وسعت مليشيا فاطميون التابعة للحرس الثوري الإيراني، والمؤلفة أساساً من مقاتلين أفغان، انتشارها خلال الأسابيع الأخيرة في مناطق من محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، قرب الحدود مع أفغانستان وباكستان، فيما أظهرت مقاطع مصورة عناصرها وهم ينفذون تدريبات عسكرية ودوريات مسلحة في المحافظة.
تقارير عن تمركز مئات العناصر في المحافظة
وتحدثت تقارير محلية عن تمركز مئات العناصر في قواعد ومناطق سكنية داخل سيستان وبلوشستان. ونشرت شبكة حال وش الحقوقية الإيرانية مقاطع قالت إنها توثق تحركات للمليشيا، ظهر في أحدثها مسلحون يرتدون الزي العسكري ويتحركون في مرتفعات رودماهي التابعة لمدينة زاهدان قبل أن يتمركزوا فيها.
وأظهر مقطع آخر عناصر من فاطميون وهم يتدربون على استخدام الأسلحة داخل مدرسة للفتيات في منطقة غشت بمدينة سراوان. كما نشرت الشبكة تسجيلاً مصوراً يظهر نقل عشرات الدراجات النارية على متن مركبات إلى قاعدة رودماهي، حيث يتمركز عناصر تابعون للمليشيا.
وفي 11 سبتمبر، قُتل أربعة من عناصر فاطميون أثناء تنفيذ دورية في منطقة رودماهي، بعد تعرضهم لإطلاق نار من مسلحين أحرقوا مركبتهم لاحقاً، وفق رواية شبكة حال وش الحقوقية. وجاءت الواقعة في ظل اتساع التحركات المنسوبة إلى المليشيا في عدد من المناطق الحدودية بالمحافظة. وقالت الشبكة إن المئات من عناصر فاطميون انتشروا في زاهدان وسراوان وزابل وتشابهار، وهي مدن ومناطق تقع ضمن محافظة سيستان وبلوشستان.
انتقادات محلية لوجود مقاتلين أفغان
وأضافت أن الحرس الثوري سلّم هؤلاء العناصر، في بعض المناطق، قواعد تابعة للباسيج كانت تستخدمها قوات محلية. وأثار وجود عناصر أفغان تابعين للمليشيا انتقادات من مولوي عبد الحميد، إمام جمعة أهل السنة في زاهدان.
وتحدث عبد الحميد، خلال خطبة الجمعة في 18 سبتمبر، عن إدخال «قوات أجنبية ووكيلة» إلى سيستان وبلوشستان، داعياً السلطات إلى الاعتماد على سكان المحافظة والقوات المحلية، ومعبراً عن اعتقاده بأن الاعتماد على تلك القوات لن يحقق نجاحاً كبيراً. وتزامن الانتشار مع استعداد مسؤولي المحافظة لتنظيم استعراض واسع تحت اسم «كتائب فدائيو إيران».
وقال المدير العام للشؤون السياسية في سيستان وبلوشستان، غلام رضا كنجي، إن نحو 100 ألف شخص سيشاركون في البرنامج، لكنه لم يقدم تفاصيل عن الوحدات المقرر أن تشارك أو مواقع انتشارها، كما لم يحدد ما إذا كانت فاطميون ضمن المشاركين في الاستعراض. وتعد فاطميون من أبرز المليشيات المرتبطة بفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.
تجنيد اللاجئين وتقديرات حجم فاطميون
وتتكون بصورة أساسية من أفغان، وكان معظم من جرى تجنيدهم في صفوفها من اللاجئين والمهاجرين الأفغان الذين كانوا يقيمون في إيران. وقالت وزارة الخزانة الأميركية، لدى فرضها عقوبات على المليشيا عام 2019، إن الحرس الثوري والباسيج اعتمدا بصورة رئيسية على اللاجئين والمهاجرين الأفغان في إيران لتجنيد مقاتلي فاطميون.
وأضافت أن بعض المجندين تعرضوا لضغوط مرتبطة بوضع إقامتهم أو احتمال ترحيلهم من أجل دفعهم إلى المشاركة في القتال بسوريا. ولا تتوافر إحصائية رسمية دقيقة لحجم المليشيا. ونقلت منظمة هيومن رايتس ووتش عن مقابلة نشرتها وكالة تسنيم الإيرانية تقديراً يشير إلى أن عدد مقاتليها بلغ نحو 14 ألفاً، بينما رفعت تقديرات أخرى العدد إلى نحو 20 ألف مقاتل في ذروة الحرب السورية.
ووثقت المنظمة كذلك مشاركة أطفال أفغان في صفوفها، كان بعضهم لا يتجاوز 14 عاماً. وتعود جذور فاطميون إلى مجموعات من المقاتلين الأفغان الذين سبق أن شاركوا في الحرب الإيرانية العراقية. أما التشكيل بصورته الحديثة فبرز خلال الحرب السورية بقيادة علي رضا توسلي، الذي قُتل في درعا عام 2015.
وتصف تقارير سيد حسن مرتضوي، نائب السفير الإيراني في كابل، بأنه أحد مؤسسي المليشيا ومن الشخصيات التي شاركت في تجنيد المقاتلين الأفغان وتنظيم نشاط فاطميون. كما تصفه بأنه من كبار قادة فيلق القدس الذين تولوا إدارة الملف الأفغاني. ومنذ عام 2013، شاركت فاطميون في عدد من الجبهات الرئيسية للحرب السورية إلى جانب الحرس الثوري وحزب الله وقوات نظام الأسد.
اعتراضات أفغانية على التجنيد والقتال في سوريا؟
وشمل انتشارها جبهات في حلب ودمشق ودرعا وحمص وحماة ودير الزور. وأثارت عمليات تجنيد الأفغان اعتراضات رسمية في كابل. ففي عام 2017، طالبت الحكومة الأفغانية السابقة إيران بوقف تجنيد اللاجئين الأفغان وإرسالهم للقتال في سوريا، ولا سيما بعد ظهور تقارير تتحدث عن ضم أطفال إلى صفوف المليشيا.
وفي العام نفسه، أثار محمد محقق، نائب الرئيس التنفيذي للحكومة الأفغانية آنذاك، انتقادات بعدما أشاد، خلال زيارة إلى طهران، بالمقاتلين الأفغان المشاركين في الحرب السورية وبقائد فيلق القدس قاسم سليماني. وردت الرئاسة الأفغانية بأن تصريحاته لا تمثل موقف الحكومة، وتتعارض مع السياسة الخارجية والمصالح الوطنية والقوانين الأفغانية.
وواجهت تصريحات محقق اعتراضات داخل البرلمان، فيما طالب أعضاء في مجلس الشيوخ بمحاكمته. كما وُجهت إليه لاحقاً اتهامات بدعم عمليات تجنيد أفغان لصالح فاطميون، لكنه لم يُحل إلى المحاكمة أو التحقيق على خلفية اتهامه بالمشاركة في تلك العمليات.
ودخلت المليشيا مرحلة جديدة عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، عندما انسحب عناصرها من مواقعهم في سوريا بالتزامن مع انهيار خطوط القوات الموالية للنظام. وأشارت تقارير أوروبية إلى أن معظم مقاتلي فاطميون غادروا مواقعهم، وأن بعضهم نُقل إلى إيران برفقة عناصر من الحرس الثوري، بينما عبر آخرون إلى العراق أو توجهوا إلى لبنان مع عناصر من حزب الله.
ونقلت تقارير صحفية عن مقاتلين سابقين أن مجموعات من المليشيا وصلت إلى قواعد روسية قبل إجلائها إلى إيران. وفي الوقت نفسه، فقدت عائلات الاتصال بعدد من المقاتلين خلال الانهيار السريع للجبهات، بينما انتقل مئات من عناصر فاطميون إلى العراق بعد سقوط الأسد.
ووفق معهد واشنطن، عبر مقاتلون كانوا موجودين في دير الزور إلى منطقة القائم العراقية، ثم نُقلوا إلى مواقع تابعة للحشد الشعبي، من بينها جرف الصخر ومعسكر أشرف في محافظة ديالى. ورصد المعهد لاحقاً عناصر من المليشيا في معسكر بمحافظة صلاح الدين وقاعدة في طوزخورماتو ومركز تدريب في قضاء بلد.
وشملت المواقع التي أشار إليها المعهد أيضاً معسكرين في جنوب بغداد والرصافة. وقال إن فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران شاركت في تسهيل تحركات عناصر فاطميون بعد انتقالهم من سوريا إلى الأراضي العراقية. وفي أفغانستان، ظل ملف المليشيا حساساً منذ عودة طالبان إلى السلطة.
وفي أغسطس، طلبت سلطات الحركة من سكان محافظة مالستان في ولاية غزني الإبلاغ عن عناصر فاطميون، إذ ينحدر من المنطقة عدد من المقاتلين الذين التحقوا بالمليشيا. وجاء ذلك بالتزامن مع تقارير أفادت بأن إيران طلبت من معارضي طالبان المقيمين على أراضيها وقف عملياتهم ضد الحركة، ومع تأكيدات إيرانية بعدم السماح لأي طرف بمهاجمة حكومة طالبان.
وفي وقت لاحق، دعت السلطات الإيرانية معارضين مسلحين لطالبان إلى المشاركة رسمياً في مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي، بالتوازي مع دعوة كبار مسؤولي الحركة. وأثارت دعوة المعارضين وإقامة مراسم استقبال رسمية لهم استياء طالبان.
وبعد انتقادات واسعة وجهتها وسائل إعلام تابعة للحركة، أعلن نائب السفير الإيراني في كابل، سيد حسن مرتضوي، أن طهران لا تدعم أي تيار سياسي أو عسكري معارض لطالبان، ولا تصنف القتال المسلح ضدها باعتباره «مقاومة». ورحب المتحدث الرسمي باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، بتصريحات مرتضوي، مؤكداً أهمية العلاقات بين الحركة وإيران وعمقها.
ورأى مراقبون أن موقف نائب السفير الإيراني استهدف طمأنة طالبان واحتواء غضبها بعد دعوة معارضيها واستقبالهم في إيران بصفتهم وفداً رسمياً. ويعيد الانتشار في سيستان وبلوشستان فاطميون إلى واجهة النشاط العسكري داخل إيران، بعد سنوات تركز فيها الجزء الأكبر من عملياتها خارج الحدود الإيرانية، وخصوصاً في سوريا.
وتبقى طبيعة المهام التي أُسندت إلى عناصرها في المحافظة المحاذية لأفغانستان وباكستان غير معلنة حتى الآن.