تخطط السعودية لعملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، تدرس في إطارها التقدم على الساحل لاستعادة السيطرة على محيط باب المندب وتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر، أو شن هجوم أوسع ومتزامن على عدة جبهات، وفق ستة أشخاص مطلعين على التحضيرات، بينهم مسؤولون خليجيون ويمنيون ودبلوماسيون غربيون.
ومن المتوقع أن تقود قوات يمنية على الأرض العملية التي تشرف عليها الرياض، مع إسناد من هجمات جوية سعودية. ورجحت المصادر بدء التحرك خلال الأسابيع المقبلة، لكنها قدمت تقديرات متفاوتة للموعد، تراوحت بين إطلاقه خلال أسبوع وتأجيله إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في أوائل نوفمبر.
خيارا العملية ومحيط باب المندب
وقال المسؤولون إن الرياض تبحث خياراً يركز على المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، وخياراً ثانياً يقوم على تنفيذ هجوم أوسع، بالتزامن مع عمليات على جبهات في محافظات البيضاء ومأرب وتعز والجوف. وقد يُحشد أكثر من 100 ألف جندي يمني، تبعاً لنطاق العملية التي سيجري اعتمادها.
ويستهدف التحرك المحتمل عكس المكاسب السريعة التي حققها الحوثيون في سبتمبر، عندما تقدموا على امتداد الساحل وسيطروا على مدينة المخا وعدد من جزر البحر الأحمر، ووسعوا وجودهم نحو باب المندب. ويمثل المضيق المخرج الجنوبي للبحر الأحمر وطريقاً رئيسياً للتجارة بين البحر المتوسط وآسيا، كما ازدادت أهميته مع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب الصراع مع إيران.
وبحسب دبلوماسيين غربيين ومسؤول خليجي، خلصت الرياض إلى صعوبة بدء مفاوضات سلام يمنية جديدة مع الحوثيين ما داموا يسيطرون على باب المندب، إذ يمنحهم ذلك نفوذاً يتجاوز حدود الصراع داخل اليمن ويؤثر في حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
الدعم الدولي وحماية المنشآت السعودية
وتقدم الولايات المتحدة مستشارين عسكريين ومعلومات استخباراتية، من بينها بيانات مرتبطة بتحديد الأهداف، لدعم العمليات الجوية السعودية في اليمن، وفق دبلوماسي غربي. غير أن واشنطن لا تتجه إلى المشاركة المباشرة في القتال، بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبات من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتقديم دعم عسكري مباشر يشمل تنفيذ ضربات جوية.
وتقدم دول إقليمية وأوروبية مساعدات تتركز على حماية السعودية ومنشآتها، من دون توقع مشاركتها مباشرة في العمليات القتالية داخل اليمن. كما زودت تركيا وباكستان الرياض بمعدات عسكرية تستخدم في اليمن، بعد توقيع الدول الثلاث اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس.
وقال مسؤول حكومي باكستاني إن إسلام آباد أرسلت خلال سبتمبر أربع طائرات شحن إلى عدن، مقر الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، محملة بأنظمة دفاع جوي ومدفعية خفيفة وطائرات مسيرة وأنظمة لمكافحة الطائرات المسيرة. ويعمل مستشارون عسكريون باكستانيون مع نظرائهم السعوديين لدعم القوات اليمنية، كما نُشرت فوق اليمن طائرات مسيرة تركية كانت الرياض قد اشترتها قبل الصراع الحالي.
ونشرت باكستان ما بين 30 ألفاً و40 ألف جندي داخل السعودية للمساعدة في حماية الحدود البرية واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وفق مسؤول باكستاني قال إن القوات وصلت على دفعات منذ العام الماضي، إضافة إلى تعزيزات أعقبت التصعيد الأخير. وأكد أن إسلام آباد لم تتخذ قراراً بإرسال قوات إلى اليمن للمشاركة في القتال.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف في 29 سبتمبر إن بلاده ستستخدم ما لديها من وسائل للدفاع عن السعودية بموجب اتفاق الدفاع المشترك مع الرياض وأنقرة، من دون أن يؤكد مشاركة قوات باكستانية في ضربات داخل اليمن. وأضاف أن القدرات العسكرية الباكستانية ستكون متاحة للسعودية في إطار الاتفاق، وأن أي عدو للمملكة هو عدو لباكستان.
وطلبت الرياض من عدد من حلفائها المساعدة في توفير أنظمة دفاعية لحماية منشآتها النفطية وغيرها من البنى التحتية من هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة. وأعلنت فرنسا إرسال قوات وأنظمة دفاعية إلى السعودية للمساهمة في حماية مدينة ينبع الساحلية على البحر الأحمر.
انقسامات القوات اليمنية وتحديات الهجوم
وتعتمد أي عملية برية داخل اليمن على تحالف من الفصائل اليمنية التي سبق أن سلحتها ودربتها السعودية والإمارات خلال مراحل سابقة من الحرب. إلا أن تلك القوات تعاني انقسامات تعمقت خلال الشتاء الماضي، عندما حاول مقاتلون جنوبيون مدعومون من الإمارات السيطرة على أراض في شرق اليمن وإعلان خطط للانفصال، قبل أن تهزمهم قوات مدعومة من السعودية بعد سلسلة مواجهات.
وقال المحلل اليمني محمد الباشا إن كثيراً من القوات المناهضة للحوثيين لا تزال غير منظمة أو مستعدة لخوض هجوم طويل يلزم لدفع قوة حوثية منضبطة إلى التراجع، مشيراً إلى أن هذه القوات تتعرض للاختبار مع ممارسة الحوثيين ضغطاً على عدة جبهات في وقت واحد.
من جانبه، قال المحلل السياسي السعودي علي الشهابي، المقرب من دوائر صنع القرار، إن الأولوية انصبت حتى الآن على الدفاع عن المواقع القائمة وتثبيت خطوط المواجهة، لكنه توقع انتقال القوات إلى الهجوم. وأضاف أن نجاح العملية سيعتمد بدرجة كبيرة على مستوى أداء القوات المحلية على الأرض.
حصيلة التصعيد والتحركات الأممية
وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ إنه أجرى محادثات في مسقط مع كبير مفاوضي الحوثيين محمد عبد السلام، في محاولة لمنع اتساع التصعيد، كما التقى في الرياض ممثلين عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وقوى إقليمية. ودعا إلى فصل حرب اليمن عن الصراعات الأخرى في المنطقة والعمل على تسوية يحددها اليمنيون عبر المفاوضات.
ودخلت السعودية الحرب اليمنية عام 2015 على رأس تحالف عربي لدعم الحكومة المعترف بها دولياً، بعدما سيطر الحوثيون على صنعاء.
وصمدت إلى حد كبير هدنة جرى التوصل إليها عام 2022، قبل أن يتجدد التصعيد هذا العام مع هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت سفناً ومنشآت نفطية سعودية.