يترقب فلسطينيون يقيمون في القاهرة فتح طريق للعودة إلى غزة أو خروج أقاربهم منها، بعد أن فرّقت الحرب عائلاتهم وخلّفت قتلى ومفقودين ومنازل مدمرة. وتقول أرقام السلطة الفلسطينية إن أكثر من 100 ألف فلسطيني غادروا القطاع خلال الحرب ما زالوا خارجه، فيما ارتبطت مغادرتهم بالحاجة إلى الأمان أو العلاج أو استكمال الدراسة.
ثلاث عائلات تنتظر العودة إلى غزة
وتجسد تجارب عمر الحساينة وأبو محمد المشهراوي وأبو تامر مشتهى جانباً من معاناة العائلات التي لم تنتهِ بمغادرة القطاع. فعلى الرغم من اختلاف ظروف الرجال الثلاثة وحجم خسائرهم، يجمعهم انتظار العودة إلى حياة يدركون أنها ستكون محاطة بالدمار والنزوح وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
وصل عمر الحساينة إلى القاهرة بعدما فقد زوجته وأربعة من أبنائه البالغين وأربعة من أحفاده، بينهم رضيع لم يتجاوز عمره بضعة أشهر. ووفقاً للسلطات الفلسطينية، قُتل نحو 308 أشخاص من أفراد عائلته الممتدة في غارات إسرائيلية دمرت مباني سكنية في مدينة غزة كانوا قد تجمعوا فيها بحثاً عن الأمان، وذلك في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وفي أغسطس/آب الماضي، شاهد الحساينة من القاهرة، عبر تسجيل مصور، مراسم دفن 112 من أقاربه بعد انتشال جثامينهم من تحت الأنقاض. ولا يزال عشرات من أفراد العائلة في عداد المفقودين، بينما توزع الناجون بين مصر وتركيا وقطاع غزة. ومن بين من بقوا في القطاع إحدى بنات الحساينة مع أطفالها الخمسة، بعدما فقدت زوجها.
خسائر الحساينة وتمسك المشهراوي بالعودة
وفي القاهرة، باع الحساينة بعض البضائع التي نجت من نشاطه التجاري لتأمين نفقات إقامته، على أمل أن تستقر الأوضاع ويبدأ مسار إعادة الإعمار، بما يتيح له العودة واستئناف عمله. أما أبو محمد المشهراوي، فكان موجوداً في مصر لتلقي العلاج قبل اندلاع الحرب.
وتمكن لاحقاً من إخراج اثنين من أبنائه كي يواصلا دراستهما، لكن زوجته وبقية أفراد أسرته ظلوا في غزة، بعدما رفضوا المغادرة رغم الإصابات التي تعرض لها بعضهم. وقال أبو محمد إن عائلة المشهراوي فقدت 55 من أبنائها، وإن زوجته كانت من بين المصابين. وعلى الرغم من تدمير منزله وتوقف عمله، يؤكد تمسكه بالعودة للالتحاق بزوجته وأبنائه ووالده، ومشاركتهم الأعباء التي فرضتها ظروف الحياة في القطاع.
ووصف أبو محمد الواقع داخل غزة بأنه معاناة متراكمة، تشمل تدمير البنية التحتية وتكدس الركام وما يصاحبه من مخاوف التلوث وانتشار القوارض والأمراض. وأضاف أن استمرار القصف يجعل الإقامة في الخيام والمناطق المزدحمة بالنازحين بعيدة عن الأمان، حتى بالنسبة إلى من نجوا من الغارات السابقة.
أبو تامر ينتظر إخراج زوجته ووالدته
ويروي أبو تامر، وهو من عائلة مشتهى، أن موجة قصف وصفها بأنها «حزام ناري» طالت حياً كاملاً. وبحسب شهادته، أودى القصف بحياة نحو 250 شخصاً من أفراد عائلته وأصهارهم في ضربة واحدة، في واحدة من أكبر الخسائر التي تعرضت لها عائلته خلال الحرب. ويتلقى أبو تامر العلاج في مصر، بينما يقول إنه ينتظر منذ نحو عام ونصف العام إخراج زوجته ووالدته المريضة من غزة.
وبحسب روايته، انتقلت أسرته من حياة ميسورة إلى الإقامة في خيمة ومواجهة شظف العيش، بعدما خسرت ممتلكاتها ومصادر معيشتها. ومع إبدائه التقدير لاستضافة مصر له، يرى أبو تامر أن لمّ شمل أسرته يبقى مطلبه الأكثر إلحاحاً. ويأمل في إتاحة خروج زوجته ووالدته من أجل العلاج، أو تمكينه من العودة إليهما إذا تعذر خروجهما من القطاع.
من جهته، رفض أبو محمد اعتبار السماح بعبور أعداد محدودة من المرضى مؤشراً إلى عودة الحركة الطبيعية عبر المعبر. وقال إن أحد المصابين من أفراد أسرته ينتظر السفر لتلقي العلاج منذ ثمانية أشهر، بينما سجل هو طلباً للعودة قبل نحو عام وشهرين، من دون أن يحصل على موعد مؤكد.
العودة الواسعة مرتبطة بمستقبل القطاع
وعاد نحو سبعة آلاف فلسطيني إلى غزة، وفق أرقام نقلتها رويترز، لكن العودة على نطاق واسع لا تزال مرتبطة بتسهيل حركة العبور واتضاح مستقبل القطاع. وبالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين الموجودين خارجه، لا تقتصر العودة على اجتياز الحدود، بل تتطلب ظروفاً تسمح باستئناف العمل والدراسة والعلاج والعثور على مأوى.
وبعد نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60 بالمائة من أراضي قطاع غزة، وتشن غارات شبه يومية. وفي المقابل، تسيطر حركة حماس على معظم المناطق التي يقيم فيها الفلسطينيون داخل القطاع. ويعيش كثير من سكان غزة في ملاجئ مؤقتة، وسط إمدادات تقول وكالات الإغاثة إنها غير كافية، ومن دون أفق قريب لبدء إعادة الإعمار.
وبينما ينتظر الحساينة فرصة استئناف حياة فقد فيها معظم أفراد أسرته، يسعى أبو محمد وأبو تامر إلى الوصول إلى ذويهما وتقاسم أعباء البقاء معهم.