يصل فيلم «التكفير» للمخرج الأمريكي ريد فان دايك إلى دور السينما في عرض محدود يبدأ يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول، مستعيداً قصة حقيقية وقعت في بغداد عام 2003، حين قتل جنود أمريكيون ثلاثة من أفراد عائلة عراقية، قبل أن يسعى أحد الجنود المشاركين في إطلاق النار، بعد نحو عقد، إلى لقاء الناجين منها ومواجهة ما حدث، وينتهي اللقاء بقرار أفراد العائلة مسامحته.
ويُعد العمل أول فيلم روائي طويل لفان دايك، ويشارك في بطولته بويد هولبروك وهيام عباس وكينيث براناه. وكان الفيلم قد شهد عرضه في أميركا الشمالية خلال مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول، على أن تتوسع عروضه في دور السينما اعتباراً من 9 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أسبوع من بدء العروض المحدودة.
فيلم «التكفير» يستند إلى تحقيق ديكستر فيلكنز
يستند الفيلم إلى مقال نشره الصحفي ديكستر فيلكنز في مجلة «نيويوركر» عام 2012، ويتناول واحدة من وقائع حرب العراق التي غالباً ما عالجتها السينما الأمريكية من منظور الجنود الأمريكيين.
غير أن فان دايك اختار وضع العائلة العراقية في مركز السرد، ومتابعة أثر إطلاق النار في أفرادها، بالتوازي مع ما تركته الحادثة في حياة الجندي الذي عاد إلى الولايات المتحدة. تعود الواقعة الأصلية إلى أبريل/نيسان 2003، عندما كانت ثلاثة أجيال من عائلة عراقية مسيحية ذات أصول أرمنية تستقل سياراتها في طريق العودة إلى المنزل داخل بغداد.
وفي ذلك الوقت، كانت القوات الأمريكية تخوض اشتباكات مع القوات العراقية في المدينة، ومرت سيارات العائلة وسط المواجهات، قبل أن يطلق عليها جنود من مشاة البحرية الأمريكية النار، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد الأسرة.
مقتل ثلاثة أفراد يلاحق الناجين والجندي
بقيت الحادثة حاضرة في حياة الناجين من العائلة، كما ظلت تطارد أحد جنود المارينز الذين شاركوا في إطلاق النار، وهو لو لوبيلو. وبعد عودته من العراق، عانى لوبيلو من اضطراب ما بعد الصدمة، ولم تفارقه ذكرى المدنيين الذين قتلوا في ذلك اليوم. وبعد مرور سنوات، لجأ إلى الصحفي ديكستر فيلكنز طالباً مساعدته في الوصول إلى العائلة وترتيب لقاء معها.
وافقت الأسرة على طلب اللقاء، وبعد نحو عشر سنوات من واقعة إطلاق النار، جلس لوبيلو في غرفة المعيشة بمنزل العائلة في مدينة غلينديل بولاية كاليفورنيا، في مواجهة امرأتين نجتا من الهجوم. وأفضت المواجهة، التي جاءت بعد سنوات من الخسارة والذاكرة الثقيلة، إلى قرار أفراد الأسرة مسامحة الجندي السابق.
الشخصيات السينمائية تغيّر أسماء أبطال القصة
يحافظ «التكفير» على الخطوط الرئيسية للقصة الواقعية، لكنه يغيّر أسماء الشخصيات عند نقلها إلى الشاشة. ويجسد بويد هولبروك شخصية لو داليساندرو، المستوحاة من تجربة لوبيلو، بينما تؤدي الممثلة الفلسطينية هيام عباس دور مريم، ربة العائلة التي فقدت زوجها واثنين من أبنائها في إطلاق النار.
أما كينيث براناه، فيؤدي دور الصحفي مايكل ريد، وهي شخصية مستلهمة من ديكستر فيلكنز، الذي غطى المواجهة خلال الحرب، ثم تحول بعد سنوات إلى حلقة اتصال بين الجندي السابق والعائلة. ومن خلال هذه الشخصية، ينتقل الصحفي من موقع الشاهد الذي يسجل ما يجري إلى طرف يساهم في جمع شخصين حمل كل منهما أثراً مختلفاً للحادثة نفسها.
يبني الفيلم أحداثه على ثلاثة خطوط درامية متوازية: العائلة العراقية التي تعرضت لإطلاق النار وخسرت ثلاثة من أفرادها، والجندي الذي شارك في إطلاق النار وعاد إلى بلاده مثقلاً بذاكرة الواقعة، والصحفي الذي شهد الحرب ثم وجد نفسه، بعد سنوات، وسيطاً بين الطرفين. وتلتقي هذه الخطوط في المواجهة التي تشكل ذروة العمل.
لا يعرض فان دايك الواقعة باعتبارها لغزاً يدور حول تحديد المسؤول عن إطلاق النار، بل يبدأ من النتائج التي خلفتها الحادثة، ثم يتابع حياة الناجين والجندي بعد مغادرة العراق. ويقود هذا البناء المشاهد تدريجياً نحو اللقاء اللاحق، مع إبقاء الخسارة التي لحقت بالعائلة في صلب الحكاية، بدلاً من اختزالها في خلفية لرحلة الجندي الأمريكي.
فان دايك يضع العائلة العراقية مركز السرد
وقال فان دايك إن أحد دوافعه الأساسية لصناعة الفيلم تمثل في إعادة النظر بموقع الشخصيات العراقية داخل الأعمال التي تناولت حرب العراق. وأوضح أن العراقيين يظهرون عادة في هذه الأفلام «من خلال مناظير القناصة أو في الخلفية»، في حين أراد هو قلب زاوية الرؤية ووضع الأشخاص الذين تأثروا بالحادثة وبالحرب عموماً في مركز القصة.
ويبدأ الفيلم مع العائلة العراقية، عارضاً وجود أفرادها وسط ظروف الحرب قبل وقوع إطلاق النار، ثم ينتقل إلى ما تركته الحادثة في حياتهم. وفي مسار مواز، يتابع الجندي الأمريكي بعد عودته إلى بلاده، من دون أن يسمح انتقال الأحداث إلى سنوات ما بعد الحرب بتغييب الأسرة أو تحويلها إلى تفصيل تابع لتجربته.
ويختلف هذا النهج عن المسار الذي اعتمدته أفلام أمريكية عدة عن حرب العراق، إذ جعلت تجربة الجندي العائد إلى الولايات المتحدة محور الحكاية، بينما ظهرت الشخصيات العراقية بوصفها جزءاً من البيئة التي خاض فيها تجربته العسكرية. ويسعى فان دايك، في المقابل، إلى إتاحة مشاهدة الواقعة من جانب من كانوا أمام البندقية، لا من موقع حاملها وحده.
تحمل شخصية لو داليساندرو، التي يؤديها هولبروك، ملامح تجربة لوبيلو بعد عودته من العراق. فالجندي السابق يغادر ميدان الحرب، لكنه لا يتمكن من تجاوز ما حدث فيه، ويظل مشغولاً بذكرى المدنيين الذين قتلوا. ومع استمرار الصراع الداخلي، يبدأ البحث عن الأشخاص الذين كانوا في الجانب الآخر من إطلاق النار، وصولاً إلى طلب مساعدة الصحفي الذي شهد الحادثة.
ووصف هولبروك الرصاصة في الفيلم بأنها تتحرك في اتجاهين، في إشارة إلى أن العمل يتابع أثرها في الضحية وفي الجندي الذي أطلقها. وقال إن شخصيته تصارع هذا الأثر على امتداد الفيلم، مع التأكيد على أن الخسارتين ليستا متطابقتين؛ فالعائلة فقدت ثلاثة من أفرادها، في حين عاد الجندي حاملاً مسؤوليته وذاكرته عن الواقعة.
وتؤدي هيام عباس شخصية مريم، المرأة التي قتل زوجها واثنان من أبنائها، ثم وجدت نفسها بعد سنوات أمام أحد الجنود المشاركين في إطلاق النار. وقالت عباس إنها استعانت، خلال بناء الشخصية، بتجربتها باعتبارها أماً وامرأة فلسطينية نشأت في محيط عرف الحروب، وإن قدرة المرأة الحقيقية التي تستند إليها الشخصية على المسامحة كانت أكثر ما استوقفها.
وشددت عباس على أن قدرة هذه المرأة على الغفران لا تعني أن كل من خاضوا تجربة مشابهة يستطيعون اتخاذ الموقف نفسه. وتساءلت عن العدد الكبير من ضحايا الحروب الذين لا يمكنهم تجاوز ما تعرضوا له بالطريقة ذاتها، واضعة قرار المسامحة ضمن تجربة فردية محددة، وليس باعتباره استجابة عامة متوقعة من الناجين.
ويتعامل الفيلم مع الغفران بوصفه خياراً تملكه العائلة، لا نتيجة حتمية لمجرد حضور الجندي وطلبه اللقاء، ولا حلاً يمكن تعميمه على ضحايا الحروب. يصل الجندي راغباً في المواجهة، لكن أفراد الأسرة الذين تحملوا الخسارة يحتفظون بحق قبول استقباله أولاً، ثم تقرير موقفهم منه بعد مرور سنوات على الحادثة.
ومن خلال شخصية مايكل ريد، يمنح الفيلم الصحفي دوراً يتجاوز مهمة المراسل الذي يوثق الوقائع ثم يغادر. فالمعلومات والعلاقات التي اكتسبها أثناء تغطية الحرب تعود إليه عندما يطلب الجندي السابق مساعدته في العثور على العائلة، ليصبح جزءاً من تطورات قصة كان قد بدأها شاهداً على أحداثها.
حوّل فان دايك مقال فيلكنز الصادر عام 2012 إلى فيلمه الروائي الطويل الأول، مع تغيير أسماء الشخصيات وبناء الحبكة حول إطلاق النار وتبعاته الممتدة.
وسبق للمخرج أن عمل في مجال الأفلام القصيرة، كما لفت الأنظار بفيلمه «ديكالب إليمنتري»، الذي وصل إلى ترشيحات جوائز الأوسكار، قبل انتقاله إلى تجربة الفيلم الطويل عبر «التكفير».