العودة للرئيسية
أخبارإيران

إيران تسلم واشنطن شروط وقف الحرب عبر وساطة قطرية

قدمت طهران إلى واشنطن، عبر وساطة قطرية في نيويورك، حزمة مطالب تشمل وقف الحرب ورفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول المجمدة، مع طرح فتح مضيق هرمز تجريبياً لمدة 7 أيام. وتتركز الاتصالات على تفاهم مرحلي يخفف التصعيد ويعيد الملاحة، وسط خلاف بشأن إدراج الملف النووي وحجم التنازلات المتبادلة.

••8 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رجلان يجلسان في اجتماع داخل قاعة رسمية، وبينهما علمَا إيران وقطر، بينما يقف مصورون وأشخاص آخرون في الخلفية.

سلّمت إيران، الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول، شروطها إلى الولايات المتحدة لإنهاء الحرب ووقف الحصار الأمريكي، عبر وساطة قطرية تدير قنوات الاتصال في نيويورك، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تستهدف احتواء التصعيد العسكري في منطقة الخليج وإعادة فتح ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

المطالب الإيرانية ومسار الوساطة القطرية

جاء تسليم المطالب الإيرانية بعد مباحثات عقدها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الثلاثاء، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وبرعاية قطرية. واستهدفت الجلسة اختبار فرص استئناف المسار الدبلوماسي وتجاوز الجمود الذي أعقب تفاهمات مذكرة يونيو/حزيران الماضي.

وتشير قراءات أساتذة في العلاقات الدولية وخبراء في شؤون المنطقة إلى أن طهران تعتمد نهجاً مرحلياً يفصل بين القضايا العاجلة، وفي مقدمتها وقف الضربات العسكرية ورفع الحصار البحري واستعادة الأموال المجمدة، وبين الملفات الإقليمية والنووية الأكثر تعقيداً، والتي تسعى إلى إرجاء بحثها إلى مرحلة لاحقة.

شروط طهران لوقف الحرب ورفع القيود

وتستند المطالب إلى محددات أعلنها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي، تشمل الإفراج الفوري عن الأصول المحتجزة، وإنهاء الحرب على الجبهات الممتدة من لبنان إلى غزة واليمن، ووقف استهداف الأراضي الإيرانية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران.

وتظهر المواقف الإيرانية المعلنة تمسكاً برفع كامل وفوري للقيود، بينما يرى محللون أن طهران تبدي خلف الأبواب المغلقة مرونة إجرائية بشأن الجداول الزمنية لتنفيذ الخطوات المتبادلة. ومن بين المقترحات المطروحة فتح مضيق هرمز بصورة تجريبية لمدة 7 أيام، لاختبار مدى استعداد واشنطن لخفض الضغط العسكري وإنهاء القيود الاقتصادية المفروضة على الموانئ الإيرانية.

مضيق هرمز ورقة تفاوضية إيرانية

ويحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في الحسابات الإستراتيجية الإيرانية، إذ تنظر إليه طهران باعتباره ورقة مساومة أساسية في ميزان الردع، وليس مجرد ممر للتجارة الدولية. وبناء على ذلك، تربط إيران التراجع في ملف الملاحة بضمانات أمنية واقتصادية تتعلق بوقف العمليات العسكرية وفك الحصار عن موانئها.

ويرى خبير الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد أن المطالب الإيرانية تتوزع على مستويات مختلفة، بينها شروط لازمة لاستئناف التفاوض، وأخرى إجرائية مرتبطة بمضيق هرمز. وتربط طهران فتح الممر البحري برفع الحصار الفوري عن موانئها ووقف عمليات المراقبة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة.

وتشمل المطالب البحرية أيضاً فتح ملف القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، إذ تعدها إيران مصدراً دائماً للتهديد. ووفق قراءة عبد الواحد، تتعامل طهران مع خيار الفتح المؤقت للمضيق باعتباره اختباراً للنوايا، لأنها ترى أن فتحه بصورة كاملة وغير مشروطة سيفقدها إحدى أبرز أوراق القوة في التفاوض.

العوامل الاقتصادية والأمنية المحددة للموقف الإيراني

ويحدد الأكاديمي والخبير في الشؤون الإيرانية محجوب الزويري ثلاثة عوامل تحكم موقف صانع القرار في طهران. يتعلق الأول بالجانب الاقتصادي، بما يشمله من رفع العقوبات واستعادة الأرصدة وكسر الحصار البحري، بينما يرتبط الثاني بإنهاء ما وصفه بفكرة التهديد الدائم المتمثلة في قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على شن ضربات مباغتة ضد إيران وشبكة نفوذها.

أما العامل الثالث، وفق الزويري، فهو تأجيل الملف النووي إلى ما بعد تثبيت المكاسب الأمنية والاقتصادية. كما يضع مقترح فتح مضيق هرمز لمدة 7 أيام في إطار رغبة إيران في الاستجابة لضغوط الصين والحفاظ على علاقتها معها، في ظل اهتمام بكين باستمرار تدفقات الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

وترى أستاذة العلوم السياسية في جامعة قطر نافجة صباح البوعفرة الكواري أن القضايا الاقتصادية والعسكرية والأمنية أصبحت جزءاً من سلة تفاوضية مترابطة. وبحسب قراءتها، تجعل طهران أي تراجع في مياه الخليج مشروطاً بخطوات أمريكية ملموسة تنهي التهديد العسكري والقيود المفروضة على حركة موانئها وملاحتها.

ويربط الكاتب والمحلل السياسي رضا غبيشاوي الشروط الإيرانية الحالية بمحاولة العودة إلى جوهر «مذكرة تفاهم إسلام آباد». وأشار إلى محددات سبق أن طرحها المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، وتتضمن الوقف الكامل للحرب والتهديدات، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وفك الحصار عن اليمن، والإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية.

وتتضمن المحددات نفسها، وفق غبيشاوي، منع التدخل الأمريكي في البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين. وتعكس هذه الشروط رغبة طهران في العودة إلى التفاهمات السابقة، بدلاً من فتح ملفات إضافية قد تفرض عليها التزامات جديدة قبل معالجة القضايا العسكرية والاقتصادية المباشرة.

ويلخص مسؤول الملف الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية حميد عزيزي المطالب في الوقف الفوري للحرب على جميع الجبهات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ورفض إدراج الملف النووي ضمن هذه المرحلة من المحادثات.

ويرى عزيزي أن هذه الاشتراطات تتوافق عموماً مع مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران الماضي، وتعبر عن مسعى إيراني للعودة إلى بنودها الأصلية من دون تحمل أعباء أو تقديم تنازلات جديدة. في المقابل، تتطلع الإدارة الأمريكية إلى تفاهم أوسع من الاتفاق السابق، ما يفسر استمرار الخلاف بشأن نطاق أي اتفاق محتمل.

وتتعامل واشنطن مع الأزمة من موقع قوة لا تريد معه منح طهران مكاسب مجانية أو الظهور بمظهر المتراجع أمام الحلفاء والرأي العام الأمريكي. ويخلق هذا الاعتبار حالة من الاستعصاء بين رغبة الإدارة الأمريكية في وقف التصعيد وبين رفضها دفع أثمان مالية أو عسكرية مسبقة قبل التوصل إلى تفاهم.

ويضع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة برمنغهام سكوت لوكاس الموقف الأمريكي أمام مسارين. يتمثل الأول في نهج شامل ترفضه واشنطن بسبب عدم استعدادها للالتزام بتنازلات مالية وعسكرية مسبقة، بينما يقوم المسار الثاني على خطوات تدريجية يصفها لوكاس بأنها الصيغة الواقعية الوحيدة المتبقية.

ويقول لوكاس إن انتقال جلسات نيويورك من «محادثات استكشافية حول المحادثات» إلى مفاوضات مكتملة يتطلب إرادة أمريكية حقيقية لتقديم تنازلات مالية وعسكرية، إلى جانب الابتعاد عن منطق الإملاء الأحادي. كما يشير إلى أن الخطاب الإيراني العلني الأكثر تشدداً لا يلغي وجود مرونة براغماتية في قنوات التفاوض غير المعلنة.

ويصف المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة خالد الجابر النهج الأمريكي بأنه مسار مزدوج يجمع بين الحوار ومواصلة الضغطين العسكري والاقتصادي.

ويقول إن واشنطن تدرك التكلفة الاقتصادية المرتفعة لاستمرار الصراع وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، لكنها ترفض الظهور باعتبارها مضطرة إلى التفاوض أو مستجيبة للضغط الإيراني. وبحسب الجابر، تريد الإدارة الأمريكية أن يقدم أي اتفاق بوصفه نتيجة للقوة الأمريكية وليس استجابة لشروط طهران.

3 مليارات
أحدث عرض للإفراج عن الأموال

ويتقاطع ذلك مع ما وصفه الزويري بسياسة التنازلات «بالقطارة»، مشيراً إلى أن عروض الإفراج عن الأموال انخفضت تدريجياً من 24 مليار دولار إلى 12 ملياراً، ثم إلى 6 مليارات، قبل أن تستقر عند 3 مليارات من دون تنفيذ إفراج فعلي.

ويرى حميد عزيزي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب لا تريد الاكتفاء بإحياء الاتفاق السابق، بل تسعى إلى صيغة أوسع أطلق عليها «مذكرة تفاهم بلس». وتتضمن هذه الصيغة إدراج الملف النووي ومعالجته مسبقاً في صلب التفاهم، بما يسمح لترمب بتقديم النتيجة أمام الرأي العام والدوائر السياسية الأمريكية بوصفها إنجازاً كبيراً وانتصاراً إستراتيجياً لإدارته.

ويشير اللواء محمد عبد الواحد إلى تناقض في الخطاب الرئاسي الأمريكي، إذ تتأرجح المواقف بين الإشادة بمسار التفاوض في وقت، والعودة إلى التهديد بالتدمير في وقت آخر. ويزيد هذا التباين صعوبة بناء الثقة اللازمة للانتقال من تبادل الشروط إلى تنفيذ إجراءات متزامنة.

ويمثل انتقال الاتصالات إلى أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاء وفدي إيران والولايات المتحدة تحولاً إجرائياً في إدارة الأزمة، من الاعتماد على الاستهداف العسكري وحده إلى محاولة تثبيت قنوات سياسية. غير أن استئناف الاتصال الدبلوماسي لا يعني، في تقدير الخبراء، تحقق تقارب سياسي فعلي بين الطرفين. وتفرق نافجة الكواري بين استئناف القنوات الدبلوماسية وبلوغ تقارب سياسي.

وترى أن لقاءات نيويورك أتاحت للطرفين اختبار سقوف المطالب، لكن الخلافات الأساسية بشأن الحصار والملاحة والعقوبات لا تزال قائمة. وتعتبر أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتهما على الانتقال من الشروط المسبقة إلى خطوات تنفيذية متدرجة ومتزامنة.

ويقول الزويري إن لقاء عراقجي وويتكوف لم يكن حدثاً عفوياً، بل جاء بعد تنسيق قطري مسبق. وأثمر هذا التنسيق، بحسب قراءته، مرونة أمريكية في منح تأشيرات دخول موسعة للوفد الإيراني، شملت الرئيس ووزير الخارجية وفريقاً من التقنيين والمفاوضين المطلعين على التفاصيل، بخلاف القيود التي واجهتها الوفود الإيرانية خلال سنوات سابقة.

ويستند غبيشاوي في حديثه عن وجود مؤشرات تقدم إلى توقف الضربات الأمريكية على الأراضي الإيرانية لعدة أسابيع، معتبراً أن ذلك يعزز احتمال استمرار التفاوض الهادئ وإمكان إعادة إحياء مسار اتفاق إسلام آباد. ولا يرفع الجابر سقف التوقعات إلى مستوى التوصل إلى «الاتفاق الكبير» أو تسوية جميع أسباب الخلاف.

ويرى أن المسار الأكثر واقعية يركز على «اتفاق صغير» يجمد التصعيد، ويعيد تشغيل الملاحة، ويضع قواعد اشتباك مؤقتة، مع ترحيل الملفات الهيكلية الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة. وتؤدي قطر في هذه الاتصالات دوراً يتجاوز نقل الرسائل بين الجانبين، مستفيدة من علاقاتها مع واشنطن وطهران ومن تأثر منطقة الخليج مباشرة بتداعيات الصراع وتعطل الملاحة.

ويرى الجابر أن الوساطة القطرية ترتبط بإدارة خطر يمس استقرار المنطقة وصادرات الطاقة الخليجية، وليست مجرد تحرك سياسي تقليدي. وتعتمد الدوحة، وفق الجابر، على قدرتها على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع العاصمتين، والعمل على حلول وسط تتيح لكل طرف الابتعاد عن التصعيد من دون إعلان التراجع أو الإقرار بالهزيمة.

وتضع الكواري التحرك القطري في نيويورك ضمن رؤية أوسع للأمن الإقليمي الجماعي، طرحها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وترى الكواري أن نجاح الوساطة يتوقف على تفكيك المطالب القصوى وتحويلها إلى مراحل قابلة للتنفيذ، تبدأ بتهدئة بحرية يمكن استخدامها مدخلاً إلى تسوية أوسع.

  1. 1

    التهدئة العسكرية

    ويقترح عبد الواحد خريطة طريق من خمس مراحل تستطيع الدبلوماسية القطرية الدفع بها استناداً إلى علاقاتها مع واشنطن وطهران وعواصم القرار الدولي. تبدأ الخريطة بتهدئة عسكرية متبادلة تقوم على تجميد الهجمات والضربات في إيران ودول المنطقة.

  2. 2

    التهدئة البحرية والاقتصادية

    وتليها تهدئة بحرية تشمل إنهاء الحصار الأمريكي والسماح بوصول السلع والمواد الأساسية إلى الموانئ الإيرانية، بالتوازي مع وقف طهران احتجاز السفن واستهداف حركة الملاحة في مضيق هرمز. وتتمثل المرحلة الثالثة في تهدئة اقتصادية عبر إجراءات متبادلة، تتضمن إعفاءات أمريكية وإفراجاً تدريجياً عن الأرصدة المحتجزة مقابل مرونة إيرانية ملموسة.

  3. 3

    المسار النووي والتسوية الأمنية

    أما المرحلة الرابعة فتخصص للمسار النووي باعتباره ملفاً مستقلاً يحتاج إلى حوار فني معمق قد يستغرق أشهراً لتنظيم الالتزامات وآليات الرقابة. وتتعلق المرحلة الخامسة بتسوية أمنية شاملة تعيد بناء ترتيبات مستدامة لمنطقة الخليج والممرات البحرية الدولية، وتعمل على صياغة علاقات إقليمية جديدة.

ويؤكد عزيزي أهمية الوساطة القطرية في ردم الفجوات وابتكار حلول وسط للنقاط الخلافية، سعياً إلى تفاهم مؤقت ومرحلي يوقف الأعمال العدائية ويوسع المجال أمام الدبلوماسية. ومع ذلك، يدعو عزيزي إلى تفاؤل حذر وواقعي بسبب تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك ملفاته.

ويرى غبيشاوي أن التحرك القطري، الذي شمل قنوات وزيارات إلى طهران وبكين، يعكس استخدام الدوحة لقوتها الناعمة في تسوية النزاعات، ويركز في مرحلته الحالية على احتواء التصعيد وتأمين تدفقات الطاقة وإعادة الاستقرار إلى مياه الخليج العربي.