سلط انسحاب عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة عند بدء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 24 سبتمبر/أيلول، الضوء على ضغوط دبلوماسية وأزمة أوسع تواجه صورة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام الغربي، خصوصا بين الأجيال الشابة في الولايات المتحدة وأوروبا.
ويتزامن هذا المشهد مع تأثيرات الحرب على غزة والعنف في الضفة الغربية وخطاب نتنياهو المتشدد في نظرة الجمهور الغربي إلى سياسات حكومته. ويزداد أثر هذه التطورات لدى الشباب الذين يتابعون يوميا صور الحرب وتداعياتها عبر الشاشات والمنصات الرقمية، بما يجعل الدفاع عن تلك السياسات أكثر صعوبة أمامهم.
هآرتس تحذر من تراجع المكانة الأمريكية
وذهبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في افتتاحية نشرتها الجمعة إلى أن نتنياهو أوصل مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة إلى «مستوى متدن غير مسبوق». واعتبرت أن سياسات رئيس الوزراء وحكومته ألحقت ضررا بمكانة إسرائيل لدى الأمريكيين، وأن التراجع في التأييد لم يعد مقتصرا على مؤيدي الحزب الديمقراطي، بل امتد إلى قطاعات من الجمهوريين أيضا.
وربطت الافتتاحية هذا التحول بعدة عوامل، من بينها حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود وعنف المستوطنين، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمجتمعات المسيحية في غزة والضفة الغربية.
وركز تحذير الصحيفة بصورة خاصة على الشباب الأمريكي، إذ رأت أن انخفاض التأييد بين الأجيال الأصغر سنا يمكن أن ينعكس مستقبلا على العلاقة مع الولايات المتحدة، وأن تمتد تداعياته إلى أمن إسرائيل نفسه. وفي أوروبا، أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث وشمل 36 دولة، خلال الفترة الممتدة من فبراير/شباط إلى مايو/أيار 2026، أن النظرة السلبية إلى إسرائيل كانت سائدة في جميع الدول الأوروبية التي شملها المسح.
استطلاع بيو يقيس النظرة السلبية أوروبيا
وقال نصف المشاركين أو أكثر في إيطاليا وهولندا وإسبانيا إن نظرتهم إلى إسرائيل «سلبية جدا». وتناول استطلاع بيو مؤشرين منفصلين، أولهما نظرة المشاركين إلى إسرائيل، والثاني مدى ثقتهم بنتنياهو في إدارة الشؤون العالمية.
ولا تثبت هذه البيانات بمفردها أن الموقف من إسرائيل ناتج حصرا من الموقف تجاه رئيس حكومتها، كما أن تراجع الثقة بنتنياهو لا يقدم وحده تفسيرا كاملا لتحول مواقف الجمهور من إسرائيل. ومع ذلك، يشير تزامن النظرة السلبية إلى إسرائيل مع انخفاض الثقة بنتنياهو إلى أن الأزمة تتجاوز خلافا مؤقتا مع حكومة محددة.
فجوة عمرية وأيديولوجية في المواقف
فصورة إسرائيل لدى الرأي العام لا تختزل في شخصية رئيس الوزراء وحده، إلا أن سياسات حكومته وخطابه أصبحا عنصرين بارزين ضمن النقاش المتعلق بمكانتها وقبولها في المجتمعات الغربية. وكشفت دراسة بيو أيضا عن فروق مرتبطة بالعمر في عدد من الدول، معظمها في أوروبا وأمريكا الشمالية، إذ أبدت الفئات الأصغر سنا مواقف أكثر سلبية تجاه إسرائيل مقارنة بالفئات الأكبر.
ففي المجر، قال 72% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما إن لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل، مقابل 45% بين من تبلغ أعمارهم 50 عاما فأكثر. ورصد المركز كذلك فارقا أيديولوجيا واضحا في سبع دول أوروبية هي إسبانيا والسويد وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا وألمانيا.
ففي هذه الدول، كانت النظرة السلبية إلى إسرائيل أكثر انتشارا بين المشاركين الذين يصنفون أنفسهم ضمن اليسار، مقارنة بمن يضعون أنفسهم ضمن اليمين. ولا يمثل انسحاب الوفود من خطاب نتنياهو استفتاء عالميا على سياسات حكومته، كما لا يعني أن إسرائيل فقدت حلفاءها أو علاقاتها الرسمية.
تراجع القبول الشعبي رغم استمرار التحالفات
لكنه يعكس مفارقة بين استمرار تحالفاتها وقدراتها العسكرية الكبيرة من جهة، وتراجع قدرتها من جهة أخرى على إقناع قطاعات واسعة من الجمهور الغربي بإمكان الدفاع عن سياسات حكومتها أخلاقيا وسياسيا. وتختلف الضغوط الواقعة في المجال العام عن العزلة الدبلوماسية المباشرة.
فالعلاقات الرسمية قد تتغير بقرار سياسي أو صفقة أو تبدل في الحكومة، بينما تتكون مواقف الجمهور بصورة تراكمية عبر صور الحرب وخطابات القادة والاحتجاجات والتحركات داخل الجامعات، إلى جانب ما تنشره الصحافة والمنصات الرقمية.
وتبقى علاقات إسرائيل الرسمية مع الدول الغربية أوسع من شخص نتنياهو وحكومته، لكن التحليلات تطرح تساؤلات بشأن أثر تحول اسمه إلى رمز لأزمة صورتها. وتشير افتتاحية هآرتس وبيانات بيو وقراءات صحف غربية للمشهد داخل الأمم المتحدة إلى صراع متزايد على القبول والرواية، في ظل جيل غربي يبدو أقل استعدادا للفصل بين صورة إسرائيل وسياسات حكومتها.
وفي أبريل/نيسان، رأت صحيفة لوموند الفرنسية أن نتنياهو يدفع إسرائيل بعيدا عن حلفائها الأوروبيين والأمريكيين. ووصفت الغارديان خطابه في الأمم المتحدة بأنه جاء وسط احتجاجات وضغوط سياسية وعزلة متصاعدة، فيما تناولت وول ستريت جورنال عودته إلى منصة الجمعية العامة باعتبارها عودة إلى ساحة يعرفها، لكن في وقت بدا فيه أكثر عزلة من السابق تحت ضغط الحرب وتقلص هامش المناورة السياسي.
كما وثقت رويترز مغادرة عشرات المندوبين قاعة الجمعية العامة عند بدء خطاب نتنياهو، من دون تحديد رقم نهائي أو تقديم قائمة رسمية موحدة للوفود المنسحبة.
ويظل هذا المشهد واحدا من مؤشرات متعددة على اتساع الضغوط التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية خارج نطاق علاقاتها الرسمية مع الحكومات الغربية.