يهدد النقص الحاد في الإمدادات التشغيلية استمرار علاج مئات المرضى في مستشفيات قطاع غزة، بينهم كبار السن والجرحى، في ظل شح الوقود وزيوت المولدات وقطع الغيار والأدوية والمستلزمات الطبية، وما يترتب على ذلك من ضغوط إضافية على منظومة صحية تعمل بقدرات محدودة.
المولدات تهدد أقسام الطوارئ والعناية المركزة
ولا تقتصر الأزمة على نقص الأدوية، إذ تعتمد المستشفيات على مولدات الكهرباء لتشغيل الأقسام الحيوية والأجهزة الطبية، بينما تواجه صعوبات في توفير الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لاستمرار عملها. ويؤدي أي تعطل في هذه المولدات إلى تهديد الخدمات المقدمة في أقسام الطوارئ والعناية المركزة والجراحة وغسيل الكلى وغيرها من الخدمات المنقذة للحياة.
وحذر مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة، مازن العرايشي، في 13 سبتمبر/أيلول 2026، من تفاقم أزمة نقص زيوت المولدات الكهربائية في المستشفيات، مؤكداً أن الأزمة تزيد صعوبة استمرار تشغيلها لتغطية الاحتياج اليومي من الكهرباء.
وقال العرايشي إن الكميات المحدودة من الزيوت التي سُمح بإدخالها خلال الفترة السابقة كانت بمثابة كميات إسعافية، ولا تلبي متطلبات التشغيل وإجراءات المتابعة الفنية. وأضاف أن عدداً من مولدات المستشفيات يحتاج بصورة عاجلة إلى تغيير الزيوت، محذراً من أن التأخير يعرضها لأعطال فنية وميكانيكية قد تؤدي إلى توقفها.
وحدد العرايشي الاحتياج الشهري لمولدات المستشفيات بنحو 2500 لتر من الزيوت، مشيراً إلى أن عدداً منها توقف بالفعل خلال الأيام السابقة لتصريحه بسبب عدم توافر الزيوت وقطع الغيار وكميات الوقود الكافية.
وأوضح أن المولدات المتبقية تعمل على مدار الساعة في ظروف فنية وميكانيكية صعبة، ولا تستطيع تغطية احتياجات جميع الأقسام الحيوية والمنقذة للحياة. وطالب المسؤول في وزارة الصحة الجهات المعنية والمنظمات الدولية بالتدخل العاجل لإدخال زيوت المولدات وقطع الغيار المطلوبة، بما يضمن استمرار تشغيلها ويحافظ على الخدمات الصحية المقدمة للمرضى.
الأمم المتحدة ترصد قيوداً تعطل الاستجابة الصحية
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقرير صدر في 21 سبتمبر/أيلول، بأن القيود المفروضة على دخول الإمدادات والمعدات الأساسية، إلى جانب نقص التمويل، تضع الاستجابة الصحية الهشة في غزة أمام خطر متزايد من التعطل.
وأوضح المكتب أن نقص زيوت المحركات والإطارات وقطع غيار المركبات المستخدمة من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، بما فيها سيارات الإسعاف، أدى إلى تعليق خدمات نقل الموظفين. ودفع ذلك وزارة الصحة وشركاءها إلى اعتماد آليات تشغيل طارئة اعتباراً من 16 سبتمبر/أيلول، تقوم على إعطاء الأولوية لخدمات الطوارئ وإنقاذ الحياة وتقليص أنشطة الرعاية الصحية الروتينية.
وفي محاولة لدعم استمرار الخدمات، خصص منسق الشؤون الإنسانية رامز الأكبروف في 17 سبتمبر/أيلول مليوني دولار من الصندوق الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة لدعم شركاء القطاع الصحي بالوقود.
منظمة الصحة تكشف تراجع قدرة المستشفيات
ووصف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية هذه التدخلات بأنها إجراءات مؤقتة تساعد على منع انقطاع إضافي للخدمات المنقذة للحياة، لكنها لا تقدم حلاً مستداماً لأزمة الطاقة واعتماد المرافق على المولدات المستهلكة للوقود. وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية حجم التراجع في القدرة التشغيلية للمنظومة الصحية.
وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال اجتماع وزاري بشأن الوصول الإنساني والصحة في غزة عقد في 24 سبتمبر/أيلول، إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في القطاع تعمل بصورة جزئية، ولا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته.
وأضاف غيبريسوس أن الأدوية الأساسية ووسائل التشخيص والمعدات والوقود تعاني نقصاً حرجاً، ما يحرم مرضى السرطان من تلقي العلاج ويعرقل حصول مرضى الكلى على جلسات غسيل منتظمة، ويزيد المخاطر التي تواجه الأمهات والأطفال حديثي الولادة بسبب افتقار المرافق إلى الأدوية والمعدات والكوادر المتخصصة.
وأشار إلى أن آلاف المصابين تعرضوا لبتر أطراف أو إصابات سترافقهم مدى الحياة، في وقت لم يحصل فيه سوى جزء محدود منهم على خدمات الأطراف الصناعية، بينما لا تزال قدرات التأهيل الطبي مقيدة بشدة. كما قال إن عشرات الآلاف يحتاجون إلى رعاية تخصصية غير متوافرة داخل القطاع. وبحسب منظمة الصحة العالمية، جرى إجلاء نحو 12 ألفاً و400 مريض طبياً من غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
منظمة الصحة تطالب بفتح مسارات الإمداد والإجلاء
ودعت المنظمة إلى إتاحة وصول سريع ومستدام ومن دون عوائق للمساعدات الإنسانية، والسماح بدخول المعدات والإمدادات الطبية، وإعادة تأهيل المرافق الصحية، واستعادة مسارات إحالة المرضى إلى القدس الشرقية والضفة الغربية، مع توسيع عمليات الإجلاء الطبي.
وأشارت المنظمة إلى أن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ما زالت من الجهات الرئيسية المقدمة لخدمات الصحة العامة في غزة، إذ يعمل لديها أكثر من ألف موظف يقدمون نحو 10 آلاف استشارة صحية يومياً. وحذرت من أن القيود التي تواجه الوكالة والمنظمات الإنسانية قد تقلص وصول الخدمات والأدوية والمساعدات المنقذة للحياة إلى سكان القطاع.
وتفاقم أزمة الإمدادات معاناة المرضى وذويهم، الذين يواجهون صعوبة في ضمان استمرار العلاج وسط تراجع قدرة المستشفيات على تشغيل الأقسام والأجهزة الطبية.
ويظل استمرار الرعاية مرتبطاً بتوفير تدفق منتظم للوقود والزيوت وقطع الغيار والأدوية والمستهلكات الطبية، بدلاً من الاعتماد على كميات إسعافية وتمويلات مؤقتة.