أظهرت أبحاث مخبرية وتجارب محدودة أن القرنفل ومركبه النشط اليوجينول قد يمتلكان خصائص مضادة لبعض الفيروسات والالتهابات المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي، لكن هذه النتائج لم تصل بعد إلى مستوى الإثبات السريري الكافي لاعتماد القرنفل علاجاً للعدوى لدى البشر.
تركيب القرنفل واستخداماته العلاجية التقليدية
وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات بشرية مضبوطة قبل تعميم النتائج المتعلقة بكوفيد-19 أو الإنفلونزا أو استخدام اليوجينول للحد من انتقال الفيروسات في الهواء. واكتسب القرنفل، واسمه العلمي Syzygium aromaticum، شهرة على مدى قرون بوصفه من التوابل المستخدمة في حفظ الطعام، مستفيداً من خصائصه المضادة للأكسدة والميكروبات.
وأشارت دراسات متعددة إلى قدرته المحتملة على مقاومة الفيروسات والبكتيريا والفطريات، فضلاً عن خصائص مخدرة ومعقمة ارتبطت باستخدامه في تطبيقات صحية مختلفة. ويعود الموطن الأصلي للقرنفل إلى جزر مالوكو في شرق إندونيسيا، بينما تُزرع أشجاره حالياً في دول عدة، من بينها الهند ومدغشقر وسريلانكا وماليزيا.
ويحتوي القرنفل على فيتامينات ومعادن ومركبات فينولية، إضافة إلى اليوجينول وحمض الغاليك، الذي يمثل 89% من الزيت العطري الموجود في براعم زهرة القرنفل، وفق البيانات الواردة عن تركيبه. وتُعد هذه المركبات نشطة حيوياً، وهو ما منح القرنفل قيمة طبية محتملة إلى جانب استخدامه الغذائي.
كما يعود حضوره في الممارسات العلاجية التقليدية إلى أكثر من ألفي عام، إذ استُخدم في الطب الشعبي الصيني والطب الهندي التقليدي المعروف بالأيورفيدا. وشملت الاستخدامات الصحية للقرنفل أشكالاً مختلفة، من بينها الزيت العطري والبراعم المجففة والمسحوق. واستُخدم زيته في التعامل مع التهابات اللثة والحروق وبعض اضطرابات الجهاز الهضمي وآلام المفاصل والتشنجات.
وأظهرت بعض الدراسات خصائص محتملة مضادة للأورام والالتهابات، وأخرى مثبطة لتكوّن أوعية دموية جديدة، إلى جانب تأثير مسكن ساعد على شيوع استعماله لتخفيف آلام الأسنان والصداع. وفي ما يتعلق بالفطريات، أظهرت دراسة أجراها باحثون من المغرب فعالية اليوجينول في مواجهة داء المبيضات المهبلي لدى جرذان التجارب.
ويُنسب إلى زيت القرنفل أيضاً نشاط مضاد للإجهاد التأكسدي، وهي حالة يمكن أن تؤثر في خلايا الدماغ والوظائف الإدراكية. وسجل الدكتور سوميتا هالدر وزملاؤه في كلية العلوم الطبية الجامعية بالهند تحسناً في الذاكرة قصيرة وطويلة المدى لدى فئران استُخدم معها زيت القرنفل.
ورجح الباحثون ارتباط هذا التحسن بقدرة الزيت المحتملة على تقليل الإجهاد التأكسدي، إلا أن النتائج المستخلصة من الحيوانات لا تمثل بمفردها دليلاً سريرياً على الأثر نفسه لدى الإنسان. ويتميز القرنفل كذلك بخصائص مضادة للتخثر والالتهابات، مع قدرة محتملة على تعزيز المناعة.
تصاعد الاهتمام بالقرنفل خلال موسم العدوى التنفسية
وأدت هذه السمات إلى زيادة الاهتمام به في سياق العدوى الفيروسية التي تصيب الجهاز التنفسي، ولا سيما خلال جائحة كوفيد-19 الناجمة عن فيروس سارس-كوف-2، التي بدأت مطلع عام 2020. ويتجدد الاهتمام بالوسائل الطبيعية مع حلول الخريف والشتاء وارتفاع انتشار الأمراض التنفسية الفيروسية بين الفئات العمرية المختلفة.
ويرتبط الجانب الأكبر من الاهتمام المضاد للفيروسات بمركب اليوجينول الموجود بتركيز مرتفع في القرنفل. وتشير الآلية المقترحة إلى أن المركب يرتبط بالمستضدات الفيروسية، وهي بروتينات أو بروتينات سكرية موجودة على سطح الخلية الفيروسية، بما قد يثبط نمو الفيروس وانتشاره داخل المضيف. وسبق أن أظهر اليوجينول قدرة على تثبيط نمو فيروس الهربس البسيط.
دراسات اليوجينول تكشف نشاطاً مضاداً لبعض الفيروسات
وفي عام 2007، نشر الباحثان تراجولبوا وجاتيساتينر من جامعة شيانغ ماي في تايلاند دراسة أظهرت فعالية اليوجينول ضد بعض الفيروسات.
ومع انتشار فيروس كورونا المستجد، اتجه بعض المصابين، ولا سيما من عانوا ضعفاً في المناعة، إلى الجمع بين الأدوية والأعشاب، سعياً للاستفادة من خصائصها المحتملة المضادة للفيروسات والالتهابات ودعم استجابة الجسم للعدوى.
وأفادت تقارير ظهرت بعد الجائحة بأن مستشفيات في مقاطعة ووهان الصينية، التي انطلق منها انتشار الفيروس، سارعت في بداية العدوى إلى معالجة مصابين وفق وصفات الطب الصيني التقليدي، وسجلت فعالية قُدرت بنحو 90% في مواجهة الفيروس. وتبقى مثل هذه النسب مرتبطة بطبيعة التقارير ومنهجيات التقييم المستخدمة فيها، ولا تكفي وحدها لإثبات فعالية القرنفل تحديداً.
تجربة كوفيد-19 شملت عشرة مرضى فقط
وفي يونيو/حزيران 2020، نشر البروفيسور جان نويل مبوتو من جامعة كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية نتائج تتعلق بخمسة نباتات طبية، بينها براعم القرنفل الجافة، ضمن محاولة لعلاج كوفيد-19 والوقاية منه والسيطرة على الحالات، في فترة سبقت إتاحة اللقاحات.
وشملت تجربة مبوتو عينة صغيرة قوامها 10 مرضى مصابين بكوفيد-19. وطُلب من المشاركين استنشاق أبخرة منقوع مغلي أُعد وفق خطوات ومعايير محددة، واحتوى على القرنفل والزنجبيل والنعناع وأوراق عشبة الليمون والكينا. كما تناول المرضى منقوع القرنفل وأعشاباً أخرى في الصباح والمساء.
وأظهرت التجربة أن المزيج حقق استجابة وُصفت بالجيدة في مواجهة العدوى، من خلال تحفيز مناعة الجسم وانحسار مباشر لبعض الأعراض، ومنها الصداع. غير أن صغر حجم العينة وغياب مجموعة ضابطة حالا دون إجراء مقارنة أدق للنتائج أو فصل أثر المزيج العشبي عن عوامل أخرى.
كما تناول أربعة من المشاركين دواء أزيثرومايسين، وهو مضاد حيوي، بالتزامن مع الأعشاب. ويؤثر هذا العامل في القدرة على تقييم فعالية النباتات المستخدمة بصورة مستقلة عن الدواء، ويحد، إلى جانب غياب المجموعة الضابطة، من إمكانية تعميم ما توصلت إليه التجربة.
وفي جانب الوقاية من المضاعفات البكتيرية، عرض باحثون من تونس في مراجعة نُشرت عام 2007 بمجلة «فايتوثيرابي ريسيرش» قدرات زيت القرنفل العطري على مقاومة البكتيريا وتثبيط نموها. واستناداً إلى تلك الخصائص، أوصى الدكتور مسلطاني والدكتور رحيمي عام 2020 باستخدام زيت القرنفل للوقاية من العدوى البكتيرية الثانوية التي قد تصيب مرضى كوفيد-19 نتيجة ضعف المناعة.
ونُشرت عام 2021 أول تجربة مخبرية لدراسة فعالية اليوجينول ضد عدوى كوفيد-19 في مجلة علم الأدوية العصبية المناعية. وأظهرت النتائج أن إعطاء اليوجينول الموجود في القرنفل عن طريق الفم ساهم في تخفيف تهيج الرئة والتهاباتها، وتحسين وظائف القلب، ورفع مستوى النشاط البدني، وخفض الحمى لدى فئران مصابة بالعدوى.
ومع ذلك، تظل النتائج المستندة إلى الخلايا أو الحيوانات بحاجة إلى تأكيد عبر تجارب سريرية على البشر، وفق منهجيات مضبوطة وعينات كافية، حتى يمكن تحديد الفعالية والجرعة والسلامة بدقة. ولذلك لا توفر الدراسات المذكورة حتى الآن أساساً كافياً لتعميم القرنفل علاجاً مثبتاً لكوفيد-19 أو غيره من الأمراض التنفسية.
وعلى مستوى الاستخدام الشعبي، اعتمد سكان مناطق استوائية في آسيا منذ وقت طويل على القرنفل للتخفيف من بعض المشكلات التنفسية. وشملت الممارسات شرب منقوعه المغلي واستنشاق أبخرته العطرية المتطايرة للمساعدة في حالات السعال ونزلات البرد والأزمات التنفسية والتهاب الشعب الهوائية، إضافة إلى مضغ القرنفل للتخفيف من التهاب الحلق وتهيج البلعوم.
واستُخدم زيت القرنفل بوصفه مقشعاً يساعد على طرد البلغم في حالات عدوى الجهاز التنفسي العلوي، استناداً إلى خصائصه المضادة للفيروسات والجراثيم. كما أشارت بعض الدراسات إلى أن مزج زيت القرنفل بالعسل قد يساعد في تخفيف السعال المزمن وصعوبة التنفس وخفقان القلب، من دون أن يحول ذلك هذه الاستخدامات إلى بديل مثبت للعلاج الطبي.
واختبر باحثون كذلك إمكانية استخدام اليوجينول في تعقيم الهواء أو تقليل الحمل الفيروسي الموجود فيه، بما قد يحد من انتقال الفيروسات بين الأشخاص. وتستند الفكرة إلى الطبيعة المتطايرة للمركب، التي تساعده على الانتشار سريعاً وربما التأثير في الفيروسات المحمولة بين جزيئات الهواء.
وفي عام 2016، أشار باحثون من كندا وفرنسا إلى أن رش منتجات تحتوي على اليوجينول قد يسهم في تقليل مخاطر انتقال الفيروسات عبر الرذاذ الهوائي. وبناء على الخصائص نفسها، طرح باحثان من جامعة أساهي اليابانية عام 2024 فرضية بأن اليوجينول قد يحد من انتشار الفيروسات، وبخاصة سارس-كوف-2، داخل عيادات الأسنان.
وربط الباحثان هذه الفرضية باحتمال تسرب اليوجينول إلى الهواء خلال عمليات حفر الأضراس، أو انبعاثه من الحشوات والمواد اللاصقة المستخدمة في علاجات الأسنان المختلفة، وهو ما قد يفسر جانباً من الرائحة المميزة لعيادات الأسنان. غير أن هذا الطرح لا يزال فرضية أولية تتطلب مزيداً من الأبحاث للتحقق منها وإثباتها علمياً.
ويُعد القرنفل آمناً عموماً عند استخدامه بكميات معتدلة، وقد أدرجته إدارة الغذاء والدواء الأميركية ضمن المكونات المسموح باستعمالها كمكمل غذائي آمن.
إلا أن تناوله بإفراط، وخصوصاً بكميات كبيرة، قد يرتبط بنوبات تشنجية وتلف في الكبد واضطرابات في تخثر الدم، ما يستدعي الالتزام بالكميات المعتدلة وفق توصيات المختصين والخبراء.