوخ، في إشارة إلى ترمب: «لدى هذا الرجل ميل فطري نحو الدكتاتوريين»، مضيفا: «ثمة خلل حقيقي فيه».
الذكاء الاصطناعي وتنافس التكنولوجيا
وشكل الذكاء الاصطناعي أحد أكثر موضوعات القمة حساسية في ظل المنافسة التكنولوجية المتصاعدة بين واشنطن وبكين. وبينما قلل ترمب مرارا من المخاوف المرتبطة باحتمال أن يصبح الذكاء الاصطناعي تهديدا للبشرية، اتخذ شي موقفا أكثر حذرا بشأن تطوير هذه التكنولوجيا وإدارتها.
لدينا القدرة والمسؤولية معا لتطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائما في ظل الرقابة البشرية
وكان بعض المدافعين عن سلامة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يأملون أن يتوصل الرئيسان إلى اتفاق يعزز الرقابة على نماذجه، أو يؤدي حتى إلى إبطاء وتيرة تطويرها. وفي المقابل، طالب آخرون ترمب بالضغط على الصين في قضية «تقطير» الذكاء الاصطناعي، وهي طريقة تستخدم مخرجات نموذج معين لتطوير نموذج آخر وتحسين أدائه. ويتنافس البلدان بقوة في هذا المجال، مع إدراكهما تصاعد المخاطر المحتملة.
تايوان والحرب على إيران
واقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية إخطار جديدة مع الصين، تتيح لكل طرف تنبيه الآخر إلى أي حادثة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تهدد الأمن القومي. وفي الملفات السياسية والأمنية، حث شي نظيره الأمريكي على التحلي بـ«الحيطة» في التعامل مع قضية استقلال تايوان، الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبرها الصين جزءا من أراضيها.
وقال إن موقف بكين من حماية وحدتها الوطنية وسلامة أراضيها «واضح وضوح الشمس». وكانت إدارة ترمب قد وافقت في ديسمبر/كانون الأول الماضي على بيع أسلحة إلى تايوان بقيمة 11 مليار دولار، في أكبر صفقة من نوعها على الإطلاق.
ولا تزال حزمة ثانية تقدر قيمتها بنحو 14 مليار دولار معلقة منذ أشهر، بينما سبق لترمب أن وصف صفقات التسليح بأنها «ورقة تفاوضية فعالة للغاية». وتناول شي أيضا الحرب على إيران، وحث ترمب على إنهائها «عبر التفاوض في أسرع وقت»، والعمل على التوصل إلى اتفاق شامل يتضمن القضية النووية ويحقق السلام.
وكانت تقارير قد أفادت بأن الصين زودت إيران بمعلومات استخبارية خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ونقلت شينخوا عن شي قوله إن الصين «لطالما أكدت على ضرورة احترام سيادة وأمن جميع الدول»، وإنها أدت دورا بناء في تخفيف التوترات وتشجيع المفاوضات. وأعرب الرئيس الصيني كذلك عن دعم بلاده لعودة الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد.
ويرى خبراء أن الصين لن تتدخل مجانا لإعادة الاستقرار أو إخراج واشنطن من مأزقها العسكري مع إيران، معتبرين أن استنزاف الولايات المتحدة يمنح بكين أفضلية جيوسياسية قد لا تتخلى عنها إلا مقابل ثمن يشمل مرونة في القيود التكنولوجية وتخفيفا للرسوم الجمركية.
وقبل القمة بيومين، قال مسؤول السياسات في وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» إلبريدج كولبي، في 23 سبتمبر/أيلول، إن هدف بلاده في آسيا هو تأمين «سلام لائق» يضمن حرية التجارة، مضيفا أن الولايات المتحدة ستظهر «موقفا محترما تجاه بكين». وأضاف كولبي أنه ليس أمرا سيئا أن يعتقد كل طرف أن لديه اليد العليا مع مرور الوقت، داعيا إلى إدارة العلاقة في إطار «منافسة حيوية، لا تفضي إلى حرب كبرى».
وتنسجم هذه الدعوة مع الرسالة التي أكدها شي خلال الزيارة بشأن منع التنافس بين القوتين من التحول إلى مواجهة.