العودة للرئيسية
أخبار

أزمة المياه في غزة تتفاقم وسط شح الإمدادات ومخاطر التلوث

يواجه معظم سكان قطاع غزة صعوبة متزايدة في الحصول على المياه، مع تراجع إنتاج محطات التحلية وتعطل غالبية الآبار وتضرر شبكات التوزيع. وتظهر بيانات أممية ورسمية أن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، بينما يهدد ضخ المياه الجوفية وتصريف مياه الصرف غير المعالجة جودة الخزان الساحلي.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
صبي يحمل زجاجتين بلاستيكيتين ويجمع الماء من مجرى ضحل قرب أرصفة ومتاجر مغلقة في غزة.

تتفاقم أزمة المياه في قطاع غزة مع انخفاض الكميات المتاحة وتضرر شبكات التوزيع وتراجع قدرة الآبار ومحطات التحلية على العمل، في وقت تظهر فيه أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» أن نحو 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، وأن نحو 70% من السكان لا يستطيعون الوصول إلى الحد الأدنى البالغ 6 لترات للفرد يوميا للشرب والطهي.

في أحد مخيمات النزوح، يكفي صوت بوق شاحنة المياه صباحا لدفع السكان إلى الخروج من خيامهم حاملين القرب والجالونات الفارغة. يتسابق الجميع إلى الشاحنة التي تصل مرة واحدة خلال اليوم، وسط مخاوف من نفاد حمولتها قبل أن يحصل المنتظرون على حاجتهم.

كانت فاطمة معروف بين الواقفين في الطابور تحت الشمس، مرتدية ملابس الصلاة وتحمل قربتي ماء. وبعد انتظار استمر نحو نصف ساعة، وصل دورها لتسمع من صاحب الشاحنة: «ما إلك نصيب.. المي خلصت».

وبدلا من العودة إلى خيمتها، واصلت البحث سيرا حتى بلغت محطة «سرداح» لتحلية المياه في منطقة جباليا، على مسافة تقارب 100 متر، لتأمين ما تحتاج إليه أسرتها. تعيش فاطمة أرملة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بعدما استشهد زوجها خلال الشهر الثاني من الحرب، وترك لها 4 أطفال، أكبرهم في الثامنة.

ولا ينتهي بحثها اليومي عند تأمين مياه الشرب، إذ تنتظر أيضا موعد تشغيل البئر التي يعتمد عليها سكان المنطقة، ثم تحمل جالونا آخر للحصول على مياه مالحة تستخدمها في غسل الأواني والملابس والتنظيف وتلبية بقية احتياجات الخيمة.

وبذلك تنقسم مهمتها اليومية بين البحث عن مياه صالحة للشرب وتأمين مياه أخرى لبقية الاستخدامات. وتستغرق الرحلتان الساعات الأولى من يومها، في ظل محدودية مصادر الإمداد والازدحام المتكرر عند الشاحنات والآبار ومحطات التحلية. وفي وسط قطاع غزة، يتنقل المسن مصلح ياسين حاملا قربتي ماء بين سيارات التوزيع ومحطات التحلية.

ويبحث ياسين عن الماء لابنيه المصابين الموجودين في المستشفى، ولحفيده الذي تحتاج أسرته إلى المياه لإعداد الحليب، وليس لأعمال غسل الملابس أو تنظيف مكان الإقامة. ويقول ياسين إنه لا يملك المال اللازم لشراء المياه، ولذلك يواصل الانتقال بين محطات التحلية بحثا عن كمية تكفي أسرته.

وخلال رحلته يرى سيارات وشاحنات متوقفة عن العمل بسبب نقص الزيوت ومستلزمات التشغيل، وهو ما يؤدي إلى خفض الكميات التي يمكن نقلها وتوريدها إلى السكان. أصبحت محطات التحلية وشاحنات نقل المياه جزءا أساسيا من الحياة اليومية في القطاع، بعد تضرر الشبكات ومحدودية وصول الإمدادات إلى الأحياء ومخيمات النزوح.

تراجع إنتاج محطات التحلية ونقص مستلزمات التشغيل

غير أن مسؤول اللجنة الإعلامية لتجمع محطات التحلية في غزة عاطف عودة يقول إن القدرة الإنتاجية لهذه المحطات تراجعت إلى نحو 40% من طاقتها الطبيعية نتيجة نقص مستلزمات التشغيل.

ويوضح عودة أن النقص يشمل فلاتر التحلية والزيوت وقطع الغيار الضرورية، مؤكدا أن المحطات تتولى توفير مياه الشرب لمخيمات النزوح التي تعتمد عليها على نطاق واسع. وطالب بإدخال مستلزمات التشغيل اللازمة حتى تتمكن المحطات من مواصلة إنتاج المياه ونقلها إلى المناطق التي يوجد فيها النازحون. ولا توفر الآبار بديلا مستقرا عن محطات التحلية.

ويقول المواطن طارق الدقس إن سكان شمال غزة يعتمدون على بئر تشغلها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، لكنها تعمل فترات محدودة ولا تضخ كميات كافية. كما يعتمد آخرون على بئر أعيد تأهيلها داخل أحد المساجد، وهي تحتاج بدورها إلى الوقود والزيت والصيانة المستمرة.

تقلص عدد الآبار العاملة في مدينة غزة

ويزيد غياب خزانات المياه لدى عدد من العائلات صعوبة الأزمة، في ظل شح الخزانات وارتفاع أسعارها عندما تتوفر. ويضطر السكان نتيجة ذلك إلى تعبئة الجالونات ونقلها يدويا إلى الطوابق العليا من منازلهم، فضلا عن الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى مصادر المياه والانتظار أمامها. وفي مدينة غزة، تعمل حاليا نحو 28 بئرا فقط من أصل 75 بئرا كانت عاملة قبل الحرب، بحسب بيانات البلدية.

وحتى الآبار المتاحة تعمل بطاقة محدودة ولساعات قليلة بسبب نقص الكهرباء والوقود، فيما توقفت آبار صفا الرئيسية، التي كانت تغذي مساحة واسعة من المدينة، بعدما أصبحت ضمن ما تسمى منطقة الخط الأصفر. وتعتمد المدينة حاليا على مصدرين رئيسيين، هما خط «ميكوروت» الإسرائيلي والآبار الـ28 التي أعيد تأهيلها.

150 ألف متر طولي
طول شبكات المياه المتضررة

ولا تتجاوز كمية المياه المتاحة 30% من الكمية التي كانت متوفرة قبل الحرب، حين كانت الإمدادات اليومية تقارب 100 ألف متر مكعب. ولا ترتبط المشكلة بالإنتاج وحده، إذ تعرض نحو 150 ألف متر طولي من شبكات المياه للتدمير، ما يحد من وصول الكميات المتاحة إلى السكان حتى عندما تتوفر في مصادرها.

وفي بعض الأحياء، لا تصل المياه إلا مرة أو مرتين أسبوعيا ولساعات محدودة، بينما تعتمد مناطق أخرى على شبكات غير رسمية أو على شاحنات نقل المياه. ويمتد أثر الأزمة إلى الخزان الجوفي، الذي يواجه ضغطا متزايدا مع تراجع المصادر الأخرى وزيادة الاعتماد على الآبار.

الخزان الجوفي يواجه ضغطا ومخاطر تلوث متزايدة

وتقول المصلحة إن زيادة الضخ من الآبار، خصوصا في المناطق الغربية ومناطق تجمع النازحين، تتزامن مع ضعف التغذية الطبيعية للخزان الجوفي وعدم انتظام مصادر المياه المساندة. كما أن معظم المياه الجوفية في القطاع شديدة الملوحة أو غير صالحة للشرب مباشرة. ويتعرض الخزان لضغط إضافي بسبب تضرر منظومة الصرف الصحي وتعطل محطات المعالجة، الأمر الذي يؤدي إلى تصريف مياه غير معالجة في البيئة.

وتقدر المصلحة أن أكثر من 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة تصرف يوميا إلى البحر، إضافة إلى نحو 10 آلاف متر مكعب تتسرب إلى التربة عبر الحفر الامتصاصية. وقد تصل المياه المتسربة عبر تلك الحفر إلى المخزون الجوفي، بما يرفع مخاطر التلوث البيولوجي.

ويأتي ذلك بينما يعتمد السكان بدرجة كبيرة على الآبار، ما يربط بين أزمة الكميات المتاحة ومشكلة جودة المياه وسلامتها للاستخدام. وبعد تدخلات إصلاحية نُفذت خلال الأشهر الماضية، ارتفع متوسط حصة الفرد من المياه لجميع الاستخدامات إلى نحو 28 لترا يوميا، بعدما هبط في بداية الحرب إلى أقل من 5 لترات، وفقا لمصلحة مياه بلديات الساحل.

ومع ذلك، يبقى المتوسط الحالي بعيدا عن مستوى ما قبل الحرب، الذي كان يبلغ نحو 85 لترا للفرد يوميا. ولا تعني الكمية المقدرة أن كل فرد يحصل عليها فعليا، بسبب الأضرار الواسعة التي أصابت الشبكات، والفاقد خلال النقل والتوزيع، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

تفاوت إمدادات المياه بين مناطق القطاع

كما تكشف بيانات المصلحة لمنتصف سبتمبر/أيلول عن تفاوت جغرافي واضح في متوسط الكميات التي تصل إلى السكان. ويبلغ متوسط نصيب الفرد نحو 40 لترا يوميا في شمال غزة، مقابل 23 لترا في مدينة غزة، و34 لترا في المنطقة الوسطى ودير البلح، و25 لترا في خان يونس وشمال غربي رفح.

وتشمل هذه الأرقام جميع الاستخدامات، ولا تقتصر على مياه الشرب والطهي. وتحذر المصلحة من أن استمرار الضخ من الآبار، بالتزامن مع ضعف التغذية الطبيعية للخزان، قد يخفض مناسيب المياه الجوفية ويرفع ملوحتها. وتشمل المخاطر أيضا زيادة احتمال تداخل مياه البحر مع الخزان الساحلي، وارتفاع تركيز بعض الملوثات، واستمرار تراجع جودة المياه.

وترى المصلحة أن الخزان الجوفي لا يمكن أن يظل مصدرا يعتمد عليه بلا حدود، لأن مواصلة الضخ بالمعدلات الحالية في ظل ضعف التغذية ستقود إلى مزيد من التدهور. وتدعو إلى توفير مصادر بديلة، وفي مقدمتها محطات التحلية كبيرة الحجم، إلى جانب إعادة تأهيل الآبار وشبكات المياه المتضررة.

وتتطلب استعادة منظومة المياه، وفق المصلحة، تنفيذ حزمة مترابطة من التدخلات تشمل توفير الطاقة والوقود وقطع الغيار، وإصلاح شبكات النقل والتوزيع وتأهيل الآبار ودعم محطات التحلية. وتشمل الاحتياجات كذلك إعادة تشغيل محطات معالجة الصرف الصحي ومحطات الضخ، لحماية مصادر المياه وتقليل الفاقد ومخاطر التلوث.