دخلت أطقم طبية وأصحاب مهن صحية مساعدة في ليبيا إضراباً عن العمل منذ 7 سبتمبر/أيلول 2026، مطالبة بتوفير التأمين الصحي وإقرار علاوات الخطر والمبيت وتحسين الحقوق المهنية. وأكد المشاركون في التحرك استمرار تقديم الخدمات في أقسام الطوارئ والعناية المركزة والغسيل الكلوي، إلى جانب التعامل مع الحالات المنقذة للحياة، لتجنب توقف الخدمات ذات الصلة المباشرة بسلامة المرضى.
نقص الكوادر يعطل أقساماً مجهزة
ويتزامن الإضراب مع تأكيد وزارة الصحة وجود نقص في الأطباء وأطقم التمريض، أدى إلى تشغيل بعض الأقسام وغرف العناية بأقل من طاقتها، وتوقف بعضها الآخر بسبب عدم توافر الكوادر.
ويتركز النقص، وفق الوزارة، في المناطق النائية ومناطق الجنوب والشرق والوسط والجبل، إضافة إلى بعض التخصصات الطبية والتمريضية المطلوبة لتشغيل المرافق.
وتكشف الأزمة عن خلاف بشأن طبيعة العجز، وما إذا كان القطاع يواجه نقصاً عددياً عاماً أم اختلالاً في توزيع العاملين بين المناطق والتخصصات، إلى جانب ظروف العمل وصعوبة الاحتفاظ بالكوادر وقدرتها على تغطية المناوبات. ويطالب اتحاد الحراك الصحي بمعالجة هذه الملفات استناداً إلى بيانات دقيقة عن القوى العاملة والاحتياجات الفعلية لكل منشأة ومنطقة.
فجوة الأرقام بين الوظائف والعاملين
وقال الناطق باسم اتحاد الحراك الصحي، الدكتور سليمان الصومادي، إن القطاع يحتاج أولاً إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة، موضحاً أن الملاك الوظيفي المعتمد يضم نحو 190 ألفاً و150 وظيفة، في حين تتحدث وزارة الصحة عن قرابة 350 ألف عامل مسجل.
ويقصد بالملاك الوظيفي العدد المحدد والمعتمد رسمياً للوظائف والقوى العاملة داخل الجهات والمؤسسات الحكومية أو العامة، موزعاً بحسب التخصصات والمستويات الإدارية. ويرى الاتحاد أن الفارق بين العددين يستلزم تفسيراً رسمياً يفصل أعداد العاملين فعلياً، والمنتدبين والمنقولين والمتعاقدين، وكذلك العاملين غير المباشرين والوظائف الشاغرة.
ويقول الصومادي إن الأرقام الإجمالية لا تكفي وحدها لقياس العجز، لأن قدرة القطاع على العمل ترتبط أيضاً بتخصصات العاملين، وتوزيعهم الجغرافي، وإمكان تغطيتهم للمناوبات المطلوبة.
التجهيزات لا تعوض غياب العاملين
وتقول وزارة الصحة إن النقص يتركز بوجه خاص في التمريض وبعض التخصصات الطبية، وإن مرافق تتوافر فيها التجهيزات لا تعمل بكامل قدرتها نتيجة غياب العدد الكافي من العاملين. وقد تتوافر المعدات والأسرة داخل المنشأة، لكن عدم وجود طبيب متخصص أو العدد المطلوب من الممرضين يحول دون تشغيل القسم بطاقته المتاحة.
وفي بيان أصدرته في 5 سبتمبر/أيلول، قالت الوزارة إنها تدرس خيارات للاستعانة بكوادر من الخارج، لكنها نفت إبرام أي تعاقد نهائي. وشددت على أن الأولوية ستظل للكوادر الليبية، وأن أي استقدام محتمل سيقتصر على سد احتياجات محددة داخل القطاع، في ضوء النقص المسجل في بعض المجالات والمناطق.
وتنسجم مؤشرات تعطل المرافق مع تقييم أجرته منظمة الصحة العالمية للمنشآت الصحية في ليبيا خلال ديسمبر/كانون الأول 2024. وأظهر التقييم أن 8% من المرافق كانت غير عاملة، في حين كانت 84% منها تعمل بصورة جزئية وتحتاج إلى دعم لاستعادة كامل قدرتها، بالتزامن مع استمرار النقص في العاملين والأدوية والمستلزمات والمعدات.
وأشار التقييم أيضاً إلى غياب نظام وطني شامل لجمع بيانات القطاع الصحي وقياس الاحتياجات والقدرة التشغيلية. وعلى المستوى العالمي، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن أزمات القوى العاملة الصحية لا ترتبط بالأعداد وحدها، بل تشمل كذلك توزيع الموظفين والقدرة على الاحتفاظ بهم، متوقعة عجزاً عالمياً بنحو 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030.
إجراءات حكومية لتنظيم القوى الصحية
وسبقت الإضراب الحالي خطوات حكومية لتنظيم أوضاع العاملين. ففي أبريل/نيسان 2026، أعلنت وزارة الصحة اعتماد العقود الوظيفية ومعدلات الأداء لإدارات الخدمات الصحية في المناطق، بعد انتظار دام 19 عاماً. واستهدفت الخطوة تنظيم العمل، وإصدار الأرقام الوظيفية والمالية، وتحسين توزيع الكوادر بين المؤسسات والمناطق.
وفي يونيو/حزيران، استكملت اللجنة المشتركة للملاك الوظيفي العمل المتعلق بإعادة توزيع العاملين وفق احتياجات المؤسسات، ومعالجة التضخم الوظيفي، وتسوية الأوضاع المالية والوظيفية. كما عقدت الحكومة في أغسطس/آب اجتماعاً مع النقابات الطبية تناول أعداد العاملين فعلياً والتعيينات والانتداب والتكليف والتدريب والتخصصات.
وفي مسار متصل بالمطالب المالية، أحالت هيئة الرقابة الإدارية مقترح جدول الرواتب الذي قدمه الحراك إلى جهات الاختصاص لدراسته.
إلا أن الحراك يطالب بتحويل الإجراءات المعلنة إلى قرارات قابلة للقياس، تبدأ بإحصاء العاملين الموجودين فعلياً، وتحديد العجز وفق التخصص والمنطقة، ثم إعادة توزيع الكوادر بما يتناسب مع احتياجات المرافق. وتشمل مطالب الحراك كذلك إقرار علاوات الخطر والمناطق النائية والمناوبات، إلى جانب تحسين بيئة العمل داخل المؤسسات الصحية.
وقال الدكتور أحمد عبد الرؤوف، أحد المشاركين في الحراك، إن عملية حصر العاملين لم تُستكمل، وإن المشاركين لم يلمسوا حتى الآن استجابة حكومية جادة، مؤكداً أن هدفهم ليس تعطيل الخدمات الصحية، وأن التصعيد مرتبط بعدم اتخاذ خطوات عملية.
وبذلك ترتبط أزمة الكوادر الصحية في ليبيا بثلاثة مسارات متداخلة، تشمل توزيع العاملين بين المناطق والتخصصات، وتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية، وتحسين ظروف العمل داخل المرافق الصحية، بالتوازي مع الحاجة إلى بيانات موحدة تحدد حجم القوى العاملة والاحتياجات التشغيلية الفعلية.