العودة للرئيسية
أخبار

بريطانيا تعيد فتح خيارات علاقتها بأوروبا بعد عقد على استفتاء بريكست

فتح رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام باب دراسة مسارات متعددة للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، من الإبقاء على الوضع الحالي إلى استعادة العضوية الكاملة. ويأتي النقاش قبل قمة مرتقبة في نوفمبر، وسط تحول في استطلاعات الرأي وترحيب أوروبي، مقابل اعتراضات داخلية وتعقيدات تتعلق بشروط أي انضمام جديد.

••7 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تظهر ساعة بيغ بن في لندن خلف علم الاتحاد الأوروبي وعلم المملكة المتحدة المرفوعين في السماء.

عادت علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي إلى صدارة النقاش السياسي بعد مرور عشرة أعوام على استفتاء بريكست، إذ دعا رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إلى دراسة جميع الخيارات المتاحة لمستقبل العلاقة مع بروكسل، بما يشمل الإبقاء على الترتيبات الحالية أو العودة إلى الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة، وصولاً إلى احتمال إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد.

ولا تمثل تصريحات بيرنهام إعلاناً عن قرار فوري بإعادة بريطانيا إلى التكتل الأوروبي، لكنها توسع نطاق النقاش الرسمي بشأن الخيارات التي يمكن أن تسلكها لندن.

بيرنهام يطرح العضوية الكاملة ضمن الخيارات

وقال رئيس الوزراء إن على بلاده بحث مستقبل علاقتها بالشركاء الأوروبيين، ودراسة المسارات المختلفة، بما في ذلك خيار «الذهاب إلى النهاية» واستعادة العضوية الكاملة. وكان بيرنهام قد اعتبر في تصريحات سابقة أن الأضرار الناجمة عن بريكست تجاوزت فوائده، وأن مغادرة الاتحاد الأوروبي لم تحقق الوعود التي رافقت حملة الانفصال.

ورأى أن بريطانيا أصبحت أضعف من الناحية الاقتصادية، وكذلك في قدرتها على التعامل مع ملف الهجرة، الذي كان أحد المحاور الرئيسية في حملة الخروج. ومن المنتظر أن يقدم رئيس الوزراء البريطاني تصوراً للخيارات المختلفة بالتزامن مع القمة المقررة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في نوفمبر المقبل.

51.9%
صوتوا لمغادرة الاتحاد الأوروبي

ومع ذلك، تشير التقديرات الواردة إلى أن أي إجراءات رسمية باتجاه العودة قد لا تبدأ قبل الانتخابات العامة المقبلة، المقرر إجراؤها بحلول منتصف عام 2029. ويعيد هذا النقاش فتح ملف بدأ في 23 يونيو 2016، عندما أيد 51.9% من المشاركين في الاستفتاء مغادرة الاتحاد الأوروبي، مقابل 48.1% صوتوا لمصلحة البقاء.

وبلغت نسبة المشاركة في ذلك الاقتراع 72.2% من الناخبين، في نتيجة قسمت المجتمع والسياسة البريطانيين وأطلقت مساراً تفاوضياً استمر عدة سنوات. وركزت حملة الخروج آنذاك على استعادة السيطرة على القوانين والحدود وسياسات الهجرة، إلى جانب الاعتراض على طبيعة علاقة بريطانيا بمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

واختصرت الحملة هذه الأهداف في شعار «استعادة السيطرة»، الذي أصبح أحد أبرز العناوين السياسية المصاحبة للاستفتاء وما تلاه من خلافات داخلية. وفي 29 مارس 2017، بدأت لندن عملية الانسحاب رسمياً عبر تفعيل المادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.

وأعقب ذلك سنوات من المفاوضات والتأجيلات والصراع السياسي داخل البرلمان البريطاني بشأن اتفاق الخروج، وترتيبات العلاقة التجارية، والقواعد التي ستنظم مرحلة ما بعد العضوية. وغادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي رسمياً في 31 يناير 2020، قبل أن تدخل مرحلة انتقالية استمرت حتى نهاية العام ذاته.

وفي 31 ديسمبر 2020، انتهت تلك المرحلة وغادرت بريطانيا السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، لتبدأ علاقة تجارية وسياسية جديدة مع التكتل وفق ترتيبات ما بعد بريكست.

بريكست يترك آثاراً مستمرة بعد الانسحاب

ورغم اكتمال الانسحاب، لم يختف بريكست من النقاش البريطاني، إذ ظلت آثاره الاقتصادية والسياسية موضع خلاف مستمر، ولا سيما ما يتعلق بالتجارة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أكبر شريك اقتصادي لبريطانيا. كما استمر الجدل بشأن مدى تحقق الوعود التي قدمها مؤيدو المغادرة خلال حملة الاستفتاء. وتشير استطلاعات الرأي بعد عقد على التصويت إلى تغير ملحوظ في المزاج العام.

غير أن مستوى التأييد انخفض بصورة كبيرة عندما تضمنت الأسئلة شروط العودة المحتملة، ومن بينها عدم استعادة الامتيازات والاستثناءات التي كانت لندن تتمتع بها قبل خروجها من التكتل. كما خلصت دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن نحو ثلاثة أرباع البريطانيين يريدون علاقة أكثر قرباً مع الاتحاد الأوروبي.

وفي استطلاع شمل عدداً من الدول الأوروبية، أيد 66% من مواطني الدول المشاركة عودة بريطانيا إلى عضوية الاتحاد، ما يشير إلى وجود قبول أوروبي واسع للفكرة من حيث المبدأ. ولا تعني هذه النتائج وجود تأييد بريطاني أو أوروبي غير مشروط لإعادة العضوية.

فطبيعة الالتزامات التي قد تقبل بها لندن، ومدى خضوعها للقواعد والسياسات المشتركة، تظلان عاملين مؤثرين في مواقف الناخبين البريطانيين ومواطني الدول الأعضاء، إلى جانب التفاصيل الاقتصادية والسياسية لأي اتفاق محتمل. ولم تبدأ الدعوات إلى إعادة الانضمام مع تصريحات بيرنهام، بل اتسع حضورها تدريجياً في الساحة السياسية البريطانية خلال السنوات الأخيرة.

دعم سياسي وأوروبي لتقارب بريطاني أوسع

وكان رئيس الوزراء الأسبق توني بلير من أبرز الداعمين لهذا التوجه، إذ دعا في سبتمبر إلى أن تعمل بريطانيا من أجل العودة إلى الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام العشرة المقبلة. ووصف مسؤولون بارزون في حزب العمال بريكست في وقت سابق بأنه خطأ، بينما فضل آخرون اتباع مسار تدريجي يبدأ بالاقتراب من السوق الأوروبية والاتحاد الجمركي، بدلاً من التوجه مباشرة نحو العضوية الكاملة.

وفي هذا السياق، ترفع تصريحات بيرنهام مستوى النقاش من تحسين الروابط إلى إدراج إعادة الانضمام ضمن الخيارات المطروحة للدراسة. وعلى الجانب الأوروبي، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام بريطانيا.

كما أبدى، خلال زيارته الأخيرة إلى المملكة المتحدة، استعداداً لدعم عملية إعادة ضبط العلاقات بين لندن والاتحاد الأوروبي، في موقف يعكس ترحيب باريس بتقارب بريطاني أوروبي أوسع. ولم تكن فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي أبدت انفتاحاً على عودة بريطانيا.

فقد قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن مدريد ستدعم «بالتأكيد» عضوية بريطانيا إذا قررت لندن إطلاق عملية جديدة للانضمام، ما يضع إسبانيا ضمن الدول التي أعلنت بوضوح استعدادها لتأييد هذا المسار. ووصف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب بريطانيا بأنها قد تكون مرشحة للعضوية، وقال إن أوروبا «تفتقد» صوتها البريطاني.

وفي مايو الماضي، دعا حزب الخضر الأوروبي رسمياً المملكة المتحدة إلى إعادة الانضمام إلى الاتحاد، في مؤشر إضافي إلى اتساع النقاش بشأن العودة داخل الأوساط السياسية الأوروبية. وفي فرنسا أيضاً، دعا رئيس الوزراء السابق جابرييل أتال في يونيو الماضي إلى عودة بريطانيا، ووصف بريكست بأنه كان كارثياً.

وشدد أتال على أهمية المملكة المتحدة بالنسبة إلى أمن أوروبا، وعلى دورها في الملفات الدفاعية والاستراتيجية، وهي اعتبارات تتجاوز العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين. لكن الانتقال من طرح الفكرة إلى تنفيذها سيستلزم مساراً طويلاً ومعقداً.

العودة تتطلب مفاوضات وشروط عضوية جديدة

فالعودة لن تتم بمجرد التراجع عن نتيجة استفتاء 2016، وإنما ستتطلب عملية انضمام جديدة، إلى جانب مفاوضات مع الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن شروط العضوية والالتزامات القانونية والسياسية والاقتصادية التي ستتحملها لندن.

وتتركز إحدى أبرز العقبات في وضع الاستثناءات التي تمتعت بها بريطانيا قبل بريكست، ومن بينها بقاؤها خارج منطقة اليورو ومنطقة شنغن. وتبين استطلاعات الرأي أن التأييد البريطاني للعودة ينخفض عندما يُطلب من المشاركين تصور عضوية جديدة لا تشمل الامتيازات السابقة التي احتفظت بها المملكة المتحدة خلال عضويتها الأولى.

وفي فرنسا وألمانيا، أظهرت استطلاعات «يوغوف» أن غالبية المؤيدين لعودة بريطانيا ترى ضرورة التزامها بالسياسات الأوروبية الرئيسية. ويعني ذلك أن الترحيب بإمكان استعادة العضوية لا يساوي بالضرورة قبول إعادة الشروط والاستثناءات نفسها التي كانت مطبقة قبل الانسحاب.

وبين الوضع الحالي والعضوية الكاملة، توجد نماذج أخرى قد تدخل ضمن الخيارات البريطانية، منها العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي. ويمكن أيضاً بحث صيغة قريبة من علاقة الاتحاد الأوروبي بدول مثل النرويج أو سويسرا، بما يمنح بريطانيا مستويات متفاوتة من الوصول إلى السوق الأوروبية مقابل الالتزام بقواعد وترتيبات مشتركة. وفي الداخل البريطاني، واجهت تصريحات بيرنهام اعتراضات سياسية.

واتهم حزب «ريفورم يو كيه» رئيس الوزراء بمحاولة إعادة بريطانيا إلى بروكسل «من الباب الخلفي»، بينما حذر معارضون من أن إعادة طرح العضوية قد تجدد الانقسام السياسي والاجتماعي الذي أحدثه استفتاء عام 2016. كما تظهر مواقف أكثر حذراً داخل المعسكر المؤيد لتوثيق الروابط الأوروبية.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحسين التعاون العملي مع الاتحاد الأوروبي، بدلاً من تحويل العضوية الكاملة إلى معركة سياسية جديدة. ولذلك يبقى التمييز قائماً بين المطالبة بعلاقة أوثق واتخاذ قرار رسمي ببدء عملية الانضمام.

وتضع رؤية بيرنهام عدة مسارات أمام بريطانيا، تبدأ باستمرار الوضع القائم، وتشمل العودة إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة، وتنتهي باستعادة العضوية الكاملة. وفي المقابل، أبدت عواصم أوروبية استعداداً أكبر لمناقشة علاقة أوثق، مع تمسك واضح بأن أي انضمام جديد سيخضع لمفاوضات وشروط جديدة.

وستشكل القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة في نوفمبر المحطة التالية في هذا المسار، إذ يُنتظر أن تتزامن مع عرض رئيس الوزراء تصوره للخيارات الممكنة. أما أي تحرك رسمي نحو العضوية الكاملة، فيظل مرتبطاً بالنقاش الداخلي وشروط الاتحاد الأوروبي والجدول السياسي الممتد حتى الانتخابات العامة المقررة بحلول منتصف عام 2029.