العودة للرئيسية
أخبار

خلافات النصاب واللائحة تختبر وحدة مجلس النواب الليبي

تصاعد الخلاف داخل مجلس النواب الليبي بعد إعلان 86 نائبا منعهم من دخول مقره في بنغازي لعقد جلسة إصلاحية، مقابل نفي رئاسة المجلس وجود جلسة رسمية. ويمتد النزاع إلى النصاب وصلاحية الدعوة للاجتماعات وتعديل اللائحة وانتخابات الرئاسة، وسط مخاوف من انعكاسه على المسار الانتخابي وتوحيد مؤسسات الدولة.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تُظهر الصورة جلسة داخل قاعة اجتماعات، حيث يجلس مسؤولون وأعضاء أمام منصة تحمل شعار مجلس النواب الليبي، بينما يجلس عدد من الحاضرين في المقاعد الأمامية.

تصاعدت حدة الخلاف داخل مجلس النواب الليبي بعد إعلان 86 نائبا، في 21 سبتمبر/أيلول، منعهم من دخول مقر المجلس في بنغازي لعقد جلسة قالوا إنها مخصصة لإصلاح عمل المؤسسة وتعديل لائحتها الداخلية، مؤكدين توافر النصاب القانوني. في المقابل، نفت رئاسة المجلس وجود جلسة رسمية مقررة، وقال المتحدث باسمها عبد الله بليحق إن الإجراءات الأمنية المحيطة بالمقر كانت روتينية.

خلاف النصاب وصلاحية الدعوة للجلسات

ولم يعد النزاع مقتصرا على جلسة لم تُعقد، إذ امتد إلى قضايا تتعلق بالجهة التي تملك صلاحية الدعوة إلى جلسات المجلس، والعدد اللازم لاكتمال النصاب، وآلية تعديل اللائحة الداخلية، فضلا عن مستقبل رئاسة المؤسسة التشريعية وطريقة اتخاذ القرارات داخلها.

وقال النواب الـ86، في بيانهم الصادر يوم 21 سبتمبر/أيلول، إن تحركهم جاء بعد نحو 8 أشهر من المطالبة بعقد جلسة هدفها إصلاح عمل المجلس وتعديل لائحته الداخلية. وأكدوا أنهم سيواصلون اجتماعاتهم في أي مدينة ليبية، مستندين في ذلك إلى المادة 137 من اللائحة الداخلية للمجلس.

جلسة 14 سبتمبر تشعل الطعن بالإجراءات

وتعود جذور التصعيد الحالي إلى جلسة عُقدت في 14 سبتمبر/أيلول، حين أعلن مجلس النواب التصويت بالإجماع على حزمة إجراءات مرتبطة بالمسار الانتخابي، شملت ترتيبات تتصل بالقوانين المنظمة للاستحقاقات المقبلة. غير أن مجموعة من النواب قاطعت الجلسة وشككت في اكتمال نصابها القانوني.

87
النصاب المطلوب للجلسة

ولم تعلن رئاسة المجلس رقما رسميا لعدد الحاضرين في تلك الجلسة، بينما قال النواب المعترضون إن النصاب المطلوب يبلغ 87 نائبا. واعتبروا أن أي مخرجات تصدر من دون اكتمال هذا العدد يمكن الطعن فيها أمام القضاء المختص، بما يفتح المجال أمام انتقال الخلاف السياسي والإجرائي إلى مسار قضائي.

نواب يطالبون بإصلاح المجلس وانتخاب رئاسته

وقال النائب عصام الجهاني إن «حراك الإصلاح ليس وليد اليوم»، موضحا أن مطالبه تشمل تعديل اللائحة الداخلية، وإصلاح آليات العمل، وإجراء انتخابات لرئاسة مجلس النواب. وأكد أن النواب المشاركين في التحرك يملكون العدد الكافي لعقد جلسة مستوفية للنصاب القانوني، مشيرا إلى وجود ترتيبات لعقد جلسة في مدينة بنغازي.

في المقابل، قدم عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي رواية مختلفة، ووصف الاتهامات المتعلقة بمنع النواب من دخول المجلس بأنها «باطلة». وقال إن الدعوة إلى الجلسات الرسمية تقع ضمن اختصاص هيئة الرئاسة، في حين يحق للأعضاء عقد جلسات تشاورية لا تحمل صفة الجلسات الرسمية للمجلس.

وأكد العرفي أن جلسة 14 سبتمبر/أيلول استوفت النصاب والإجراءات المطلوبة، مستندا إلى توقيعات 103 نواب مؤيدين للاتفاق. ورأى أن جوهر الخلاف يدور حول الطعن في مخرجات الجلسة، وليس حول عدم استيفائها الشروط الإجرائية اللازمة للانعقاد. ووضع الخبير القانوني مهدي كشبور النزاع في إطاره الإجرائي، موضحا أن صحة أي قرار تبدأ من صحة انعقاد الجلسة التي صدر خلالها.

وأضاف أن وصف التصويت بأنه «إجماع» لا يُغني عن تقديم ما يثبت اكتمال النصاب القانوني المطلوب. وبحسب كشبور، تمثل محاضر الجلسات وقوائم الحضور والنصوص النهائية للقرارات المراجع الأساسية لحسم النزاع. وأشار إلى إمكان الطعن في القرارات إذا ثبت وجود خلل يتعلق بالنصاب أو الدعوة إلى الجلسة أو جدول أعمالها أو آلية التصويت أو اختصاص الجهة التي أصدرت القرار.

خبراء يحددون مسار الطعن في القرارات

ويرى المحلل السياسي راقي المسماري أن الأزمة الراهنة تعكس تجاذبات أقدم بشأن إدارة مجلس النواب والتناوب على رئاسته، التي يتولاها عقيلة صالح منذ سنوات. ويضع هذا التفسير الخلاف الإجرائي ضمن نزاع أوسع يتعلق بإدارة المؤسسة وتوزيع النفوذ داخلها.

من جانبه، وصف المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني التطورات بأنها «أزمة قواعد قبل أن تكون أزمة قرارات». وحذر من أن توجه النواب إلى عقد اجتماعات خارج المقر الرسمي للمجلس قد يؤدي إلى نشوء واقع مؤسسي مواز، بما يزيد تعقيد الانقسام القائم داخل المؤسسة التشريعية.

ويأتي الخلاف في وقت ما زال فيه المسار السياسي الليبي يعتمد على مجلس النواب لإقرار ترتيبات قانونية وسياسية يُفترض أن تقود إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة. وكانت البعثة الأممية ومجلس الأمن قد رحبا، خلال سبتمبر/أيلول، بمخرجات انتخابية أقرها المجلس، وعدّاها خطوة باتجاه تجاوز الانسداد السياسي والدفع نحو انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات.

لكن الجدل المحيط بجلسة 14 سبتمبر/أيلول أعاد طرح مسألة قدرة المجلس على إصدار قرارات تحظى بقبول داخلي واسع، في ظل الخلاف بين أعضائه بشأن قواعد الانعقاد وآليات اتخاذ القرار. كما يهدد استمرار النزاع بتقويض دور المجلس في الاستحقاقات السياسية والانتخابية المنتظرة.

وفي مسار مواز، أفاد مصدر خاص بأن الخلاف داخل معسكر خليفة حفتر يتقاطع مع التحرك الأميركي الذي يقوده مسعد بولس، ولا سيما في الملفات المتعلقة بتوزيع المناصب والقيادة العسكرية. وتحدث المصدر عن تباين بين صدام حفتر من جهة، وخالد وبالقاسم حفتر وعقيلة صالح من جهة أخرى، بينما لم تُعلن رسميا جميع تفاصيل هذا التحرك.

وفي 28 سبتمبر/أيلول، قال بولس إن الوقت حان للبناء على ما تحقق في مجالات توحيد الميزانية والتنسيق الاقتصادي والأمني، ودعم مسار يقوده الليبيون وصولا إلى الانتخابات. ولا تحصر هذه المعطيات أسباب الخلاف البرلماني في التحرك الخارجي، لكنها تضعه ضمن بيئة تتداخل فيها الترتيبات الداخلية مع المبادرات الدولية.

ومع بقاء النزاع قائما بشأن النصاب وصلاحية الدعوة إلى الجلسات وتعديل اللائحة الداخلية ورئاسة المجلس، باتت الأزمة اختبارا لقدرة مجلس النواب على الحفاظ على وحدة عمله وإصدار قرارات تحظى بقبول أعضائه، في مرحلة يُنتظر أن يؤدي فيها دورا رئيسيا في الترتيبات السياسية والانتخابية المقبلة.