تشهد إيران تصاعداً في تنفيذ أحكام الإعدام والاعتقالات ذات الخلفيات السياسية والأمنية والعقائدية، وفق تقارير حقوقية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية وتراجع قيمة الريال وتداعيات الحرب والضغوط الخارجية.
وتتركز أحدث حملات الاعتقال المعلنة في الأهواز وقرية عبودة، حيث قالت منظمة حقوقية إن القوات الأمنية أوقفت خلال الأيام الأخيرة ما لا يقل عن 18 مواطناً عربياً من أتباع المذهب السني. وتشير تقارير حقوقية وأممية إلى تنفيذ عشرات الإعدامات بحق متهمين على خلفية الاحتجاجات، في حين لا يزال آخرون يواجهون أحكاماً بالإعدام.
وتتزامن هذه التطورات مع تشديد الإجراءات الأمنية في مناطق عدة، من بينها الأهواز وكردستان وبلوشستان، وسط مخاوف من عودة الاحتجاجات واتساع نطاقها في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الأهواز، المعروفة رسمياً باسم خوزستان، ترافقت الإعدامات مع اعتقالات طالت مواطنين عرباً من أهل السنة، ما أضفى على الحملة، وفق التقارير الحقوقية، أبعاداً قومية ودينية إلى جانب خلفيتها الأمنية. وأفادت تلك التقارير باعتقال عشرات الأشخاص خلال الأشهر الأخيرة، قبل الإعلان عن توقيف 18 شخصاً على الأقل في أحدث حملة.
وقال المحلل في الشأن الإيراني عارف نصر إن الإعدامات التي تنفذها السلطات تمثل رسالة ردع، معتبراً أن الاعتقالات الاستباقية والواسعة التي طالت عرباً من أهل السنة في الأهواز تهدف إلى منع تشكل بؤر احتجاج جديدة بسبب ما وصفه بالاحتقان السياسي والديني والاقتصادي في المنطقة.
وأضاف نصر أن ما يجري في إيران يمكن قراءته بوصفه سياسة أمنية مزدوجة، تقوم على استخدام الإعدام لردع الشارع، والاعتقال لمنع الاحتجاج قبل تحوله إلى حركة واسعة. ويأتي هذا التحليل في سياق تصاعد الاستياء الاجتماعي والسياسي الذي تتحدث عنه منظمات حقوقية، إلى جانب استمرار تراجع الأوضاع الاقتصادية.
تقرير حقوقي يوثق ارتفاع أحكام الإعدام
وفي أحدث تقرير لمنظمة حقوق الإنسان في إيران، قالت المنظمة إن السلطات الإيرانية نفذت خلال عام 2026 ما لا يقل عن 2657 حكماً بالإعدام داخل السجون الإيرانية. ووفق أرقامها، يمثل هذا العدد أكثر من ضعف الإعدامات المعلنة خلال العام السابق، التي بلغت 1159 حالة.
وأوضحت المنظمة أن مراجعتها لإحصاءات أحكام الإعدام المنفذة خلال عام 1404 الشمسي الإيراني، الذي أوردته بوصفه عام 2026، تظهر تسجيل واحد من أعلى معدلات الإعدام خلال العقود الثلاثة الماضية. وأشارت إلى أن العدد المعلن ارتفع بأكثر من الضعف مقارنة بالعام السابق. وربط التقرير هذا الارتفاع بزيادة حالات إعدام النساء والسجناء السياسيين ومن وصفتهم المنظمة بـ«الأطفال الجانحين».
كما رجحت المنظمة أن يكون العدد الفعلي أعلى من الحصيلة المعلنة، مشيرة إلى احتمال تنفيذ بعض أحكام الإعدام بصورة سرية، وهو ما اعتبرته مؤشراً إضافياً على تصاعد استخدام العقوبة خلال العام.
وقالت المنظمة إن تنفيذ أحكام الإعدام بحق سجناء سياسيين يمكن، وفق تحليلها، فهمه ضمن ما وصفته بـ«سياسة القمع وخلق أجواء من الرعب والخوف» في المجتمع. وأضافت أنه مع اتساع حالة الاستياء الاجتماعي والسياسي، قد يُنظر إلى إصدار هذه الأحكام وتنفيذها على أنه رسالة تحذيرية إلى المجتمع، ولا سيما الأشخاص الذين قد يشاركون في احتجاجات محتملة.
اعتقالات تطال مواطنين عرباً في الأهواز
وبالتوازي مع ذلك، أفادت منظمة كارون لحقوق الإنسان بأن القوات الأمنية الإيرانية اعتقلت خلال الأيام الأخيرة ما لا يقل عن 18 مواطناً عربياً من أتباع المذهب السني، في مناطق داخل مدينة الأهواز وفي قرية عبودة الواقعة على الطريق بين الحميدية والأهواز. وقالت إن عدداً من المعتقلين ارتبط، بحسب توصيفها، بأنشطة أو توجهات دينية.
ووفق تقرير المنظمة، داهمت قوات تابعة لمنظمة استخبارات الحرس الثوري قرية عبودة يوم الخميس الماضي، واعتقلت ما لا يقل عن 10 مواطنين عرب، ثم نقلتهم إلى مكان لم تحدده السلطات. وأضافت أن المعتقلين كانوا موجودين بصفتهم ضيوفاً في منزل أحد أصدقائهم عندما تعرض المنزل للمداهمة.
وحددت المنظمة هويات تسعة من الموقوفين في قرية عبودة، وهم مصطفى جلداوي، وكمال بتراني، ولقمان بتراني، وهادي بيت شيخ أحمد المعروف باسم «أبوكمال»، ورضا سواري، وخالد غرباوي، وجعفر چلداوي، وإبراهيم حمداني، وعلي چلداوي. وأضافت أن هوية معتقل عاشر لا تزال قيد التحقق.
وبحسب المنظمة، فإن جميع الأشخاص الذين جرى التعرف إلى هوياتهم متزوجون ويعيلون أسرهم. كما قالت إن مصير عدد من المعتقلين ومكان احتجازهم لا يزالان غير معروفين، رغم مرور عدة أيام على توقيفهم. وفي مدينة الأهواز، قالت منظمة كارون إن مجيد شريفي، المعروف أيضاً باسم مجيد سواري، والبالغ 44 عاماً، لا يزال محتجزاً في مركز تابع لدائرة الاستخبارات.
وأوضحت أنه سبق أن تعرض للاعتقال والسجن على خلفية ما وصفته بأنشطة عقائدية مرتبطة بانتمائه إلى المذهب السني. وأضافت المنظمة أن شريفي يعاني قصوراً كلوياً، ما أثار مخاوف أسرته وأقاربه بشأن وضعه الصحي خلال الاحتجاز. ونقلت عن مصادر مقربة من عائلته مخاوف من احتمال تعرضه لسوء معاملة أو لضغوط أثناء احتجازه.
وذكرت المنظمة أن عدداً من المعتقلين في القضية نفسها نُقلوا إلى قسم الحجر الصحي في سجن شيبان بمدينة الأهواز. ومن بين هؤلاء أركان شريفي، نجل مجيد شريفي، والبالغ من العمر 17 عاماً. وفي واقعة أخرى ضمن الحملة نفسها، أفاد التقرير بأن قوات دائرة الاستخبارات داهمت موقعاً مرتبطاً بأحد النشطاء في حي مشعلي بمدينة الأهواز، واعتقلت ثمانية مواطنين عرب.
وحددت المنظمة أسماءهم وهم راضي حيدري، البالغ 50 عاماً، وحسين حيدري، 29 عاماً، وعبدالهادي عساكرة، 30 عاماً، ومجيد شريفي، 44 عاماً، وأركان شريفي، 17 عاماً، ولفتة حيدري، 36 عاماً، وحمزة صيّاحي، 34 عاماً، ومحمد سواري.
وقالت منظمة كارون، استناداً إلى المعلومات التي تلقتها، إن القوات الأمنية دخلت منازل المعتقلين من دون تقديم مذكرة قضائية. وأضافت أن عناصر الأمن فتشوا المنازل وصادروا الهواتف المحمولة خلال عمليات الاعتقال. وأعربت المنظمة عن قلقها بشأن الأوضاع القانونية والصحية للموقوفين، ولا سيما المرضى منهم، ومعيلي الأسر، والمعتقل البالغ 17 عاماً.
منظمة حقوقية تطالب بكشف مصير المعتقلين
وطالبت السلطات بالكشف الفوري عن أماكن احتجاز جميع المعتقلين، وتمكينهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، وتوفير الرعاية الطبية والأدوية اللازمة للمرضى، واحترام حقوقهم القانونية والإنسانية.