أعادت تداعيات هجمات 11 سبتمبر والحرب الأميركية على إيران فتح النقاش بشأن كلفة السياسات الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة، في ظل خسائر متزايدة يتكبدها المزارعون واضطراب إمدادات الأسمدة، بالتوازي مع تعمق الانقسامات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي قبيل انتخابات التجديد النصفي.
كلفة حروب ما بعد سبتمبر
أظهرت دراسة لجامعة براون أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر في العراق وأفغانستان واليمن وسوريا أودت بحياة نحو 940 ألف شخص، بينهم أكثر من 7 آلاف جندي أميركي. كما ترك غزو العراق عام 2003 والحرب الطويلة في أفغانستان، وصولا إلى انسحاب القوات الأميركية عام 2021، آثارا سياسية داخل الولايات المتحدة، وأسهمت تداعياتهما في تراجع الثقة بالحكومة الأميركية وبالمعايير الدولية.
وقالت المحللة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية سيندي ستورر إن الولايات المتحدة لم تصبح بالضرورة أكثر أمنا بعد نحو ربع قرن من الهجمات، معتبرة أن ردود الفعل التي أعقبت الصدمة أفضت إلى نتائج سلبية داخل البلاد وخارجها. وأضافت أن الإرهاب لم يعد الخطر الأكبر في نظر كثير من الأميركيين، الذين باتوا يعدّون الصين التهديد الأبرز مستقبلا.
وحذرت ستورر من تأسيس السياسات الأمنية على افتراضات غير دقيقة بشأن نيات الدول الأخرى، بسبب ما قد يترتب على ذلك من ردود فعل متسلسلة يصعب وقفها. من جانبه، قال الدبلوماسي الأميركي السابق آلان آير إن صدمة 11 سبتمبر دفعت المؤسسات الأميركية إلى التعامل مع كثير من الملفات بوصفها أزمات أمنية، مع إفراط في الاعتماد على القوة العسكرية.
ورأى آير أن القوة الاقتصادية والعسكرية لا تمكّن الولايات المتحدة من هندسة المجتمعات أو فرض تغيير الأنظمة، داعيا إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الدبلوماسية وفهم الثقافات الأخرى.
ضغوط متصاعدة على المزارعين
اقتصاديا، ألقت الحرب الأميركية على إيران بظلالها على القطاع الزراعي، في ظل اضطراب إمدادات الأسمدة العالمية التي يمر نحو خُمسها عبر مضيق هرمز. وقدّر اتحاد مكاتب المزارع الأميركية خسائر مزارعي المحاصيل الرئيسية بنحو 31 مليار دولار خلال العام الحالي، متوقعا ارتفاعها إلى 32 مليار دولار في عام 2027.
ويعمل الكونغرس على إعداد حزمة مساعدات قد تبلغ عشرات المليارات من الدولارات لتخفيف آثار الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج. غير أن هانسن قال إن المساعدات المتوقعة لن تغطي جميع الخسائر، مشيرا إلى أن توقيت صرفها يمثل تحديا للمزارعين الذين يحتاجون إلى شراء الوقود والمستلزمات الزراعية في مواعيد محددة.
وانتقد هانسن اعتماد الولايات المتحدة على الأسواق الخارجية لتوفير بعض المدخلات الزراعية رغم قدراتها في قطاع الطاقة. وقال إن شركات النفط تسارع إلى رفع الأسعار لتمرير تكاليف النقل الإضافية إلى السوق المحلية، مما يزيد الضغوط الواقعة على المنتجين الزراعيين.
انقسامات داخل الحزبين
سياسيا، تجاوزت الانقسامات حدود التنافس التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين لتظهر داخل الحزبين. وقال رئيس منظمة «جمهوريون في الخارج» في بريطانيا غريغ سوينسون إن التحول داخل الحزب الجمهوري سبق صعود دونالد ترمب، وبدأ مع ظهور «حزب الشاي» عام 2009، معتبرا أن ترمب أعاد طرح مبادئ تشمل الحرية الاقتصادية وتقليص تدخل الحكومة و«السلام من خلال القوة».
وفي الحزب الديمقراطي، قال المستشار براد بانن إن التيار التقدمي يضم فئات أصغر سنا ويتبنى مواقف أكثر ليبرالية في الرعاية الصحية والسياسة الخارجية. وأضاف أن التقدميين أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين في غزة من الديمقراطيين التقليديين الذين يميلون إلى دعم إسرائيل.
ويتوقع أن يتركز التنافس المقبل على هوية الحزبين، ومستقبل التيار المحافظ، وموقع التقدميين داخل الحزب الديمقراطي، إلى جانب تداعيات حروب الشرق الأوسط. ورأى بانن أن الحرب لا تحظى بتأييد واسع بين الناخبين الأميركيين، وأن الموقف من ترمب ومستوى شعبيته سيكونان عاملين أساسيين في رسم ملامح انتخابات عام 2028.