العودة للرئيسية
أخبار

دراسة تكشف سر النغمات العالية في غناء ليمور الإندري

أظهرت دراسة على حيوانات الإندري البرية في شرق مدغشقر أنها توسع فتحة الفم بالتزامن مع ارتفاع نبرة أغانيها، في نمط يشبه تقنية يستخدمها المغنون المدرّبون. واعتمد الباحثون على التعلم العميق لتحليل حركة الوجه، لكنهم أكدوا أن النتائج لا تثبت أن الحيوان يضبط صوته بصورة واعية.

••4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
ليمور إندري أسود وأبيض يجلس على غصن بين أوراق الأشجار.

كشفت دراسة جديدة أن حيوان الإندري، وهو من أشهر حيوانات الليمور المغنية في مدغشقر، يفتح فمه بدرجة أكبر كلما ارتفعت نبرة صوته، في سلوك يقارب إحدى التقنيات التي يستخدمها المغنون البشر، ولا سيما مغنو الأوبرا، عند أداء النغمات العالية. وقد تساعد هذه الحركة الإندري على تقوية صوته ونقله لمسافات أبعد عبر الغابات الكثيفة.

الإندري ينسق فتح فمه مع النبرة

وقدمت الدراسة، المنشورة في 21 سبتمبر/أيلول في مجلة «بلوس كومبيوتاشيونال بيولوجي»، أول دليل مباشر على أن الإندري البري ينسق مقدار فتح فمه مع تردد الأغنية التي يصدرها. وأظهرت النتائج أن حركة الفم ليست عشوائية، بل تتغير بصورة منتظمة مع ارتفاع النبرة، بما يتوافق مع عملية تعرف باسم «ضبط القناة الصوتية».

وفي هذه العملية، يغير الحيوان شكل الفم والحلق بطريقة تسمح لتجاويف القناة الصوتية بتعزيز ترددات معينة. ويعني ذلك أن الصوت لا يعتمد فقط على النغمة التي تنتجها الحنجرة، بل يتأثر أيضا بالشكل الذي تتخذه القناة الصوتية أثناء الغناء، وما ينتج عنه من تغيرات في الرنين.

تتبع حركة الوجه يكشف آلية الغناء

وقال فيليبو كاروجاتي، الباحث في العلوم البيولوجية بجامعة تورينو والمؤلف الأول للدراسة، إن تقنية تتبع حركة الوجه في المقاطع المصورة مكنت الفريق من دراسة الأصوات التي يصدرها الإندري والحركات الجسدية المصاحبة لها معا. وأتاحت الطريقة تتبع الوجه والفم شبه إطار بإطار، ثم ربط الحركة مباشرة بالتغيرات في طبقة الصوت، وهي معلومات لا يمكن الحصول عليها من التسجيل الصوتي وحده.

أغاني الإندري للتواصل وتحديد المناطق

وأوضح كاروجاتي أن الإندري يستخدم أغاني طويلة ومعقدة للتواصل بين أفراد المجموعة الواحدة، وكذلك للإعلان عن المنطقة التي تعيش فيها المجموعة أمام المجموعات المجاورة. ويتطلب تحليل هذه الأغاني في البيئة الطبيعية مراقبة حيوانات تتحرك وتغني بين الأغصان وعلى ارتفاعات كبيرة، وهو ما يجعل القياس المباشر لحركة الفم مهمة صعبة.

وللتغلب على هذه الصعوبة، استخدم الفريق برنامجا يعتمد على التعلم العميق لتحديد مجموعة من النقاط على وجه الإندري تلقائيا، من بينها الشفتان والعينان والأنف وزوايا الفم. ثم قاس الباحثون المسافة بين الشفة العليا والشفة السفلى في كل لحظة، وربطوا مقدار فتح الفم بالتردد الأساسي للصوت المسجل في اللحظة نفسها.

3598
لقطة قابلة للتحليل

وبعد تنقية التسجيلات واستبعاد اللقطات التي حجبت فيها الأوراق أو الأغصان أجزاء من الوجه، حصل الفريق على 3598 لقطة قابلة للتحليل، مأخوذة من 23 مقطعا مرئيا تخص 12 حيوانا. وقارن الباحثون فتحة الفم بالتردد الأساسي للصوت، وهو المقياس الفيزيائي المرتبط بما يدركه الإنسان على أنه ارتفاع النبرة أو انخفاضها.

ارتباط واضح بين التردد وفتحة الفم؟عل

وأظهرت المقارنة علاقة واضحة بين المتغيرين؛ فكلما ارتفع التردد الأساسي اتسعت فتحة فم الإندري. كما لم يرصد الباحثون اختلافا مهما بين الذكور والإناث في هذه العلاقة، وهو ما يشير إلى أن النمط المكتشف لا يقتصر على جنس واحد داخل هذا النوع.

ويرى كاروجاتي أن ما يفعله الإندري يشبه التقنية التي يتبعها المغنون المدرّبون، وخاصة عند أداء النغمات المرتفعة، إذ يغير المغني شكل الفم والقناة الصوتية لكي تتوافق ترددات الرنين بصورة أفضل مع النغمة التي تنتجها الحنجرة.

لكنّ هذا التشابه لا يعني أن الإندري تعلم تقنية الغناء البشرية نفسها أو يستخدمها بوعي؛ بل يشير إلى أن نوعين تفصل بينهما عشرات الملايين من السنين ربما وصلا بصورة مستقلة إلى حل صوتي متشابه

فقد سجل الفريق ارتباطا بين اتساع فتحة الفم وارتفاع تردد الصوت، كما بينت نماذج المحاكاة التي صممها الباحثون أن هذا التغير يمكن أن يؤثر في رنين القناة الصوتية، إلا أن تلك النتائج لا تثبت أن الحيوان يتعمد تعديل شكل فمه للوصول إلى نتيجة صوتية محددة.

وتضمنت الدراسة قيودا تقنية، إذ اعتمدت القياسات على تسجيلات ثنائية الأبعاد لحركة تجري في ثلاثة أبعاد، ما يجعل تقدير فتحة الفم قابلا للتأثر بزاوية الرأس والمسافة بين الحيوان والكاميرا. كذلك تسببت الأوراق والأغصان وتغيرات الإضاءة في أخطاء ببعض اللقطات، واضطر الباحثون إلى فحص البيانات واستبعاد الأجزاء التي لم تكن موثوقة.

وأكد الفريق أن فتح الفك ليس العامل الوحيد القادر على تغيير الصوت، إذ يمكن للشفتين والبلعوم وأجزاء أخرى من القناة الصوتية أن تسهم في تشكيل الرنين. ويصعب اختبار بعض هذه العوامل مباشرة، خصوصا أن الإندري من الأنواع المهددة بشدة بالانقراض، ولا يمكن إخضاعه لتجارب تشريحية واسعة.

وبحسب كاروجاتي، لم تتلق الدراسة أي تمويل مخصص، فيما أعلن مؤلفوها عدم وجود تضارب في المصالح.