يضع مسلسل «ما لم يُحكَ عن بني مزار» جريمة حقيقية لم تُحسم هوية مرتكبها في قالب درامي من 3 حلقات، لكنه يواجه إشكالية تتجاوز مستوى الأداء والإخراج إلى الحدود الفاصلة بين الوقائع الموثقة والخيال الذي يحتاج إليه الكاتب لبناء حكاية مكتملة.
مسلسل «القصة الكاملة» يعيد صياغة القضية
فالعمل يستخدم أسماء وأماكن حقيقية، ثم يضيف شخصيات وتفسيرات قد يصعب على بعض المشاهدين فصلها عن القضية الأصلية. الحكاية هي الثانية ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، وتُعرض على منصة «شاهد» بتصنيف عمري +18.
تولى هاني سرحان معالجتها درامياً، بينما أخرجها أحمد نادر جلال، في إطار موجة متنامية من الأعمال المستوحاة من الجرائم الحقيقية، والتي تستفيد من اهتمام الجمهور بالقضايا الراسخة في الذاكرة وقدرة المنصات على تحويل الملفات الجنائية إلى أعمال قصيرة ومكثفة.
غير أن إدخال الخيال إلى هذا النوع من الدراما لا يظل مجرد خيار فني، بل يطرح أسئلة تتعلق بالأشخاص الذين عاشوا الواقعة وبحقهم في ألا تتحول ذكرياتهم وآلامهم إلى مادة ترفيهية. وتتضاعف حساسية المسألة عندما تكون القضية الأصلية نفسها بلا إجابة نهائية، بما يترك مساحة واسعة أمام السيناريو لإضافة احتمالات وشخصيات لا تنتمي بالضرورة إلى الملف القضائي.
مقتل عشرة أشخاص أبقى هوية القاتل مجهولة
تعود الواقعة التي يستند إليها العمل إلى عام 2005، عندما عثر أهالي عزبة شمس الدين، التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا، على 10 أشخاص مقتولين بالطريقة الدقيقة والوحشية نفسها داخل 3 منازل متجاورة. وبعد أيام، وُجه الاتهام إلى محمد علي عبد اللطيف، الذي اعترف بارتكاب الواقعة، قبل أن يصبح اعترافه موضع طعن أمام المحكمة.
وفي عام 2006، قضت المحكمة ببراءة محمد علي عبد اللطيف، لتبقى القضية من دون إجابة حاسمة عن هوية القاتل. وتمنح هذه الوقائع صانع الدراما جريمة معقدة وغنية بالتفاصيل، لكنها لا توفر له نهاية مؤكدة يستطيع أن يبني عليها مسار الحكاية أو يقدم من خلالها حلاً واضحاً للغموض.
المحقق أكرم يقود البحث بين الروايات المتضاربة
يحاول السيناريو التعامل مع هذا الفراغ بوضع المحقق أكرم، الذي يؤدي دوره أحمد عبد الوهاب، في مركز الأحداث. ومنذ البداية، لا يقتنع أكرم بالرواية المتداولة عن الجريمة، كما يشك في قدرة شخص واحد على تنفيذ عمليات القتل وحده. وبذلك تتحول شكوكه إلى المحرك الرئيسي للتحقيق وإلى المدخل الذي تعبر منه الاحتمالات المختلفة إلى الحبكة.
ومع تقدم التحقيق، تتوزع التفسيرات بين المسار الجنائي وبين الروايات التي انتشرت عن القضية، وتشمل السحر والجنون والبحث عن الذهب المدفون. إلا أن السيناريو يتعامل مع عدد من هذه الروايات بوصفها عناصر أساسية في الأحداث، من دون أن يرسم دائماً فاصلاً واضحاً بين الوقائع والشائعات وما أضافته المعالجة الدرامية لخدمة الحبكة.
تتجسد أبرز الإضافات في شخصية رئيفة، التي تؤديها عارفة عبد الرسول. تظهر رئيفة كامرأة ذات حضور روحاني، وترتبط أحلامها بما يجري في القرية، ثم تتحول إلى وسيلة لنقل المعلومات إلى الشرطة وحلقة وصل بين الروايات المتداولة لدى السكان وبين ما يحاول المحقق أكرم الوصول إليه.
تؤدي الشخصية وظيفة مفهومة داخل البناء الدرامي، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً بشأن مقدار ما يمكن إضافته إلى قضية حقيقية من دون إرباك صورة ما حدث. ويزداد هذا الالتباس مع احتفاظ المسلسل بأسماء الأماكن الحقيقية واستناده إلى جريمة موثقة، لأن ذلك قد يدفع المشاهد إلى التعامل مع الشخصيات والتفسيرات المبتكرة كما لو كانت جزءاً من القضية الأصلية.
أداء الشخصيات يحد من توتر التحقيق الدرامي
على مستوى الأداء، يحاول ميشيل ميلاد منح شخصية معتصم حضوراً يتجاوز وظيفتها المباشرة داخل الأحداث. ويُقدَّم معتصم باعتباره مجذوب القرية الذي يعاني خللاً نفسياً أكثر منه عقلياً. كما يظهر اجتهاد في أداء مراد مكرم، في حين يبدو أحمد عبد الحميد أكثر اتزاناً خلال المشاهد الهادئة.
أما أحمد عبد الوهاب، فتتداخل مشكلته في تجسيد أكرم مع طريقة كتابة الشخصية. فالمحقق يفترض أن يكون مركز التوتر في الحكاية، لكونه يواجه جريمة غير مألوفة وروايات لا يستطيع اعتمادها كحقائق. لكن تبرمه المتكرر من جهل المحيطين به يبدو أقرب إلى حالة استياء ثابتة، بدلاً من التعبير عن الضغط الذي يعيشه محقق يسعى إلى تفكيك قضية شديدة التعقيد.
ويؤدي تكرار النبرة الانفعالية ذاتها في مواقف مختلفة إلى إضعاف إقناع الأداء. وإذا كان جانب من المشكلة قد يرتبط باختيار الممثل للدور، فإن النص لا يمنح أكرم تحولات درامية ونفسية كافية تساعد على تطوير حضوره. ويضاف إلى ذلك المكياج، الذي صُممت من خلاله ملامح الشخصية لتأكيد صفات بعينها، بدلاً من ترك مساحة أكبر للأداء كي يبني تلك السمات تدريجياً.
كانت الواقعة الأصلية توفر للمخرج أحمد نادر جلال فرصة لصناعة رعب نفسي من دون الإفراط في المؤثرات. فهناك قرية صغيرة تستيقظ على مقتل 10 أشخاص، ولا يعرف سكانها من ارتكب الجريمة، بينما تحاصرهم روايات متضاربة عن دوافعها ومرتكبها.
وهذه العناصر قادرة على إنتاج خوف أعمق من الاعتماد على الموسيقى المفاجئة أو الصورة المظلمة، لكن الإخراج لا يستثمر إمكاناتها بالكامل. وكان من الممكن أن تتحول القرية نفسها إلى شخصية قائمة بذاتها داخل العمل. فقد تحدثت شهادات متداولة للأهالي عن الخوف الذي عاشه السكان وقت الجريمة، وعن إغلاق النوافذ بالحديد وتجنب الخروج من المنازل.
وكان توظيف هذه التفاصيل بصرياً قادراً على التعبير عن حالة الذعر الجماعي، عوضاً عن الاكتفاء بشرح الخوف من خلال الحوار. كما لم تمنح الموسيقى التصويرية أجواء الغموض والرعب الثقل المطلوب. وتصبح هذه الملاحظات أوضح عند مقارنة الحكاية بـ«لعبة جهنم»، التي ظهرت، على الرغم من عيوبها، أكثر تماسكاً في بناء مناخ الرعب والمحافظة عليه.
ولا يتوقف النقاش الذي أثاره «ما لم يُحكَ عن بني مزار» عند الممثلين أو الحبكة أو الأدوات الإخراجية، بل يمتد إلى الذين ما زالوا يحملون ذاكرة الواقعة.
فقد أعلن بعضهم أن عرض الحكاية جدد آلامهم، بينما عبّر آخرون عن استيائهم لعدم مطابقة العمل للملف القضائي، خصوصاً مع صعوبة تعامل بعض الجمهور مع الأحداث باعتبارها مادة متخيلة بالكامل. وفي سياق الاعتراض على انتشار هذا النوع من الإنتاج، انتقدت المخرجة كاملة أبو ذكري تقديم جرائم القتل والأشخاص المرتبطين بها في أعمال درامية.
وربطت موقفها بما تعتبره أثراً محتملاً لهذه الأعمال في تطبيع العنف أو إتاحة مادة قد يلجأ آخرون إلى تقليدها، لتضع النقاش بين مشروعية تقديم الجريمة من الأساس والطريقة التي ينبغي أن تُقدَّم بها. ويظل الغموض في قضية بني مزار جزءاً من الواقع، وليس مجرد أداة لإثارة التشويق.
لذلك تبدو الواقعة ملائمة للدراما وصعبة عليها في آن واحد؛ فكل محاولة لصناعة قصة مكتملة تصطدم بأن السؤال الأهم، المتعلق بهوية القاتل، بقي من دون جواب حاسم بعد تبرئة المتهم. ويختصر العمل معضلة أوسع تواجه دراما الجرائم الحقيقية: الجمهور يريد حكاية، والمنصة تبحث عن عمل قابل للمشاهدة، والكاتب يحتاج إلى مساحة للابتكار، بينما تقف في الجهة الأخرى واقعة حقيقية وأشخاص عاشوا آثارها.
وينجح «ما لم يُحكَ عن بني مزار» عندما يعامل الغموض بوصفه جزءاً أصيلاً من الحكاية، لكنه يصبح أكثر إثارة للإشكال حين يصعب تمييز إضافاته الدرامية عن الوقائع التي عرفتها القضية.