العودة للرئيسية
أخبار

نقص التمويل والجفاف وتراجع الجنيه تفاقم أزمة الغذاء في السودان

يواجه نحو 20 مليون شخص الجوع في السودان، بينهم 5 ملايين في مستويات الطوارئ، وسط تراجع تمويل الإغاثة وشح الأمطار وارتفاع أسعار الغذاء والمحروقات. وبينما تنفي الحكومة وجود مجاعة، يتبادل طرفا الحرب الاتهامات بشأن عرقلة وصول المساعدات واستخدام الغذاء في الصراع.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تُظهر الصورة حشداً من الناس في منطقة جافة وهم يتجمعون حول أكياس وعبوات من مواد غذائية وإمدادات إغاثية، مع توزيع أو استلام المساعدات. يحمل بعض الأشخاص أكياساً وصناديق كرتونية.

تتفاقم أزمة الغذاء في السودان تحت وطأة الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 سنوات، مع انخفاض تمويل المساعدات الإنسانية وشح الأمطار وتراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.

برنامج الأغذية العالمي يخفض حصص السودان

20 مليون شخص
أشخاص يواجهون الجوع

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في البلاد، بينهم 5 ملايين بلغوا مستويات الطوارئ، في حين اضطر البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية بسبب نقص موارده. وتتركز الأزمة بصورة خاصة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في ولايات دارفور وكردفان، إلى جانب مراكز الإيواء ومخيمات النازحين التي تعاني نقص الغذاء.

وأدى تراجع تمويل الوكالات الأممية والمنظمات الإنسانية الوطنية إلى تقليص المساعدات المقدمة للأسر المتضررة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بفعل استمرار المعارك وحركة النزوح.

تراجع تمويل الإغاثة إلى نحو النصف

وقال مدير برنامج الأغذية العالمي بالإنابة كارل سكاو، عقب زيارة أجراها إلى الخرطوم في منتصف سبتمبر/أيلول، إن التمويل المخصص لعمليات البرنامج في السودان انخفض بنحو النصف خلال العام الجاري. وأوضح أن الحرب تدفع مزيدا من السكان نحو الجوع، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع ميزانيات المساعدات نتيجة أزمة الشرق الأوسط.

وقال الناشط في غرف الطوارئ عمر الأطرش إن عددا من المطابخ التي تعتمد على المنح المباشرة في العاصمة وولايات أخرى أوقف تقديم الوجبات أو قلص كمياتها. ويتزامن ذلك مع تزايد أعداد النازحين المتجهين إلى أم درمان ومدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض، هربا من المعارك المتصاعدة في شمال كردفان وغربها.

شح الأمطار يرفع أسعار الذرة

وتضاعفت الضغوط على الإمدادات الغذائية بسبب شح الأمطار في الولايات المنتجة للذرة، التي تمثل غذاء رئيسيا للسودانيين. ومنذ مطلع سبتمبر/أيلول، ارتفعت أسعار الذرة قبل أسابيع من موسم الحصاد، خلافا لما اعتادت عليه الأسواق في المواسم السابقة عندما كانت الأسعار تتراجع مع اقتراب وصول المحصول الجديد.

وقال محمد عبد القادر، ممثل شركة تجارية في بورصة القضارف للحبوب، إن سعر الذرة ارتفع نحو 25% خلال شهر واحد. وأرجع الزيادة إلى مؤشرات تفيد بتراجع الإنتاج وانخفاض المساحات المزروعة نتيجة شح الأمطار وارتفاع تكاليف العمليات الزراعية، متوقعا استمرار صعود الأسعار مع تنامي الطلب على المحصول.

وأشار عبد القادر إلى أن بعض أصناف الذرة تدخل في صناعة أعلاف الحيوانات، محذرا من أن ضعف الأمطار لن يقتصر أثره على المحاصيل، بل سيمتد إلى المراعي أيضا. وقد يؤدي ذلك، بحسب توقعاته، إلى زيادة إضافية في أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء نتيجة ارتفاع تكاليف تربية الحيوانات وتوفير الأعلاف.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إن إجمالي الأمطار خلال موسم يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول جاء دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل. وأوضحت أن هذا الوضع أثر في إنبات المزروعات ونموها، وأثار مخاوف مرتبطة بحجم إنتاج الحبوب في السودان خلال عام 2026.

تراجع الجنيه يضغط على الأسر والأسواق

ويرى خبراء في العمل الطوعي أن تراجع القوة الشرائية للجنيه، بالتزامن مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، يمثل ضغطا اقتصاديا يزيد حدة الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب.

كما رفعت زيادة أسعار المحروقات كلفة نقل المنتجات الزراعية والغذائية بين الولايات، وانعكست على تكلفة عمليات الإغاثة والتوزيع التي تنفذها المنظمات المحلية والدولية. وقيّدت هذه التكاليف قدرة جهات الإغاثة على الوصول إلى المناطق الأكثر تضررا واستقبالا للنازحين.

وقال صالح عبد الله، وهو صاحب متجر في جنوب الخرطوم، إن انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية ترافق مع زيادات متواصلة في أسعار السلع الأساسية، بينما أدى تآكل الدخول وفقدان ملايين المواطنين مصادر رزقهم إلى عجز غالبية الأسر عن تأمين وجباتها اليومية.

وفي ولاية النيل الأبيض، التي تستضيف مئات الآلاف من المتضررين من الحرب، قال متطوعون إن النازحين الموجودين في المناطق الآمنة ومراكز الإيواء يواجهون ارتفاعا مستمرا في تكاليف المعيشة. ولم تعد المساعدات المالية المقدمة إليهم كافية لتغطية احتياجاتهم، مما زاد الضغط على المجتمعات المستضيفة التي تواجه بدورها أوضاعا اقتصادية صعبة.

وفي الخرطوم، قال مؤسس وصاحب تكايا «فكة ريق» عثمان الجندي إن الدعم الذي كانت تتلقاه المطابخ الخيرية وغرف الطوارئ من المنظمات الأجنبية والوطنية ومن رجال البر والإحسان تراجع بشدة خلال الفترة الماضية. وأوضح أن هذا الانخفاض تسبب في إغلاق معظم المطابخ، مشيرا إلى أنه أوقف 11 تكية في ولاية الخرطوم ولم يعد يدير سوى مطبخين.

وعزا الجندي تقلص الدعم إلى ضعف موارد المنظمات الأجنبية والوطنية، وإطالة الحرب التي أثرت في قدرة رجال المال والأعمال على مواصلة تقديم التبرعات. وأضاف أن عودة عدد من المتطوعين إلى أعمالهم بعد استعادة الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار قللت أعداد العاملين، بينما أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى زيادة تكلفة إعداد الوجبات للمتضررين.

وقال الجندي إن الحاجة إلى المطابخ الخيرية تتزايد مع بلوغ أسعار السلع والخدمات مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين. واقترح أن تعمل الحكومة والمنظمات على إنشاء أسواق توفر السلع بأسعار مخفضة، بهدف تخفيف أعباء المعيشة عن الأسر المتضررة ومساعدة المطابخ والمبادرات المجتمعية على مواصلة نشاطها.

في المقابل، قال وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي إن الموسم الزراعي، الذي يقترب من نهايته، «يبشر بإنتاج جيد»، رغم شح الأمطار في بعض المناطق بفعل تغير المناخ. وأشار إلى خروج مساحات واسعة من دارفور وكردفان من دائرة الإنتاج، إلى جانب ارتفاع تكاليف الزراعة بسبب إغلاق مضيق هرمز.

ونفى قرشي وجود مجاعة أو نقص في الغذاء على مستوى البلاد، واعتبر أن ما تشهده بعض المناطق هو «سياسة تجويع واستخدام الغذاء سلاحا». وحمّل قوات الدعم السريع مسؤولية منع وصول المواد الغذائية إلى المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، واتهمها بنشر الخوف والفوضى ومنع المزارعين من فلاحة أراضيهم ونهب محاصيل صغار المنتجين.

ورفض مسؤول في المكتب الإعلامي لتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الذي تقوده قوات الدعم السريع، اتهامات الحكومة. وقال المسؤول، الذي طلب حجب هويته، إن المناطق الواقعة تحت سيطرة التحالف لا تعاني أزمة غذائية، وإن أسعار السلع في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور أفضل من الأسعار المسجلة في الخرطوم.

واتهم المسؤول السلطات في الخرطوم بعرقلة وصول المساعدات إلى المتضررين من الحرب في دارفور وكردفان.

وأضاف أن وكالة العون الإنساني التابعة للتحالف تعمل على تسهيل أنشطة المنظمات وتوزيع الإمدادات في مناطق عدة، في ظل استمرار الخلاف بين طرفي الحرب بشأن المسؤولية عن نقص الغذاء ووصول المساعدات إلى المدنيين.