لا يستبدل جسم الإنسان نفسه بالكامل كل 7 سنوات، خلافا للاعتقاد الشائع، بل تتجدد خلاياه وفق جداول زمنية شديدة الاختلاف تحددها طبيعة كل خلية ووظيفتها. وبينما تعيش بعض الخلايا ساعات أو أياما قبل استبدالها، تبقى أنواع أخرى سنوات طويلة، وقد يرافق بعضها الإنسان منذ الولادة أو سنوات طفولته الأولى حتى الوفاة.
تفاوت أعمار الخلايا ووظائفها داخل الجسم
تندرج بعض خلايا الدم البيضاء ضمن أقصر خلايا الجسم عمرا، ومن بينها العدلات والحمضات والخلايا الوحيدة والخلايا المحببة. وقد تستمر حياة هذه الخلايا ساعات أو أياما فقط، وإن كان بعضها يستطيع البقاء بضعة أشهر. ويساعد تجددها المتواصل على إبقاء الاستجابة المناعية فعالة في مواجهة مسببات الأمراض، وعلى الحد من الآثار المحتملة للالتهاب المزمن.
أما خلايا الدم الحمراء، فتُستبدل كل نحو 4 أشهر في دورة مستمرة تحافظ على خصائصها وقدرتها على أداء وظائفها. ويعكس ذلك حاجة الجسم إلى تعويض الخلايا القديمة بصورة منتظمة، من دون أن يعني أن بقية الأنسجة والأعضاء تتجدد بالوتيرة الزمنية نفسها. وتعيش الخلايا الظهارية التي تبطن الأمعاء نحو 5 أيام فقط.
ويتناسب قصر عمرها مع طبيعة مهمتها، إذ تحتك باستمرار بالغذاء، وتتعرض للأحماض، وتشارك في امتصاص العناصر الغذائية. لذلك تحتاج بطانة الأمعاء إلى تجدد سريع يعوض الخلايا التي تتعرض للاستهلاك والتلف خلال أداء هذه الوظائف. وتتجدد خلايا الطبقة الخارجية للجلد كل نحو 20 يوما، وقد تطول هذه الدورة بنحو 10 أيام إضافية مع التقدم في العمر.
في المقابل، تكون وتيرة التجدد أسرع في مناطق الجلد الأكثر تعرضا للبيئة الخارجية، بما يعكس اختلاف المعدلات حتى بين خلايا النسيج الواحد تبعا لموقعها والضغوط التي تتعرض لها. وعلى الجانب الآخر، تعيش بعض الخلايا فترات أطول بكثير.
خلايا الذاكرة التائية تعيش لسنوات
ويمكن لخلايا الذاكرة التائية الموجودة في الدم والعقد اللمفية والرئتين والأمعاء أن تبقى بين عام وعامين، في حين يمتد عمرها داخل الطحال من 3 إلى 10 سنوات. ووردت هذه التقديرات في تحليل أجراه باحثون من الولايات المتحدة، ونشر في سبتمبر/أيلول 2025 بمجلة «إميونيتي».
ويُقدر متوسط عمر خلايا الكبد بأقل من 3 سنوات، بما يتلاءم مع النشاط الأيضي المرتفع لهذا العضو. ويتيح استبدالها الحفاظ على حيوية الكبد وكفاءته الوظيفية، إلا أن الدراسات التي بحثت العمر الفعلي لخلايا الكبد البشرية ما زالت محدودة. وتتبع خلايا القلب نمطا أبطأ في التجدد.
فقد استعان باحثون من السويد بنظير الكربون المشع 14 لتحديد أعمار هذه الخلايا، وخلصوا إلى أن نحو 1% منها يتجدد سنويا لدى الإنسان في سن العشرين. وتنخفض هذه النسبة تدريجيا كلما تقدم العمر، حتى تبلغ نحو 0.3% عند سن 75 عاما. وتعني هذه الوتيرة المنخفضة أن مجموع خلايا القلب التي يستبدلها الجسم على امتداد حياة الإنسان الطبيعية يظل أقل من النصف.
ولذلك لا يمكن إدراج القلب ضمن تصور يفترض أن جميع خلايا الجسم تزول وتحل محلها خلايا جديدة خلال دورة ثابتة من 7 سنوات. وتُعد الخلايا العصبية بدورها من أطول الخلايا عمرا. ويقارب عمر خلايا المادة الرمادية في المخيخ عمر الإنسان نفسه، إذ قد ترافقه منذ الولادة، أو منذ العامين التاليين لها، وتبقى حتى وفاته.
وتشكل الخلايا العصبية نحو 92% من المادة الرمادية في المخيخ، ما يعني أن قسما كبيرا من هذه البنية العصبية يستمر منذ الطفولة ولا يتجدد بعد اكتمال تكوينه. لكن خلايا المادة الرمادية في القشرة القذالية، وهي مركز المعالجة البصرية الموجود في مؤخرة الرأس، تبدو أصغر عمرا من نظيرتها في المخيخ.
ويشير ذلك إلى احتمال أن يكون معدل تجدد الخلايا أعلى في القشرة المخية مقارنة بالمخيخ، رغم أن أجزاء واسعة من النسيج العصبي تظل طويلة العمر. وتستند هذه النتائج إلى تحليل نشره باحثون من السويد والولايات المتحدة في يوليو/تموز 2005، استخدموا خلاله الكربون المشع 14 لتحديد عمر الخلايا في القشرة الدماغية القذالية.
وقد أسهمت الأبحاث المعتمدة على هذا النظير في تقدير أعمار خلايا يصعب تتبع دورة حياتها بوسائل مباشرة. ولا يعني طول عمر كثير من الخلايا العصبية أن كل خلايا الدماغ عاجزة عن التجدد.
الخلاف العلمي حول تجدد خلايا الحصين
فمنذ نحو 3 عقود، يحاول الباحثون حسم الخلاف بشأن استمرار ولادة خلايا عصبية جديدة في منطقة الحصين، الواقعة في عمق الفص الصدغي داخل الجهاز الحوفي. وتؤدي هذه المنطقة دورا أساسيا في تكوين الذكريات وتحويلها من قصيرة المدى إلى طويلة المدى. ويستمر الخلاف بسبب تضارب نتائج الدراسات الكيميائية المناعية للأنسجة.
وتشير مجموعة من النتائج إلى أن تجدد الخلايا العصبية في الحصين يظل مستمرا خلال الشيخوخة الفسيولوجية، بينما تدعم نتائج أخرى تصورا مختلفا، مفاده أن هذه العملية تتوقف في مرحلة مبكرة من الطفولة. وفي عام 2017، نشر البروفيسور جوناس فرايسن، من معهد كارولينسكا في السويد، مع عدد من زملائه، دراسة تناولت الخلايا الدبقية الدقيقة في الدماغ.
وتؤدي هذه الخلايا وظائف مناعية وتتجدد ببطء، لكن الباحثين قدروا معدل تجددها بنحو 28% سنويا، وهو ما يعني استبدال أكثر من 96% منها خلال حياة الإنسان. وتوضح هذه الفروق أن حاجة الجسم ووظيفة الخلية هما من العوامل التي تحدد سرعة الاستبدال.
فهناك خلايا تتجدد باستمرار، وأخرى تمر بدورات بطيئة للغاية، فيما تستطيع أنواع إضافية البقاء طوال الحياة من دون أن تُستبدل. ولا ينتج عن جمع هذه الأنماط المختلفة موعد موحد يصبح فيه الجسم نسخة خلوية جديدة بالكامل. ولا يؤدي تجدد عدد كبير من الخلايا إلى استعادة الجسم شبابه، لأن الشيخوخة لا ترتبط بعمر كل خلية منفردة فحسب.
فمع التقدم في السن، يتعرض الجسم لعوامل داخلية وخارجية تؤثر في استقرار المادة الوراثية والمعلومات التي تحملها، حتى عندما يستمر إنتاج خلايا جديدة في بعض الأنسجة. وتشمل هذه العوامل مؤثرات فيزيائية وحيوية وكيميائية، فضلا عن العمليات التأكسدية والأخطاء التي يمكن أن تقع أثناء انقسام الكروموسومات أو تضاعف المادة الوراثية.
ومع مرور الوقت، تؤدي هذه العمليات إلى تراكم الطفرات والتغيرات الجزيئية داخل الخلايا والأنسجة. وقد تنتقل بعض هذه الطفرات مع انقسام الخلايا إلى خلايا جديدة، بينما لا تحملها خلايا أخرى، في ظاهرة تعرف باسم «الفسيفساء الجينية». وبذلك لا تبدأ الخلية الجديدة عملها داخل جسم عاد إلى نقطة الصفر، بل توجد ضمن بيئة جسدية تواصل التقدم في العمر وتتراكم فيها تغيرات متعددة.
كما تتراجع مع الزمن كفاءة الآليات المسؤولة عن إصلاح التلف في المادة الوراثية. ولهذا يستمر مسار الشيخوخة على الرغم من استبدال أعداد كبيرة من الخلايا، وتظهر آثاره في وظائف الأعضاء وفي المظهر الخارجي للجسم، من دون أن تلغيها دورات التجدد الجارية في الدم والجلد والأمعاء وغيرها.
ويُرجح أن فكرة تجدد الجسم كله كل 7 سنوات انتشرت بعد نشر مادة إخبارية في قسم المراجعات بمجلة «نيتشر ريفيوز موليكولار سيل بيولوجي»، استندت إلى دراسة نشرها فرايسن عام 2005. وأشارت تلك المادة إلى أن متوسط عمر الخلايا في جسم الإنسان البالغ يتراوح بين 7 و10 سنوات.
غير أن نتائج فرايسن وزملائه أظهرت في الوقت نفسه تفاوتا واسعا بين أنواع الخلايا، لا دورة زمنية تشملها جميعا. فبعض خلايا الدماغ يمكن أن يعيش مدة تتجاوز 10 سنوات بفارق كبير، بينما لا تبقى خلايا أخرى إلا أياما أو أشهرا. ومن ثم لا يمثل المتوسط موعدا يستبدل عنده الجسم جميع مكوناته الخلوية.
ويظل البحث مستمرا لتحديد الأعمار الدقيقة لمختلف أنواع الخلايا وفهم آليات تجددها، ولا سيما في المناطق التي ما زالت نتائج الدراسات بشأنها متعارضة مثل حصين الدماغ.
أما النتيجة الثابتة، فهي أن الجسم لا يعيد تكوين نفسه دفعة واحدة، ولا توجد ساعة بيولوجية تمحو خلاياه وتستبدلها جميعا كل 7 سنوات.