العودة للرئيسية
صحة

جسيمات مغناطيسية تخفض حيوية خلايا سرطان الكبد مخبرياً بنسبة 63%

اختبر الفيزيائي المصري أحمد الجندي وفريقه تقنية تستخدم جسيمات نانوية من كربيد الحديد تتحرك داخل خلايا سرطان الكبد بقوة مجال مغناطيسي، من دون تسخين متعمد أو أدوية. وأظهرت التجربة المخبرية انخفاض حيوية الخلايا بنسبة 63%، مع تأكيد الباحث أن النتائج لا تمثل علاجاً جاهزاً للمرضى.

••4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رجل يرتدي نظارات واقية يفحص جسيمات داكنة في وعاءين صغيرين داخل مختبر.

توصل فريق يقوده عالم الفيزياء المصري الدكتور أحمد الجندي إلى خفض حيوية خلايا سرطان الكبد بنسبة 63% في تجربة مخبرية، عبر تحريك جسيمات نانوية مغناطيسية داخل الخلايا لتوليد قوى ميكانيكية تتلف بنيتها، بدلاً من استخدام المجال المغناطيسي لتسخينها. ونُشرت نتائج الدراسة قبل أيام في دورية «ماتيريالز توداي كمستري».

كيف تحرك الجسيمات الخلايا السرطانية ميكانيكياً

وتقوم التقنية على إدخال جسيمات مغناطيسية إلى الخلايا ثم تعريضها لمجال مغناطيسي متناوب، من دون استخدام إبرة جراحية أو جرعة دوائية أو تسخين متعمد للخلايا. ويجعل المجال الجسيمات تتحرك وتدور داخل الحيز المحدود للخلية، بما يحولها إلى ما يشبه محركات مجهرية تولد قوى وعزوماً ميكانيكية.

ويعد البحث أول تطبيق عملي للتقنية الجديدة التي طوّرها الجندي، أستاذ الفيزياء في جامعة تكساس بمدينة إل باسو. وكانت الجمعية الدولية للمواد المتقدمة في السويد قد كرّمت التقنية مؤخراً بمنح الباحث جائزة ماري كوري لعام 2026 في مجال طب النانو لعلاج السرطان.

اختبار كربيد الحديد على خلايا سرطان الكبد

استخدم الفريق في التجربة جسيمات نانوية مصنوعة من كربيد الحديد، واختبر تأثيرها على خلايا «هيب-جي2»، وهي نموذج مخبري يُستخدم في دراسة سرطان الكبد. وتراوحت أحجام الجسيمات بين 35 و154 نانومتراً، فيما استعان الباحثون بتقنيات تصوير الخلايا وقياسها للتأكد من قدرة الجسيمات على الدخول إليها.

وقال الجندي إن الفريق لم يكن يسعى إلى رفع درجة الحرارة بدرجة كبيرة، وإنما أراد تحديد أثر الحركة نفسها. وأوضح أن المجال المغناطيسي يولد على الجسيمات قوى وعزوماً ميكانيكية تدفعها إلى الدوران والتحرك داخل الخلية، وأن هذه الحركة في مساحة محدودة يمكن أن تُحدث اضطراباً في بنيتها.

وأظهرت النتائج أن الاضطراب ألحق أضراراً شديدة بالخلايا السرطانية، ودفعها إلى الموت بإحدى طريقتين؛ الأولى هي «الاستماتة»، أي الموت الخلوي المنظم، والثانية هي «النخر» الناتج عن التلف المباشر للخلية. وبذلك يعتمد التأثير المرصود على القوة الميكانيكية التي تحدثها الجسيمات داخل الخلية، لا على قتلها برفع حرارتها.

وللتحقق من أن الضرر نتج عن الحركة وليس الحرارة، اختبر الباحثون قدرة جسيمات كربيد الحديد على إنتاج التسخين. وقال الجندي إن القيم المسجلة كانت منخفضة، وإن التجارب لم تُظهر ارتفاعاً ملحوظاً في درجة الحرارة ضمن الظروف المستخدمة في الدراسة.

وفي المقابل، أظهرت صور الخلايا اضطراباً واضحاً في أغشيتها بعد تطبيق المجال المغناطيسي في وجود الجسيمات داخلها. ورأى الجندي أن تلك المشاهدات تدعم الفرضية التي عمل عليها فريقه منذ سنوات، والقائمة على القضاء على الخلايا السرطانية بالقوة الميكانيكية بدلاً من الحرارة.

لماذا اختار الفريق كربيد الحديد؟

واختار الفريق كربيد الحديد بسبب خواصه المغناطيسية العالية، لأن نجاح الفكرة يتوقف على مدى استجابة الجسيمات للمجال. كما صنع الباحثون الجسيمات بأحجام وأطوار بلورية مختلفة، بهدف دراسة علاقة هذه المتغيرات بسلوكها المغناطيسي وقدرتها على إحداث تأثير داخل الخلايا.

وأوضح الجندي أن الغاية النهائية لم تكن تصنيع جسيم مغناطيسي أفضل في حد ذاته، بل معرفة كيفية تحويل خصائصه الفيزيائية إلى قوة تعمل داخل خلية سرطانية. وتضمنت الدراسة لهذا السبب تحليلاً لخصائص الجسيمات، إلى جانب تقدير القوى والعزوم التي يمكن أن تتولد عليها عند تعرضها للمجال المغناطيسي.

خبرة الجندي في تطبيقات الجسيمات المغناطيسية الطبية وتبدأ أبحاث السرطان السابقة هنا؟

ويمتلك الجندي خبرة تتجاوز 20 عاماً في دراسة الجسيمات النانوية المغناطيسية وتطبيقاتها الطبية. وسبق له اختبار الفكرة في أبحاث تناولت أوراماً أخرى، من بينها سرطان البروستاتا وسرطان الثدي، باستخدام نماذج حيوانية.

وانطلقت هذه الأبحاث من محاولة تجاوز إحدى مشكلات العلاج المغناطيسي الحراري، الذي تُدخل فيه الجسيمات إلى الورم ثم تُعرّض لمجال مغناطيسي متناوب، فتتحول الطاقة المغناطيسية إلى حرارة. وقد تصل حرارة المنطقة المستهدفة بهذه الطريقة إلى نحو 40–45 درجة مئوية، لتوفير مستوى يكفي لقتل الورم.

وأشار الجندي إلى أن الحرارة لا تميز بذاتها بين الخلايا السرطانية والخلايا السليمة، وهو ما يسعى النهج الجديد إلى تغيير معادلته. فبدلاً من التركيز على كيفية تسخين الورم، يصبح الهدف هو استخدام المغناطيس لإحداث قوة داخل الخلية السرطانية. ولا تقتصر أهمية تجربة سرطان الكبد، وفق الباحث، على تسجيل انخفاض في حيوية الخلايا، بل تشمل محاولة تفسير الآلية الفيزيائية وراء هذا الأثر.

63%
انخفاض حيوية الخلايا مخبرياً

ولهذا ربط الفريق بين الخصائص المغناطيسية للجسيمات وبين مقدار القوى والعزوم التي يمكن أن تنتج تحت المجال المستخدم في التجربة. وشدد الجندي على ضرورة عدم المبالغة في تفسير نسبة 63%، موضحاً أنها لا تمثل معدل نجاح علاج طُبق على مرضى سرطان الكبد، وإنما تعبّر عن انخفاض حيوية خلايا سرطانية في ظروف مخبرية محددة.

كما أن الدراسة لا تحسم بعد ما إذا كانت الآلية ستعمل بالطريقة نفسها داخل ورم حقيقي، ولا تحدد الجرعة المناسبة للاستخدام. ووصف الباحث النتيجة بأنها خطوة تجريبية في مسار مختلف، وليست علاجاً جاهزاً لسرطان الكبد، إذ يقوم هذا المسار على تحويل الجسيمات النانوية بالمجال المغناطيسي إلى أدوات ميكانيكية دقيقة داخل الخلية السرطانية.

وتشمل الخطوات التالية فهم الآلية بمزيد من الدقة، وتحديد الجرعة ونظام التعرض، ثم اختبار السلامة والفعالية في نماذج حيوانية أكبر، قبل بحث إمكان تحقيق التأثير نفسه داخل جسم الإنسان.