تسببت جولة التصعيد العسكري المستمرة في اليمن في سقوط مئات المدنيين بين قتيل وجريح ودفع عشرات الآلاف إلى النزوح، بالتزامن مع تحذيرات أممية من احتمال انهيار الأمن الغذائي بالكامل. وتقترب أعداد النازحين داخلياً من 5 ملايين شخص، في ظل أزمة تصنفها الأمم المتحدة منذ سنوات ضمن أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ودخل التصعيد الجاري شهره الرابع، في واحدة من أعنف جولات القتال منذ اندلاع الحرب قبل 12 عاماً. وتدور المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله الحوثيين على أكثر من محور، بعد نحو 4 سنوات من الهدوء النسبي على خطوط التماس، بينما لم تنجح الجهود الأممية والدولية والإقليمية في التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة.
الحصيلة الأولية للضحايا والسيطرة الميدانية
وأفادت الحكومة اليمنية بأن 610 مدنيين قتلوا أو أصيبوا منذ بدء التصعيد الأخير، الذي ازدادت حدته خلال سبتمبر/أيلول 2026. وقال وزير حقوق الإنسان مشدل محمد عمر، في كلمة أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، إن الحصيلة الأولية لموجة التصعيد الحوثية بلغت أكثر من 250 قتيلاً مدنياً ونحو 360 مصاباً حتى 30 سبتمبر/أيلول.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قد أعلن في 24 سبتمبر/أيلول أن التصعيد في اليمن، منذ إطلاق الحوثيين موجة جديدة من الهجمات مطلع أغسطس/آب، أوقع ما لا يقل عن 125 مدنياً بين قتيل وجريح.
وأدت عودة المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين إلى فرار عشرات الآلاف من السكان، خصوصاً بعد سيطرة الجماعة في 10 سبتمبر/أيلول على مدينتي حيس والخوخة، اللتين كانتا آخر معاقل الحكومة اليمنية في محافظة الحديدة. وشملت السيطرة أيضاً 4 مديريات في محافظة تعز، من أبرزها مدينة المخا، وصولاً إلى منطقة باب المندب.
وجاءت محافظة لحج في المرتبة الثانية، باستضافتها 7 آلاف و179 أسرة تضم 50 ألفاً و253 فرداً في 9 مديريات. وفي العاصمة المؤقتة عدن، سجلت الوحدة وصول 3741 أسرة تضم 17 ألفاً و782 فرداً، توزعوا على مديريات المحافظة الثماني. أما محافظة أبين، فاستقبلت 2097 أسرة يبلغ مجموع أفرادها 14 ألفاً و679 شخصاً، يقيمون في مخيمات وتجمعات داخل مديريتي خنفر وزنجبار.
وبلغ عدد الأسر المسجلة في محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10 آلاف و297 فرداً في مديريتي حيس والخوخة. ورصدت الوحدة مؤشرات على بدء موجة نزوح ثانوية حديثة لهذه الأسر باتجاه عدن، مشيرة إلى أنها تتابع تحركاتهم وتعمل على تقييم احتياجاتهم الجديدة.
وتوزعت بقية الأسر النازحة على محافظات أخرى، بواقع 412 أسرة في مأرب، و240 أسرة في الضالع، و214 أسرة في حضرموت، و124 أسرة في المهرة، إضافة إلى 116 أسرة في شبوة. وفي تقدير منفصل، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 152 ألف شخص نزحوا نتيجة التصعيد الأخير، بينما فر أكثر من 3700 لاجئ من اليمن باتجاه جيبوتي خلال الفترة الأخيرة.
النزوح يقترب من خمسة ملايين شخص
وكان عدد النازحين داخلياً قبل هذه الجولة من المواجهات يقدر بنحو 4.8 ملايين شخص، ما يدفع العدد الإجمالي إلى الاقتراب من 5 ملايين. وحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الجمعة، من أن استمرار المعارك «يهدد بانهيار الأمن الغذائي بالكامل» في اليمن.
ودعا البرنامج المجتمع الدولي إلى مضاعفة جهوده لتفادي «مستقبل قاتم» إذا واصلت الأوضاع مسارها الحالي. وقال المدير التنفيذي المساعد لعمليات برنامج الأغذية العالمي ماثيو هولينغورث، في إفادة للصحفيين في جنيف عبر اتصال مرئي من روما، إن الجوع يتفاقم في اليمن بوتيرة متسارعة، وإن أثر موجة انعدام الأمن الأخيرة على الوضع الغذائي ينذر بعواقب شديدة الخطورة.
وأظهرت عمليات الرصد التي نفذها البرنامج أخيراً في المناطق التي تمكن من الوصول إليها أن 74% من الأسر لم تستطع توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية. وتمثل هذه النسبة أعلى مستوى يسجله البرنامج خلال عام 2026. وتشير بيانات البرنامج إلى أن 18.3 مليون شخص في أنحاء اليمن يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
كما يعاني قرابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم 500 ألف طفل مصابون بسوء التغذية الحاد الوخيم، الذي يعد أكثر أشكال سوء التغذية تهديداً للحياة. ويرى البرنامج أن النزاع وارتفاع الأسعار يفرضان قيوداً إضافية على قدرة السكان على الحصول على الغذاء.
وارتفع سعر دقيق القمح بنسبة 10% خلال أسبوعين في أجزاء من محافظة تعز، التي تستضيف النسبة الأكبر من النازحين الجدد، في وقت قدر فيه تجار أن مخزونات القمح المتاحة لا تكفي لتغطية الطلب إلا لشهرين. وقال هولينغورث إن فرق البرنامج العاملة ميدانياً رصدت وصول عائلات إلى محافظتي لحج وتعز بعد أن سارت أياماً من دون طعام أو ماء.
وأوضح أن البرنامج استطاع تقديم مساعدات إلى أكثر من 70 ألف شخص في مناطق النزوح داخل المحافظتين، لكنه يواجه صعوبات متزايدة في توصيل الغذاء إلى المناطق القريبة من جبهات المواجهات. وأضاف أن العاملين في المجال الإنساني لم يعودوا قادرين على الوصول إلى نحو 350 ألف شخص كانوا يحصلون على المساعدات سابقاً، بعد انتقال المناطق التي يعيشون فيها إلى سيطرة سلطات الأمر الواقع الحوثية.
ووصف هولينغورث الوضع في اليمن بأنه إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، محذراً من أن الآفاق المستقبلية ستزداد قتامة إذا لم يتحرك العالم قريباً لتقديم المساعدة إلى اليمنيين. ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى 109 ملايين دولار لتمويل عمليات الاستجابة الطارئة.
كما يحتاج إلى 158 مليون دولار لمواصلة برامجه الاعتيادية الخاصة بتوفير الغذاء والمساعدات النقدية وخدمات التغذية والوجبات المدرسية حتى مارس/آذار 2027. وتتزامن فجوة التمويل مع استمرار التعليق المؤقت لعمليات وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
تفاقم الجوع وفجوة الاستجابة الإنسانية
ويأتي ذلك في ظل استمرار احتجاز الجماعة 73 موظفاً أممياً، من بينهم 38 موظفاً يعملون لدى برنامج الأغذية العالمي. وقال الباحث في الشؤون الإنسانية والسياسية والاقتصادية إيهاب القرشي إن الأمن الغذائي في اليمن كان متراجعاً ووصل إلى مستويات شديدة الخطورة قبل اندلاع جولة التصعيد الحالية.
وأضاف القرشي أن التقديرات السابقة للتصعيد تشير إلى وجود أكثر من 20 مليون يمني في المرحلة الرابعة التي تسبق إعلان المجاعة. وقال إن مديريات ومناطق عدة دخلت فعلياً المرحلة الخامسة من نظام تصنيف الأمن الغذائي، مشيراً إلى تسجيل حالات وفاة بسبب المجاعة خلال الأشهر الماضية.
ووصف الباحث تدخلات المنظمات لإغاثة المتضررين من موجة النزوح الجديدة بأنها ضعيفة جداً. وأكد أن استمرار العمليات العسكرية يفاقم الأوضاع الإنسانية، بالتوازي مع تدهور الاقتصاد اليمني، بينما أدى انخفاض مساهمات المانحين الدوليين إلى تقييد قدرة المنظمات على التعامل مع احتياجات النازحين.
وأوضح أن اتساع الكارثة الإنسانية وتراجع حجم المساعدات أوجدا فجوة كبيرة بين الاحتياجات والاستجابة المتاحة. ودعا المنظمات الأممية والدولية، إلى جانب الحكومات الفاعلة في المجال الإغاثي، إلى التحرك لزيادة التمويل المخصص لليمن. ورأى القرشي أن الوكالات والمنظمات الإنسانية مطالبة بتعزيز اطمئنان المانحين عبر رفع مستوى الشفافية وإصدار تقارير واضحة لقياس أثر برامجها.
وعزا جانباً من تراجع التمويل إلى ضعف الثقة بمنظمات قال إن كثيراً منها تعرض لاتهامات بالفساد والتماهي مع الحوثيين خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن امتداد التصعيد إلى مناطق البحر الأحمر والخليج العربي، بما يشمل مضيقي هرمز وباب المندب، ترك تداعيات على سلاسل الإمداد.
وقال إن اليمن من أكثر البلدان تأثراً بهذه الاضطرابات لاعتماده الكبير على الاستيراد. وأضاف أن أسعار السلع تتأثر أيضاً بارتفاع الرسوم الجمركية الحكومية في المنافذ البرية، إلى جانب تحصيل رسوم أخرى في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين على المواد القادمة من مناطق سيطرة الحكومة.
ارتفاع كلفة الغذاء وتراجع قيمة العملة
وبحسب القرشي، بلغت قيمة السلة الغذائية التي كان يستهلكها اليمنيون عام 2015 نحو 50 ألف ريال يمني، بما كان يعادل قرابة 233 دولاراً آنذاك. أما حالياً، فتتجاوز كلفة السلة 500 ألف ريال، أو نحو 320 دولاراً، في ظل ثبات دخول المواطنين وتوقف الرواتب وارتفاع الأسعار واستمرار الانهيار الاقتصادي.
وكان الدولار الأميركي يساوي 214 ريالاً يمنياً عام 2015، في حين وصل سعره حالياً إلى 1560 ريالاً في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. وترافق هذا التراجع في قيمة العملة مع زيادة كبيرة في أسعار الاحتياجات الأساسية من دون تحسن مماثل في دخول السكان.
وشدد القرشي على ضرورة أن تقدم الحكومة اليمنية للمجتمعين الإقليمي والدولي صورة واضحة عن حجم الأزمة، وأن تلتزم بالمصداقية عند عرض الأرقام، بالتوازي مع إعداد خطط عاجلة للاستجابة الإنسانية. وأكد أن اليمن ما زال في حاجة إلى السلال الغذائية والمساعدات الفورية المنقذة للحياة.
ودعا الحكومة إلى مطالبة الدول المانحة، ولا سيما دول الخليج، بتوفير مساعدات عاجلة، إلى جانب تقديم التسهيلات اللازمة للمنظمات حتى تتمكن من تنفيذ عملياتها الإغاثية.