العودة للرئيسية
صحة

نقص مخزون الحديد قد يسبق فقر الدم لدى النساء

قد ينخفض مخزون الحديد لدى النساء بينما يبقى الهيموغلوبين ضمن مستواه الطبيعي، ما يجعل قياس الفيريتين مهماً عند ظهور الإرهاق وضعف التركيز وتساقط الشعر. ويرتبط النقص خصوصاً بغزارة الحيض والحمل والولادة وضعف الامتصاص، فيما يتطلب العلاج تعويض الحديد ومعالجة سبب فقدانه ومتابعة الاستجابة بالفحوص المناسبة.

•7 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
امرأة تبدو متعبة وتستند برأسها إلى يدها أثناء جلوسها إلى طاولة في مطبخ، وتمسك بيدها الأخرى كوبًا. تُستخدم الصورة في سياق نقص مخزون الحديد وفقر الدم لدى النساء.

يمكن أن تعاني المرأة من نقص واضح في مخزون الحديد من دون أن تُظهر صورة الدم التقليدية إصابتها بفقر الدم، إذ قد يظل الهيموغلوبين ضمن الحدود الطبيعية خلال المرحلة الأولى من استنزاف الحديد. وقد تصاحب هذه المرحلة أعراض مثل الإرهاق وضعف التركيز وتساقط الشعر وتراجع القدرة على بذل المجهود، الأمر الذي يجعل قياس الفيريتين مهماً عند الاشتباه بالنقص وعدم الاكتفاء بقياس الهيموغلوبين وحده.

وتشير مراجعة نشرتها المجلة الطبية الكندية عام 2025 إلى أن نقص الحديد، سواء ترافق مع فقر الدم أم لم يترافق معه، أكثر شيوعاً لدى النساء. وتعد المراجعة تعداد الدم الكامل وقياس الفيريتين من الفحوص الأولية المهمة عند وجود اشتباه بنقص الحديد.

أسباب استنزاف الحديد لدى النساء

والفيريتين بروتين داخل الخلايا يتولى تخزين الحديد وإطلاقه عندما يحتاج الجسم إليه، لذلك يُستخدم مستواه في تقدير المخزون. وتأتي خسارة الدم مع الدورة الشهرية، ولا سيما عندما يكون الطمث غزيراً، في مقدمة الأسباب التي تستنزف مخزون الحديد لدى النساء. كما ترتفع احتياجات الجسم من هذا العنصر خلال الحمل وما بعد الولادة، فضلاً عن أن فقدان الدم المصاحب للولادة يمكن أن يقلل المخزون بدرجة إضافية.

وقد يسهم نقص الحديد في الغذاء أو عدم قدرة الجهاز الهضمي على امتصاصه بكفاءة في تفاقم المشكلة. وتقول أستاذة الطفيليات الطبية في كلية الطب بجامعة أسيوط نهاد أحمد إن فقدان الدم خلال الدورة الشهرية، خصوصاً في حالات غزارة الطمث، يعد من أهم أسباب نقص الحديد لدى النساء.

وتوضح أن الحمل والرضاعة يرفعان احتياجات الجسم، ففي فترة الحمل يتعين تلبية احتياجات الأم والجنين معاً، بينما قد تؤدي الولادة وما يصاحبها من فقدان للدم إلى مزيد من استنزاف المخزون.

ولا تقتصر الأسباب على فقدان الدم أو زيادة الاحتياجات، إذ توضح نهاد أن ضعف الامتصاص قد يرتبط بمرض السيلياك وبعض أمراض الجهاز الهضمي، وقد يظهر أيضاً بعد جراحات السمنة، ومنها تكميم المعدة وتحويل المسار. وتشمل الأسباب كذلك الأنظمة الغذائية الفقيرة بالحديد، وبصفة خاصة عند انخفاض تناول المصادر الحيوانية التي تحتوي على الحديد الهيمي، وهو الشكل الذي يستطيع الجسم امتصاصه بكفاءة أعلى.

غزارة الدورة تعيق علاج نقص الحديد

وتؤكد مراجعة المجلة الطبية الكندية أن التعامل مع غزارة الدورة الشهرية يمثل جزءاً أساسياً من علاج نقص الحديد لدى النساء. فإعطاء الحديد باستمرار من دون الحد من مصدر فقدانه قد لا يحل المشكلة بصورة مستدامة، بل يمكن أن يستمر النقص أو يعود بعد تحسن مؤشرات الدم والمخزون لفترة مؤقتة.

وتشرح نهاد أن الفيريتين قد ينخفض في وقت يبقى فيه الهيموغلوبين ضمن المعدل الطبيعي، لأن الجسم يبدأ باستهلاك احتياطيات الحديد أولاً بهدف المحافظة على إنتاج كريات الدم الحمراء والهيموغلوبين. وتُعرف هذه الحالة بنقص الحديد غير المصحوب بفقر الدم، وقد تمر من دون تشخيص إذا اقتصر التقييم على صورة الدم ولم يشمل فحوص مخزون الحديد.

وقد تظهر في هذه المرحلة المبكرة أعراض ذات تأثير مباشر في النشاط اليومي، مثل الشعور بالإرهاق، وضعف القدرة على التركيز، وتساقط الشعر، وانخفاض القدرة على ممارسة الجهد. ولا يعني غياب فقر الدم في التحليل التقليدي بالضرورة أن مخزون الحديد كافٍ، لأن النقص يمكن أن يسبق انخفاض الهيموغلوبين وظهور فقر الدم بصورة واضحة.

لكن تفسير نتيجة الفيريتين يحتاج إلى مراعاة الحالة الصحية العامة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يمكن أن يرتفع الفيريتين في حالات الالتهاب أو العدوى رغم وجود نقص فعلي في الحديد. ولذلك لا ينبغي قراءة النتيجة منفردة بعيداً عن بقية الفحوص والمؤشرات والحالة السريرية التي يقيّمها الطبيب.

أعراض النقص قد تسبق فقر الدم

وتعد حبوب الحديد خط العلاج الأول في كثير من حالات النقص الخفيفة والمتوسطة، وفق نهاد، لكن اختيارها يتطلب التأكد من قدرة الجهاز الهضمي على امتصاص الحديد، إلى جانب قدرة المريضة على تحمل العلاج والاستمرار فيه والالتزام بطريقة استخدامه.

ويحدد الطبيب المستحضر والجرعة وآلية التناول بما يتناسب مع حالة كل مريضة ومدى تحملها. وقد تعيق الآثار الجانبية الهضمية مواصلة العلاج الفموي لدى بعض المرضى، ومن أبرزها الإمساك والغثيان واضطراب المعدة.

وتقول نهاد إن هذه الأعراض قد تدفع بعض المرضى إلى التوقف عن العلاج، ولذلك يحتاج الاختيار بين مستحضرات الحديد وجرعاتها وطرق استخدامها إلى مراعاة التحمل الفردي، بدلاً من تطبيق طريقة واحدة على جميع الحالات. أما الحديد الوريدي، فقد يكون خياراً مناسباً عندما لا يستطيع المريض تحمل العلاج الفموي، أو عندما يكون امتصاص الحديد ضعيفاً، أو إذا لم تتحقق استجابة كافية بعد استخدام الحبوب.

وقد يُلجأ إليه أيضاً في بعض الحالات التي تستدعي تعويض الحديد خلال وقت أسرع، على أن يتم ذلك وفق تقييم طبي. وتوصي الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي باستخدام الحديد الوريدي إذا تعذر تحمل الحديد الفموي، أو لم يتحسن مخزون الحديد بعد تجربة مناسبة للعلاج، أو وُجدت حالة تجعل امتصاصه من خلال الجهاز الهضمي أمراً غير مرجح.

وتحذر نهاد من إعطاء الحديد الوريدي من دون إشراف طبي أو خارج مكان مجهز للتعامل مع تفاعلات الحساسية إذا حدثت. وبحسب مراجعة المجلة الطبية الكندية، فإن التفاعلات الخطيرة المرتبطة بالحديد الوريدي نادرة، كما أن الحساسية المفرطة الحقيقية بعد إعطائه نادرة جداً.

وتكون غالبية التفاعلات الحادة التي قد ترافق التسريب أقل خطورة، إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى الإشراف الطبي والاستعداد للتعامل معها. ولا يعني ارتفاع الفيريتين أو الهيموغلوبين بعد العلاج أن سبب المشكلة قد انتهى.

معالجة سبب الفقد تمنع عودة النقص

وتوضح نهاد أن الحديد قد ينخفض مجدداً إذا استمر العامل الذي أدى إلى فقدانه، ومن ذلك النزف المتواصل بسبب غزارة الدورة الشهرية أو بعض مشكلات الرحم، أو عدم إكمال العلاج إلى أن يُستعاد المخزون، أو وجود مشكلة لم تُكتشف بعد وتؤثر في امتصاص الحديد. وتشدد الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي على أن علاج نقص الحديد لا ينبغي أن يقتصر على تعويض العنصر المفقود، بل يجب أن يشمل البحث عن السبب الأساسي ومعالجته عندما يكون ذلك ممكناً.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في حالات النزف المزمن، ومرض السيلياك، وأمراض الأمعاء الالتهابية، وكذلك بعد بعض جراحات السمنة التي قد تؤثر في الامتصاص. وتتابع الاستجابة للعلاج من خلال الهيموغلوبين والفيريتين وبقية مؤشرات الحديد، وفق نهاد، غير أن توقيت إعادة التحاليل يتغير بحسب شدة النقص ونوع العلاج المستخدم والحالة الصحية للمريضة.

3 إلى 6 أشهر
مدة استعادة مخزون الحديد

وتفيد مراجعة المجلة الطبية الكندية بأنه يمكن، لدى المرضى الذين يزيد الهيموغلوبين لديهم على 100 غرام لكل لتر، إعادة تعداد الدم وقياس الفيريتين بعد نحو شهرين إلى 3 أشهر، بينما قد تحتاج الحالات ذات الهيموغلوبين الأقل إلى متابعة في وقت أقرب. وقد تستغرق إعادة بناء مخزون الحديد باستخدام العلاج الفموي نحو 3 إلى 6 أشهر.

أما بعد إعطاء الحديد الوريدي، فلا ينبغي قياس الفيريتين خلال الأسابيع الأربعة الأولى، لأن مستواه قد يظهر مرتفعاً بصورة مؤقتة تعطي نتيجة مضللة. وتؤكد نهاد أن نجاح العلاج لا يقاس بارتفاع رقم واحد، بل بتحسن الهيموغلوبين واستعادة المخزون وتراجع الأعراض، بالتزامن مع معالجة السبب الأصلي للنقص.


وفي ما يتعلق بالاستعداد للفحوص، ينصح أحمد عبد اللاه توفيق، مدير أحد معامل التحاليل الطبية في مصر، باتباع تعليمات الطبيب والمختبر قبل إجراء تحاليل الحديد. كما يدعو المريضة إلى إبلاغ المختبر بجميع المكملات والأدوية التي تستخدمها، ولا سيما المستحضرات التي تحتوي على الحديد، لما قد يكون لها من أثر في بعض القياسات.

ويوضح توفيق أن التقييم قد يتضمن صورة الدم والهيموغلوبين والفريتين، بالإضافة إلى مستوى الحديد في الدم والسعة الكلية لارتباط الحديد وتشبع الترانسفيرين عند الحاجة. ويشدد على عدم الاعتماد على نتيجة واحدة بمعزل عن بقية الفحوص، لأن قراءة المؤشرات مجتمعة تساعد على تكوين صورة أدق عن حالة الحديد في الجسم.

ويختلف التحضير بحسب نوع التحليل المطلوب. فقياس الفيريتين وحده لا يتأثر بصورة مهمة بتناول الطعام حديثاً، بينما يمكن أن تتأثر قياسات الحديد في الدم بموعد سحب العينة وبالطعام والمكملات.

وتوصي المختبرات بأن يتم سحب عينات تحاليل الحديد صباحاً، ويفضل بعد صيام 8 ساعات، مع تجنب المكملات المحتوية على الحديد لمدة 24 ساعة قبل السحب وفق تعليمات الطبيب والمختبر، من دون إيقاف أي علاج بقرار ذاتي. ويساعد النظام الغذائي على دعم مخزون الحديد، ويوجد العنصر في صورتين أساسيتين.

الأولى هي الحديد الهيمي الموجود في اللحوم والدواجن والمأكولات البحرية، ويمتاز بارتفاع معدل امتصاصه. أما الحديد غير الهيمي فيوجد في البقول والخضراوات والمكسرات والأغذية المدعمة، ويمكن تحسين امتصاصه بتناول مصادر فيتامين سي، ومنها الحمضيات والطماطم والفلفل، إلى جانب المصادر النباتية للحديد.

ومع ذلك، لا يكفي تعديل الغذاء وحده في العادة لمعالجة نقص الحديد المثبت، خصوصاً لدى النساء اللواتي يفقدن الدم باستمرار بسبب الدورة الشهرية أو ترتفع احتياجاتهن خلال الحمل.

وتعد مراجعة المجلة الطبية الكندية الغذاء الغني بالحديد عاملاً مساعداً ضمن خطة تشمل تعويض الحديد بالطريقة المناسبة ومعالجة السبب الأساسي الذي أدى إلى استنزاف المخزون.