جمع معرض في دار الثقافة ابن رشيق، وسط العاصمة تونس، لوحات ومنحوتات وقطعاً فنية أنجزها مدمنون ومتعافون خلال مشاركتهم في تجربة توظف الفن في المراحل اللاحقة من علاج الإدمان. وتتيح المبادرة للمشاركين التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم، واكتشاف قدرات لم يكونوا يدركون امتلاكها، بما يدعم استعادة ثقتهم بأنفسهم ومواصلة رحلة التعافي.
ولا ينتمي أصحاب الأعمال المعروضة بالضرورة إلى أوساط الدراسة الفنية أو الاحتراف، بل دخلوا إلى الرسم والنحت وغيرهما من الفنون عبر مسار علاجي. وتحمل القطع التي قدموها جانباً من تجارب شخصية بدأت مع الإدمان، ثم انتقلت إلى محاولات التعافي وإعادة اكتشاف الذات والقدرة على إنتاج عمل ذي قيمة.
عبد الباسط التواتي يقود العلاج بالفن
يقود التجربة الطبيب والفنان التشكيلي عبد الباسط التواتي، المختص في علاج الإدمان، الذي قال إن المبادرة انطلقت قبل سنوات من قناعة بأن الإدمان ظاهرة منتشرة وخطيرة ومعقدة، ولا يمكن التعامل معها من خلال مرحلة علاجية واحدة.
وأوضح أن التعافي يحتاج إلى مسار متعدد المراحل، يبدأ بالرعاية الطبية قبل الانتقال إلى وسائل أخرى تساعد المريض على إعادة بناء علاقته بنفسه. وبحسب التواتي، تظل المرحلة الطبية ضرورية في بداية العلاج، فيما يأتي دور الفن لاحقاً ليمنح المريض مساحة للتعرف على ذاته واكتشاف جوانب جديدة من شخصيته.
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من المشاركين كانوا يؤكدون في البداية أنهم لا يستطيعون الرسم، لكنهم فوجئوا في نهاية الورشات بقدرتهم على إنجاز أعمال فنية وصفها بالجيدة. ولا تقتصر التجربة على الرسم، إذ تتضمن ورشات في النحت والفسيفساء والخزف والكتابة، إلى جانب مجالات فنية أخرى.
ويعمل الفريق المشرف مع كل مشارك في المجال الذي يشعر بأنه الأقرب إليه، بدلاً من فرض نشاط موحد على الجميع، بما يسمح لكل شخص بالعثور على وسيلة مناسبة للتعبير عن تجربته ومشاعره. تجري المبادرة في سياق تونسي تتداخل فيه المقاربتان الأمنية والقضائية مع الحاجة إلى العلاج وإعادة التأهيل.
ارتفاع قضايا المخدرات يوسع الحاجة للتأهيل
ففي سبتمبر/أيلول 2026، أعلن رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني أن عدد قضايا المخدرات ارتفع من أكثر من 5 آلاف قضية في عام 2020 إلى أكثر من 15 ألف قضية خلال عام 2025. وخلال الفترة نفسها، ارتفع عدد الموقوفين من مروجي المخدرات ومهربيها ومستهلكيها من نحو 10 آلاف شخص إلى أكثر من 27 ألفاً، وفق الأرقام التي أعلنها المسؤول الأمني.
وتعكس هذه البيانات اتساع نطاق القضايا المرتبطة بالمخدرات، بالتوازي مع النقاش القائم حول التوازن بين إنفاذ القانون وتوفير مسارات العلاج والوقاية وإعادة دمج المتعافين. وتقول وزارة الداخلية التونسية إن مكافحة المخدرات تتطلب العمل عبر مسارين متوازيين.
يقوم المسار الأول على التصدي للعرض من خلال أجهزة الأمن وإنفاذ القانون وحماية الحدود، بينما يركز المسار الثاني على خفض الطلب بواسطة التوعية والوقاية، وبمشاركة الأسرة والمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. ويتزامن ذلك مع استمرار النقاش بشأن القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات.
مجلس النواب يبحث تنقيح قانون المخدرات
وخلال مايو/أيار 2026، عقدت لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب جلسات استماع إلى خبراء في القانون الجنائي وممثلات عن الجمعية التونسية لطب الإدمان، وذلك في إطار بحث مقترح لتنقيح القانون. وتناولت المناقشات مقترحات مرتبطة بالعقوبات وظروف التخفيف وتعريف بعض الجرائم، إضافة إلى مسائل الاستهلاك والعلاج والاحتفاظ.
ومن بين هؤلاء، يوجد 8269 شخصاً في قضايا تتعلق بالاتجار والترويج وتكوين العصابات، وهي أرقام تبرز حجم العبء الذي تمثله هذه القضايا على المؤسستين القضائية والسجنية. في مقابل التركيز الأمني والقانوني، تتعامل مبادرة العلاج بالفن مع ما يواجهه المدمن بعد بدء التعافي، وخصوصاً الحاجة إلى استعادة الثقة بالنفس والاستمرار في الحياة بعيداً عن التعاطي.
الفن يساعد المتعافين على استعادة الثقة
وقال التواتي إن المدمن يعاني عموماً من «جرح داخلي»، معتبراً أن الورشات الفنية تساعد على ترميم هذا الجرح تدريجياً، وتمنح المتعافي فرصة للنظر إلى نفسه بصورة مختلفة. ويرى التواتي أن الخوف من الانتكاسة يظل التحدي الأكبر، لأن رحلة العلاج لا تنتهي بمجرد توقف الشخص عن التعاطي.
وأضاف أن الاستمرار هو الجزء الأصعب في المسار، موضحاً أنه «بعد 6 أشهر يمكن أن نقول إننا تجاوزنا مرحلة الخطر من إمكانية حدوث انتكاسة في العلاج». وتروي وداد، وهي مدمنة متعافية شاركت في التجربة، أن طريق العلاج «يحيي الروح».
وقالت إن المدمن قبل العلاج «لا يعرف نفسه، يرى أنه غريب عن نفسه، لم يستكشف ذاته ولا يعرف ماذا يستطيع أن يفعل أو حدود إمكانياته»، مشيرة إلى أن الورشات أتاحت لها اكتشاف جانب لم تكن تعرفه في شخصيتها.
وبعد مشاركتها في العلاج بالفن، بدأت وداد تنظر إلى نفسها بوصفها قادرة على الإبداع، وقالت: «بعد العلاج أحسست أنني فنانة، من لا شيء بإمكاني صناعة شيء ذي قيمة». وأضافت أن التجربة أعادت إليها حب الحياة والشغف، بعدما مرت بفترة شعرت خلالها بأنها ظلمت ابنها، قبل أن تستعيد، وفق تعبيرها، «إحساس الأمومة».
أما متعافية اختارت لنفسها الاسم المستعار «إيمان»، وفضلت إخفاء ملامحها أثناء رواية تجربتها، فقالت إن دخولها إلى عالم الإدمان بدأ بعد تناول دواء بسبب ألم في أحد أضراسها، قبل أن يتطور الأمر تدريجياً إلى إدمان. وأضافت أنها وصلت في إحدى مراحل معاناتها إلى التفكير في الانتحار، وأن اليأس تسلل إليها بعدما عجز الأطباء، بحسب روايتها، عن علاجها.
وقالت إيمان إنها لم تكن تعرف أنها تمتلك موهبة فنية قبل بدء العلاج مع عبد الباسط التواتي، ثم اكتشفت لاحقاً قدرتها على الرسم وإنجاز أعمال فنية. ووصفت التحول الذي عاشته بقولها: «استعدت الثقة في نفسي»، معتبرة أن اكتشاف قدرتها على إنتاج أعمال فنية كان جزءاً أساسياً من التغير الذي شهدته خلال رحلة العلاج.
من جهتها، قالت أستاذة الفنون الدرامية في جامعة قرطاج، الدكتورة أنديرا راضي، إن المعرض يضم إنتاجاً فنياً وصفته بالمبهر والمبدع، أنجزه أفراد قد تكون تجاربهم وقدراتهم مغيبة عن الأنظار. ولفتت إلى أن بعض المشاركين ربما كانوا قد فقدوا الأمل في التعافي، لكنهم تمكنوا في نهاية التجربة من تقديم أعمال فنية بهذه الروعة.
وترى راضي أن المبادرة تمثل تجربة رائدة في مجال العلاج بالفن في تونس والعالم العربي. وبينما يشدد القائمون عليها على أن الفن لا يحل محل العلاج الطبي الضروري في البداية، تقدم الأعمال المعروضة نموذجاً لدوره في المراحل التالية، سواء في مساعدة المتعافين على اكتشاف ذواتهم أو دعمهم في مواصلة حياتهم بعيداً عن الانتكاسة.