يواجه براد بيت في فيلم «قلب الوحش» الطبيعة والمرض والعزلة بأدوات تمثيلية تعتمد على الجسد والصمت أكثر من الحوار، مجسداً شخصية رجل يخوض مع كلبه العسكري رحلة بقاء في براري ألاسكا. ويحوّل المخرج ديفيد آير البيئة القاسية من مجرد خلفية للأحداث إلى عنصر درامي حاضر يفرض قوانينه على الشخصيات وعلى البناء البصري والصوتي للعمل.
فريق الفيلم وعرضه في مهرجان سان سباستيان
يعيد الفيلم التعاون بين آير وبيت بعد فيلم «غضب» الصادر عام 2014. ويشارك في البطولة جي. كيه. سيمونز وآنا لامب، فيما كتب السيناريو كاميرون ألكسندر، وتولى إدارة التصوير ماورو فيوري، الحاصل على جائزة أوسكار أفضل تصوير عن فيلم «أفاتار». أما الموسيقى فقدمها جاريد مايكل فراي.
«قلب الوحش» إنتاج أميركي تتولى «باراماونت بيكتشرز» توزيعه، وقد عُرض خارج المسابقة ضمن الاختيار الرسمي للدورة الرابعة والسبعين من مهرجان سان سباستيان السينمائي. وينتمي العمل إلى أفلام البقاء، لكنه لا يبني توتره على وحش خيالي أو قاتل يطارد أبطاله، بل يستمد الخطر من ظروف يمكن أن يواجهها الإنسان في العالم الحقيقي.
بداية رحلة جيمس وأودين في ألاسكا
تبدأ الحكاية عندما يحط جيمس، الذي يؤدي دوره براد بيت، بطائرته الصغيرة على الماء في براري ألاسكا، قبل أن يقيم مخيماً برفقة كلبه أودين. ويبدو وجودهما في المكان جزءاً من روتين مألوف، فيما تكشف تفاصيل الأيام الهادئة عن علاقة وثيقة وحميمية تجمع الرجل بكلبه وتتجاوز علاقة مالك بحيوان أليف.
ينقلب ذلك الهدوء حين يضطر جيمس إلى التحليق مجدداً لتجنب عاصفة. وأثناء الطيران يتعرض لأزمة قلبية، لتبدأ بعد ذلك محاولته مع أودين للنجاة في الغابة. وعند هذه النقطة تتغير صورة البرية من مساحة جذابة وواسعة إلى بيئة معادية، يصبح فيها المرض والبرد والجوع والإرهاق والإصابات والتضاريس والماء والمسافات مصادر متتالية للخطر.
براد بيت يواجه اختبار التمثيل بالصمت
لا يمنح الفيلم براد بيت المساحة المعتادة التي توفرها أفلام النجوم الكبار لأبطالها. فالشخصيات المحيطة بجيمس محدودة، كما أن الحوار لا يؤدي وظيفة شرح مشاعره أو أفكاره باستمرار. وبما أن المواجهة الأساسية تقع بين الإنسان والطبيعة، يصبح على الممثل نقل الخوف والألم والارتباك والإرهاق من دون كلمات تصف مباشرة ما تمر به الشخصية.
يفرض هذا الاختيار على بيت الابتعاد نسبياً عن الكاريزما وخفة الظل والوسامة التي أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أبرز نجوم هوليوود. ويعتمد بدلاً من ذلك على جسده باعتباره أداة للسرد، فتكتسب آثار التعب ونظرات الحذر والخوف وفترات الصمت أهمية أساسية في تقديم جيمس وفهم حالته النفسية والجسدية.
ومن خلال هذا الأداء تظهر المسافة بين صورة براد بيت النجم وبين قدرته كممثل مطالب ببناء شخصية لا تملك مساحة واسعة للكلام. ولا تأتي قوة الشخصية من خطب أو حوارات طويلة، بل من تفاصيل صغيرة تتابع تحولات رجل تتراجع قدرته على السيطرة على محيطه، بينما يواصل التعامل مع سلسلة من المخاطر المتغيرة. يمثل أودين الشريك الأساسي لجيمس في الرحلة.
أودين شريك البطل ومحور العلاقة العاطفية
فهو كلب عسكري يرتبط بالبطل من خلال ماض مشترك، وليس مجرد رفيق يصاحبه في البرية. ويقيم الفيلم العلاقة بينهما في معظم الوقت عبر السلوك والحركة وتبادل النظرات، لتصبح هذه الصلة واحداً من أبرز عناصره الدرامية ومحركاً عاطفياً يتقدم أحياناً على محاولات النجاة نفسها.
وعلى خلاف عدد كبير من أفلام البقاء التي تحتاج إلى تهديد استثنائي واضح، مثل الوحوش أو القتلة أو الكوارث البيئية الكبرى، يكتفي «قلب الوحش» بأخطار تنتمي إلى الواقع. فالحيوانات البرية والمرض والإصابة والبرد والجوع والماء والمسافات ليست أدوات مفتعلة لإثارة الرعب، وإنما أجزاء طبيعية من عالم لا يتكيف مع احتياجات الإنسان.
لا يقدم الفيلم الطبيعة بوصفها شريراً يتعمد مطاردة جيمس، بل باعتبارها قوة قائمة بقوانينها الخاصة، لا تكترث بوجوده أو بدرجة استعداده. وحتى خبرته العسكرية، التي تمنحه تدريباً وقدرة أفضل على التصرف في الظروف الصعبة، لا توفر له حصانة كاملة من المرض أو الإرهاق أو المصادفات السيئة. يتحول الخطر بذلك إلى اختبار متواصل لحدود الإنسان.
وكلما بدا أن جيمس نجح في التعامل مع تهديد معين، تضعه البيئة أمام اختبار آخر. وتمنح واقعية هذه الأخطار الفيلم توتراً قد يصعب أحياناً تحقيقه بواسطة الوحوش الخيالية، لأن ما يحدث على الشاشة يبدو مرتبطاً بظروف محتملة يمكن أن تنتج من حادث عارض أو قرار غير موفق. مع ذلك، لا يحصر الفيلم بطله في مسار الخسارة واليأس.
ففي مقابل البرد والخوف والإصابة، يقدم علاقة جيمس وأودين باعتبارها مصدراً للأمل والدفء. ويعمل على توضيح الرابط بينهما بصورة رقيقة، حتى تصبح حماية كل منهما للآخر مركز الحكاية وأحد مفاتيحها العاطفية الأساسية. صُورت أحداث «قلب الوحش» في نيوزيلندا، التي أدت دور براري ألاسكا.
واستثمر آير ومدير التصوير ماورو فيوري طبيعة المكان لإظهار الفارق بين حجم الإنسان وضخامة العالم المحيط به. وتضع اللقطات الواسعة جيمس وأودين داخل مساحات تتجاوز قدرتهما على السيطرة، فيبدوان صغيرين أمام الغابات والمياه والتضاريس الممتدة. وحين تصبح البيئة أشد تهديداً، تنتقل الكاميرا إلى لقطات أقرب، ليتراجع الشعور بالاتساع ويحل محله الإحساس بالاختناق والخطر.
ولا يقتصر حضور البرية على الصورة؛ إذ تؤدي موسيقى جاريد مايكل فراي وظيفة سردية مهمة في عمل يمنح الحوار مساحة محدودة، فتساعد على نقل الحالة الداخلية للشخصية ومرافقة تغيراتها. تتداخل الموسيقى كذلك مع أصوات الرياح وحركة الماء وبقية أصوات الطبيعة، فتتحول البيئة إلى جزء من اللغة الصوتية للفيلم، لا مجرد موقع تدور فيه الأحداث.
ويجعل هذا البناء البصري والسمعي عرض العمل على شاشة السينما جزءاً مؤثراً من تجربته، لأن اتساع الصورة والصوت المحيط يعززان شعور المتفرج بأنه داخل المساحة التي تحاصر البطل وكلبه. ويحتفظ الماضي العسكري بحضور واضح في تعريف جيمس لنفسه وفي علاقته بأودين.
ينظر الفيلم إلى الحرب من زاوية الذين خاضوها، ويربط استدعاء التجربة العسكرية بذكريات الصدمة والخسارة والتضحية، بدلاً من وضع الحروب الأميركية التي يلمح إليها ضمن نقاش سياسي أو أخلاقي أوسع.
وعندما يعود السرد إلى مشاهد الحرب عبر الاسترجاع، تظل وظيفتها الأساسية تفسير ما يحمله جيمس وأودين من آثار نفسية وجسدية. غير أن هذه المشاهد تبدو أقل اندماجاً مع بقية العمل، الذي يحقق أكبر قدر من الجاذبية حين يحصر اهتمامه في العلاقة بين الرجل والكلب والطبيعة المحيطة بهما.