استقبلت محافظة مأرب اليمنية خلال سبتمبر/أيلول 2026 نحو 412 أسرة تضم 2954 فردا، ضمن موجة نزوح جديدة دفعتها المعارك والتدهور الأمني في الساحل الغربي ومناطق مجاورة إلى البحث عن مأوى، في وقت تواجه فيه المحافظة ضغطا متزايدا على المخيمات والمساكن والخدمات الأساسية، مع تصدر الإيواء والغذاء قائمة الاحتياجات الأكثر إلحاحا للوافدين.
وفي أحد المنازل البدائية بمخيم القوز، تتقاسم خمس أسر نازحة غرفة واحدة داخل منزل صغير لا يتجاوز غرفتين وخيمة. ووصلت الأسر إلى مأرب بعد فرارها من التصعيد العسكري الأخير، لكنها لم تتمكن من استئجار مساكن مستقلة أو الإقامة في الفنادق بسبب ارتفاع التكاليف، فلجأت إلى أقارب ونازحين سبقوها إلى المحافظة.
ويعكس اكتظاظ المنزل جانبا من الضغوط التي تواجهها الأسر الجديدة، إذ لم تعد المساحة قادرة على استقبال مزيد من الأشخاص. وتحولت منازل بعض النازحين القدامى إلى ملاجئ مؤقتة لأقاربهم وأبناء مناطقهم، في ظل محدودية خيارات السكن.
وحالت اعتبارات الخصوصية والأعراف الاجتماعية دون تصوير الغرفة التي تتقاسمها الأسر، بينما بدت علامات الإرهاق والعوز على أفرادها عند عتبة المنزل. ومن بين الوافدين أحمد حسن إبراهيم خباه، وهو تربوي في الستينيات من عمره قدم من مديرية الدريهمي التابعة لمحافظة الحديدة.
ويقول خباه إن وصوله إلى مأرب جاء بعد خامس تجربة نزوح يمر بها في حياته، في حين كانت الرحلة الأخيرة رابع عملية نزوح لبقية أفراد أسرته، بعدما حولت الحرب حياته من العمل في التعليم إلى تنقل متكرر بحثا عن الأمان. ويروي خباه أن رحلته الأخيرة بدأت مع تصاعد القتال على الساحل الغربي، حيث غادر المنطقة مع أعداد كبيرة من المدنيين.
وبحسب شهادته، توقفت قافلة تضم آلاف النازحين في إحدى المناطق للاستراحة، قبل أن يسقط صاروخ باليستي وسط التجمع، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتفرق أفراد القافلة في المكان. ويضيف أن بعض الناجين عادوا للبحث عن المصابين، قبل أن تتعرض المنطقة نفسها لهجوم ثان بطائرة مسيرة.
وقال إنه شاهد جثثا محترقة وأشلاء، مقدرا عدد القتلى بأكثر من 100 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. غير أن هذا الرقم يستند إلى روايته، ولم يقدم وثيقة مستقلة تثبته، كما لم يخضع للتحقق المستقل.
تصاعد النزوح من الساحل الغربي
وتأتي هذه الشهادة ضمن موجة نزوح واسعة شهدتها مناطق الساحل الغربي خلال سبتمبر/أيلول، إثر المعارك والتدهور الأمني اللذين دفعا عشرات الآلاف من المدنيين إلى المغادرة. وأظهرت أحدث تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين التابعة للحكومة أن التصعيد العسكري منذ مطلع الشهر تسبب في نزوح 25 ألفا و116 أسرة، تضم 169 ألفا و74 فردا، إلى عشر محافظات.
وسجلت المنظمة الدولية للهجرة، من جانبها، نزوح 129 ألفا و438 شخصا، بما يعادل 21 ألفا و573 أسرة، إلى سبع محافظات منذ بداية موجة النزوح المرتبطة بالقتال في تعز والساحل الغربي وباب المندب وحتى 20 سبتمبر/أيلول.
وأظهرت بيانات المنظمة زيادة قدرها 2406 نازحين مقارنة بتحديثها السابق، كما أشارت إلى أن تعز تستضيف أكبر تجمع مسجل للنازحين في هذه الموجة. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ بداية الشهر مع اتساع رقعة القتال.
وحذرت المفوضية من احتمال اضطرار مزيد من السكان إلى النزوح خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار الظروف التي دفعت الأسر إلى ترك مناطقها والبحث عن أماكن أكثر أمنا. وفي مأرب، أظهر تقرير حديث للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أن المحافظة استقبلت خلال الموجة الجديدة 412 أسرة تضم 2954 فردا.
تعز والحديدة تتصدران مصادر الوافدين
وجاء معظم الوافدين من محافظتي تعز والحديدة، اللتين شكلتا معا نحو 89% من الأسر الجديدة المسجلة، وهو ما يبرز الصلة المباشرة بين حركة النزوح والتصعيد في الساحل الغربي والمناطق المحيطة به. وسجل التقرير وصول 255 أسرة من محافظة تعز، بما يمثل 61.9% من إجمالي الأسر الوافدة إلى مأرب. وقدمت غالبية هذه الأسر من مديريات مقبنة والوازعية وموزع والمخا وحيفان.
كما وصلت 110 أسر من محافظة الحديدة، بنسبة 26.7%، وجاء معظمها من مديريات حيس والخوخة والجراحي، إضافة إلى مدينة الحديدة. أما محافظة الجوف، فجاء منها 47 أسرة، بما يعادل 11.4% من الوافدين، وكان معظم القادمين من مديرية خب والشعف.
وتوزعت الأسر الجديدة داخل مأرب على ثلاث مناطق رئيسية، إذ استقبلت مدينة مأرب، عاصمة المحافظة، 285 أسرة تمثل 69.17% من الإجمالي، بينما وصلت 105 أسر إلى مأرب الوادي بنسبة 25.49%. واستقبلت مديرية حريب 22 أسرة أخرى، بنسبة 5.34% من الوافدين. لكن وصول الأسر إلى المدينة أو المديريات الأخرى لم يعن حصولها على مساكن مستقلة، إذ لجأ بعض النازحين إلى أقارب ومعارف سبق لهم النزوح.
وأدى ذلك إلى اكتظاظ المنازل، وتحمل أسر نازحة منذ سنوات مسؤولية استضافة أشخاص فروا حديثا من المناطق نفسها. ومن بين هؤلاء عبد الله حسن إبراهيم، وهو نازح سابق فتح منزله الصغير، المكون من غرفتين وخيمة، أمام إخوانه الوافدين الجدد بعد عجزهم عن دفع تكاليف الفنادق.
وقال عبد الله: «استقبلناهم بترحيب وأهلا وسهلا بهم بعد أن تعذر عليهم تحمل تكاليف الفنادق الرهيبة. قمنا بواجبنا الإنساني البسيط بتوفير مياه الشرب واقتسام ما لدينا». ويرى عبد الله أن هذه الاستضافة لا تعالج المشكلة الأساسية، لأن الأسر الوافدة ما زالت بحاجة إلى مأوى مستقل يجمع أفرادها ويوفر لهم الحد الأدنى من الخصوصية والاستقرار.
وطالب الوحدة التنفيذية ومسؤولي السلطة المحلية والمنظمات الإنسانية بسرعة التدخل لمعالجة أوضاع الأسر قبل تفاقم احتياجاتها، بعدما وجد النازح القديم نفسه مضيفا لنازحين جدد بدلا من أن يكون طالبا للمأوى وحده. ويكشف توزيع الوافدين بحسب العمر والجنس عن طابع عائلي واضح للموجة الجديدة.
الأطفال والنساء غالبية الوافدين الجدد
وتضيف هذه التركيبة مزيدا من الضغط على الاستجابة الإنسانية، خصوصا أن كثيرا من الأسر تعتمد على المساعدات أو على الاستضافة لدى أقارب يواجهون بدورهم ظروفا معيشية صعبة وإمكانات محدودة. وتستقبل مأرب موجات متتابعة من النازحين منذ اندلاع الصراع في اليمن قبل 12 عاما، رغم أنها تعد إحدى الجبهات الساخنة بين القوات الحكومية والحوثيين.
وتقول السلطات الحكومية إن المحافظة تضم أكبر تجمع للنازحين داخليا، بينما تشير بيانات الوحدة التنفيذية إلى أنها استضافت بصورة تراكمية مليونين و217 ألفا و152 نازحا بين عام 2014 وسبتمبر/أيلول 2026.
ورغم أن هذا العدد تراكمي ويغطي سنوات الصراع، فإن وصول مئات الأسر الجديدة يضيف أعباء إلى منظومة الإيواء والخدمات المثقلة بتداعيات النزوح الطويل. وتظهر هذه الضغوط داخل المخيمات، حيث تتزامن الحاجة إلى استقبال وافدين جدد مع تراجع الدعم الذي تعتمد عليه أسر نزحت في مراحل سابقة وما زالت عاجزة عن تأمين احتياجاتها بصورة مستقلة.
تراجع المساعدات يفاقم ضغوط المخيمات
وفي مخيم الجفينة السفلى، وهو أحد أكبر تجمعات النازحين في مأرب، تحدث عابد صديق وزوجته، وهما من القادمين من محافظة الحديدة، عن صعوبة الأوضاع التي تعيشها الأسر. ووصف الزوجان الوضع بأنه «سيئ للغاية»، وقالا إن كل أسرة تكافح ظروفها بمفردها، في ظل الضغوط المتراكمة على المقيمين في المخيم.
وبحسب إفادتهما، تراجعت بصورة كبيرة المساعدات الإنسانية التي كانت تصل إليهما في السابق، بما في ذلك الدعم الذي كان يساعدهما في المستشفيات والمرافق الخدمية. وقالا إن تلك المساعدات اختفت تقريبا خلال الأيام الأخيرة، مما وضع النازحين بين ضغوط تكاليف المعيشة من جهة، وانحسار المساندة الإغاثية من جهة أخرى.
ويضع تقرير الوحدة التنفيذية المأوى والمواد غير الغذائية في صدارة الاحتياجات الحرجة للوافدين الجدد. وتشمل الأولويات توفير الخيام ومستلزمات الإيواء الطارئة، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش من خلال السلال الغذائية والتدخلات التغذوية العاجلة، بما يستجيب للأوضاع المباشرة للأسر التي وصلت من دون مساكن أو موارد كافية.
وتأتي خدمات المياه والإصحاح البيئي والحماية ضمن الاحتياجات ذات الأولوية المرتفعة، بينما يصنف التقرير الصحة والتعليم وحقائب الاستجابة السريعة والمساعدات النقدية باعتبارها احتياجات متوسطة.
وتزداد أهمية هذه المتطلبات مع وصول أسر لا تجد مكانا مستقلا، واضطرار نازحين سابقين إلى اقتسام مساكنهم ومواردهم المحدودة معها، في حين تظل الخيام والمساكن المؤقتة من الخيارات المتاحة لكثيرين. وبالنسبة إلى أحمد حسن خباه، لم تكن مأرب المحطة الأولى في رحلة النزوح التي تكررت خمس مرات، فيما بدأت أسرته أربع رحلات مماثلة.
وفي منزل مخيم القوز الذي تتقاسم فيه خمس عائلات غرفة واحدة، ما زالت الأسر تنتظر مأوى يحفظ خصوصيتها، بينما يمثل وصولها إلى المحافظة مرحلة جديدة من البحث عن مكان آمن وحياة قابلة للاستمرار.