تفاقمت أزمة الرعاية الصحية في قطاع غزة مع النقص الحاد في الأطباء الاختصاصيين وتعطل أعداد متزايدة من الأجهزة الطبية، ما قلص قدرة المستشفيات على تشخيص الحالات المعقدة وإجراء العمليات الجراحية التي تحتاج إلى تخصصات وتجهيزات دقيقة.
تراجع أجهزة التشخيص ونقص مستلزمات المختبرات
وقالت وزارة الصحة في غزة إن عدد أجهزة التصوير والتشخيص المتاحة في القطاع تراجع من 635 إلى 240 جهازاً، في وقت تعمل فيه المستشفيات تحت ضغط متزايد بسبب الأعطال وصعوبة توفير الصيانة وقطع الغيار. وفي مستشفى أصدقاء المريض، خرجت حضانتان للأطفال من أصل 8 حضانات عن الخدمة، ما أضاف عبئاً جديداً على أقسام رعاية الأطفال وحدّ من الخيارات المتاحة أمام الأطباء للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى متابعة وتجهيزات متخصصة.
ولا تقتصر الأزمة على أجهزة التصوير، إذ تواجه المختبرات نقصاً واسعاً في المواد اللازمة للفحوص. وبلغ العجز في مواد الاختبارات المخبرية 87%، فيما وصل النقص في المستهلكات الأساسية المستخدمة في الفحوص المخبرية والتشخيصية إلى 74%، وفق بيانات صحية منشورة في 29 سبتمبر/أيلول 2026.
وتوقفت فحوص غازات الدم، الضرورية خصوصاً لمرضى القلب والعناية المركزة، كما تعطلت أجهزة التحليل الآلي للكيمياء السريرية التي تعتمد عليها المختبرات في أكثر من 60% من فحوصها. وشملت الأعطال أيضاً بعض معدات التعقيم والثلاجات المستخدمة لحفظ الدم والبلازما.
الأولوية للحالات الحرجة في ترتيب الفحوص
وقال باسم حسن، مدير قسم المختبر في مستشفى شهداء الأقصى، إن الفرق الطبية تضطر، في ظل محدودية الموارد، إلى ترتيب الفحوص بحسب خطورة الحالات، مع إعطاء الأولوية لمرضى الكلى والسرطان والقلب والمرضى الموجودين في أقسام العناية المركزة. وتحتاج الطواقم الطبية إلى نتائج المختبرات لتحديد جرعات الأدوية ومراقبة استجابة المرضى للعلاج واتخاذ قرارات عاجلة بشأن حالتهم.
ويؤدي غياب هذه النتائج أو تأخرها إلى تقليص المعلومات المتاحة للطبيب عند اختيار العلاج أو تقييم تطور المرض. وقال مروان العزايزة، رئيس قسم القلب في مستشفى شهداء الأقصى، إن الأطباء يلجؤون أحياناً إلى مختبرات خاصة عندما يستطيع المريض تحمل تكلفتها.
وأضاف أنهم يعتمدون في حالات أخرى على الفحص السريري وتخطيط القلب والمؤشرات المتاحة، رغم أن ذلك لا يمثل بديلاً كاملاً عن التحاليل اللازمة لتأكيد بعض التشخيصات أو استبعادها. وفي خدمات التصوير الطبي، لا تزال 5 أجهزة تصوير مقطعي فقط من أصل 18 جهازاً تعمل في قطاع غزة، وتعمل الأجهزة المتبقية بأكثر من قدرتها.
تعطل التصوير بالرنين وتقليص الفحوص العاجلة
كما توقفت خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي كلياً بعد تدمير 9 أجهزة كانت متاحة في القطاع. وقال مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية إن الطواقم اضطرت إلى حصر التحاليل المخبرية وصور الأشعة والفحوص المقطعية في الحالات الأكثر إلحاحاً.
وأوضح أن هذا الواقع يفرض على الأطباء الاختيار بين المرضى، وتحديد من يحتاج إلى الفحص فوراً ومن يمكن تأجيله، ما يبقي مرضى آخرين على قوائم الانتظار حتى عندما تكون الفحوص ضرورية لتشخيص حالاتهم أو متابعة علاجهم.
النقص يهدد علاج المرضى المزمنين والكوادر الطبية
ويمتد أثر النقص إلى أصحاب الأمراض المزمنة، إذ قال المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى خليل الدقران إن 350 ألف مريض بالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض مزمنة أخرى يواجهون نقصاً في الأدوية يهدد استمرارية علاجهم. وأضاف أن مرضى السرطان والقلب والكلى يحتاجون إلى علاج منتظم لا يحتمل التأجيل، بينما تعمل الطواقم بموارد شديدة المحدودية.
وكان وكيل وزارة الصحة ماهر شامية قد قال إن الحرب أخرجت 18 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة كلياً، بينما تعمل المرافق الأخرى بصورة جزئية. وأضاف أن الوزارة أحصت مقتل 1701 من العاملين في القطاع الصحي واعتقال 363، إلى جانب مغادرة نحو 700 طبيب، بينهم عدد كبير من أصحاب التخصصات النوعية.
وأدى تضرر المستشفيات والأجهزة وفقدان الكوادر المتخصصة إلى تضييق الخيارات أمام المؤسسات الصحية والأطباء، وتقليص فرص المرضى في الحصول على التشخيص والجراحة والعلاج في الوقت المناسب، وسط مطالبات بإدخال المعدات والمستلزمات وقطع الغيار اللازمة لاستمرار الخدمات الطبية.