خلصت دراسة حديثة إلى أن الضوضاء الداخلية في شبكات الخلايا العصبية لا تفرض بالضرورة سقفاً ثابتاً على كمية المعلومات التي يستطيع الدماغ تمثيلها، خلافاً لما افترضته نماذج رياضية ودراسات على مدى نحو 30 عاماً.
الدراسة تعيد تقييم سقف المعلومات العصبية
وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية «ساينس أدفانسز»، أن قدرة شبكات الخلايا العصبية في أدمغة الثدييات يمكن أن تستمر في الارتفاع مع زيادة عدد الخلايا المشاركة، وإن كانت مساهمة كل خلية إضافية تتراجع تدريجياً. وتتناول الدراسة سؤالاً أساسياً في علم الأعصاب يتعلق بكيفية تحويل نشاط آلاف الخلايا العصبية ما تلتقطه العين إلى صورة واضحة ومفهومة، مثل إدراك غصن تحركه الرياح أو تمييز التفاصيل الدقيقة في لوحة فنية.
ويتمثل السؤال في ما إذا كانت الشبكات العصبية تبلغ نقطة لا تعود بعدها إضافة خلايا جديدة مفيدة، أم أن اتساع الشبكة يسمح دائماً بتمثيل قدر أكبر من المعلومات. وقال هيدياكي شيمازاكي، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات العليا للمعلوماتية بجامعة كيوتو اليابانية، إن حسم هذه المسألة كان يتطلب الاعتماد على بيانات تجريبية واقعية.
وأوضح أن التقنيات المتاحة خلال السنوات الأخيرة باتت قادرة على تسجيل نشاط ألف خلية عصبية أو أكثر في الوقت نفسه، وهو ما أتاح للباحثين متابعة كيفية تزايد المعلومات مباشرة كلما ارتفع عدد الخلايا المشاركة في المعالجة.
وانطلق الافتراض المتشائم الذي ساد كثيراً من الدراسات السابقة من أن الخلايا العصبية ليست وحدات حاسوبية مستقلة ومعزولة، بل وحدات بيولوجية مترابطة تعمل داخل بيئة كيميائية وتؤثر بعضها في بعض.
وبموجب هذا التصور، يمكن للتقلبات العشوائية أو الضوضاء التي تصيب نشاط خلية واحدة أن تنتقل إلى الخلايا المجاورة، ثم تتراكم إلى درجة تجعل إضافة مزيد من الخلايا غير قادرة على زيادة المعلومات المتاحة. ولاختبار هذا الافتراض، ركز الفريق البحثي على القشرة البصرية الأولية لدى الثدييات، وأعاد تحليل سجلات تجريبية دقيقة لنشاط نحو 20 ألف خلية عصبية في أدمغة خمسة فئران.
وتُستخدم القشرة البصرية لدى الفئران نموذجاً بيولوجياً لدراسة المبادئ الرياضية العامة التي تحكم معالجة الصور في أدمغة الثدييات. وشرح شيمازاكي أن الخلية العصبية في القشرة البصرية لا تقدم الاستجابة نفسها في كل مرة تُعرض فيها الصورة ذاتها على الحيوان. ويُطلق على التباين بين استجابة وأخرى اسم «الضجيج العصبي».
الضجيج المشترك يبطئ المعلومات ولا يحجبها
وفي المقابل، يؤدي تغيير الصورة بدرجة طفيفة إلى تغير متوسط نشاط الخلايا العصبية، ويشكل هذا التغير الإشارة التي يعتمد عليها الدماغ للتمييز بين صورتين. وأظهرت التحليلات الرياضية أن التذبذبات المشتركة بين الخلايا لا تتراكم في صورة كتلة عشوائية تسد مسار الإشارة البصرية، كما كان يُعتقد سابقاً.
وقال شيمازاكي إن بيانات الفئران الخمسة وضعتها جميعاً ضمن فئة «استمرار تزايد المعلومات»، موضحاً أن الضجيج المشترك يبطئ نمو المعلومات، لكنه لا يوقفه ما دامت القواعد التي رصدها الباحثون مستمرة في العمل. وبحسب الدراسة، إذا مثّل تغير طفيف في اتجاه الخطوط البصرية إشارة تتحرك في اتجاه محدد، فإن الضوضاء تنتشر داخل فضاء نشاط الخلايا وفق نظام يُعرف رياضياً باسم «ثبات المقياس».
ويعني هذا المفهوم أن الشيء يحتفظ بنمط متماثل بصرف النظر عن اختلاف حجمه. وقال شيمازاكي إن نمط الضجيج المسجل لدى مجموعات الخلايا العصبية الصغيرة والكبيرة يتخذ الشكل نفسه بعد تعديل الحسابات بما يتناسب مع حجم كل مجموعة.
وساعد هذا النمط الباحثين على تفسير سبب استمرار ارتفاع المعلومات حتى مع وجود تذبذبات مترابطة بين أعداد كبيرة من الخلايا. ويمكن تقسيم ضجيج الدماغ، وفق التحليل، إلى عدد محدود من الأنماط القوية عالية الشدة، وقائمة طويلة جداً من الأنماط الضعيفة منخفضة الشدة. وكانت الدراسات السابقة تركز أساساً على سؤال ما إذا كانت الأنماط القوية قادرة على حجب الإشارة التي يحتاج إليها الدماغ.
لكن الفريق وجد، بعد تحديد الشرط الدقيق الذي يمكن أن تصل عنده المعلومات إلى حدها الأقصى، أن الأنماط الضعيفة لا يجوز إغفالها. وأوضح شيمازاكي أن الإشارة تكاد لا تُحجب عندما يوجد نمط ضعيف، ولذلك يستطيع جزء صغير من الإشارة في هذا النطاق حمل قدر كبير من المعلومات.
الأنماط الضعيفة تكشف مسارات الإشارة
وأضاف أن العدد الكبير من الأنماط الهادئة يجعل تأثيرها المجمع قادراً على تحديد النتيجة، مشيراً إلى أن الدراسة أثبتت للمرة الأولى ضرورة فحص النطاق الكامل للضجيج بدلاً من الاقتصار على مكوناته الأقوى. ويمكن تشبيه تدفق البيانات العصبية بشبكة طرق سريعة متعددة الحارات.
فالمسارات الرئيسية قد تشهد ازدحاماً وتذبذبات متزايدة، لكن اتجاه الضوضاء الكبيرة فيها لا يتطابق تماماً مع اتجاه الإشارة البصرية التي يسعى الدماغ إلى التقاطها وتمييزها. وفي موازاة تلك المسارات، تضم الشبكة آلاف الحارات الجانبية الهادئة التي تنخفض فيها الضوضاء إلى مستويات محدودة، وتتعامد هندسياً مع اتجاه الإشارة.
ويتيح هذا الفصل الهندسي بقاء المسارات الهادئة مفتوحة لمرور الإشارة، بحيث تواصل المنظومة العصبية زيادة دقة التمييز الحسي بصورة تراكمية كلما انضمت خلايا عصبية جديدة إلى الشبكة. ولا تعني النتائج أن الدماغ يمتلك قدرة غير محدودة على معالجة المعلومات. فالباحثون يؤكدون أن سعة المعالجة تخضع في الواقع لقيود فيزيائية وبيولوجية.
وقال شيمازاكي إن ما يستطيع النظام البصري استخدامه تحدده في النهاية كمية المعلومات القادمة من العين، لأن الشبكية تضم عدداً محدوداً من الخلايا ولا تنقل إلا قدراً محدوداً من البيانات، كما أن القشرة البصرية نفسها تحتوي على عدد محدود من الخلايا العصبية.
وتشير الدراسة، على نحو أكثر تحديداً، إلى أن الضجيج الداخلي المقاس في القشرة البصرية الأولية لدى الفئران لا يضع وحده سقفاً للمعلومات، بشرط استمرار القواعد المرصودة. وتصبح مساهمة كل خلية إضافية أقل قليلاً من مساهمة الخلية السابقة، في نمط يشبه درجاً تتناقص ارتفاعات درجاته لكنه يظل صاعداً، بدلاً من الوصول إلى حاجز مطلق يمنع أي زيادة أخرى.
نتائج الدراسة تفتح تطبيقات للذكاء الاصطناعي
وقد تمتد تطبيقات هذه النتائج إلى ما وراء علم الأعصاب النظري، إذ توفر تصوراً يمكن أن يستفيد منه مهندسو الذكاء الاصطناعي ومطورو الشبكات العصبية الاصطناعية عند تصميم خوارزميات تعلم آلي تقاوم التشويش الداخلي وتظل قابلة للتوسع بكفاءة.
كما قد تسهم في تطوير واجهات الدماغ والحاسوب والأطراف العصبية التعويضية، من خلال تدريبها على استخراج الأنماط الحسية من المسارات الهادئة وتجنب التعثر في الضوضاء الكهربائية.