ينطلق فيلم «المنزل الأخير» من فرضية بقاء تضع أسرة معاصرة في مواجهة انهيار مظاهر الحضارة، بعدما تحاصرها أمطار متواصلة داخل منزل يستحيل فتح أبوابه ونوافذه. ويجمع العمل بين جريتا لي وفاجنر مورا تحت إدارة المخرج الفرنسي لويس لوتيرييه، لكنه، رغم فكرته والتحول البصري الذي يقدمه، لا يستثمر إمكانات بطليه في بناء شخصيات عميقة تتجاوز الأدوار العائلية التقليدية.
يحظى الفيلم باهتمام إضافي بالنظر إلى المسار الفني لبطليه خارج الصورة المعتادة للنجومية الهوليوودية. فقد برزت جريتا لي في أدوار ضمن السينما المستقلة وتجارب تلفزيونية متنوعة، بينما عرف الجمهور فاجنر مورا من أعمال من بينها مسلسل «ناركوس»، قبل انتقاله إلى أدوار أكثر طموحًا في تجارب سينمائية عالمية.
ويقود لوتيرييه التجربة بعدما تنقل في مسيرته بين أفلام الحركة ذات الميزانيات الكبيرة وأعمال التشويق، في حين تولى ماثيو روبنسون كتابة السيناريو. وتبدو هذه العناصر، إلى جانب فكرة الحصار ونهاية الحياة الحديثة، قادرة على إنتاج فيلم بقاء مختلف، لكنها تنتهي إلى تجربة تبدو أكثر جاذبية في تصورها الأولي منها في معالجتها الدرامية الكاملة.
تتبلور أزمة جيسون وآن داخل المنزل
تبدأ الأحداث بتقديم الوضع الاقتصادي والعائلي للشخصيات. جيسون، الذي يؤدي دوره فاجنر مورا، مهندس فقد وظيفته الأخيرة ويواصل البحث عن عمل. ويحاول تخفيف إحباطه من خلال صيد الأسماك، بينما يتظاهر أمام أبنائه بأن الحياة تسير بصورة طبيعية، حتى لا يدركوا حجم الأزمة الاقتصادية التي تقترب من الأسرة كلما طال بقاؤه خارج سوق العمل.
في المقابل، تمثل الزوجة آن، التي تجسدها جريتا لي، العنصر الذي يحافظ على تماسك المنزل. فهي تسعى إلى تخفيف إحباط زوجها، وتحاول بث الحماسة في أطفالها مع اقتراب احتفالات نهاية العام، كما تتمسك بهدوئها وسط فوضى التفاصيل اليومية والقلق المحيط بأسرة تواجه اضطرابًا اقتصاديًا يتجاوز حدود البيت.
الأمطار تعزل الأسرة وتستنزف مواردها
يتغير مسار الحياة العائلية عندما تبدأ أمطار لا تتوقف، وتصبح الأبواب والنوافذ عصية على الفتح، فتجد الأسرة نفسها معزولة تمامًا. وتتعدد الأخطار التي تواجهها مع مرور الوقت، إذ يتصل بعضها مباشرة بشروط البقاء، مثل تناقص الطعام والماء واختفاء مظاهر الحياة الحديثة، بينما يتخذ بعضها الآخر طابعًا ما ورائيًا يكشفه الفيلم بصورة تدريجية.
في المرحلة الأولى من الأزمة، يتعامل جيسون مع الحصار بعقلية المهندس الذي يعتقد أن كل شيء قابل للإصلاح. يصنع الأدوات، ويبحث عن وسائل جديدة لتوفير الطعام، ويحاول فرض النظام على ظرف لا يمكن التنبؤ به. غير أن الصراع لا ينتهي سريعًا، بل يمتد خمس سنوات تتبدل خلالها طبيعة المعيشة والعلاقات والأدوار داخل المنزل.
خلال هذه السنوات، تبدأ آن بزراعة المحاصيل في المساحات المتاحة، بينما تعيد الأسرة استخدام مقتنياتها القديمة بدل التخلص منها أو استبدالها. وبهذا يتحول البيت تدريجيًا من مكان يعتمد على الاستهلاك وما يأتيه من الخارج إلى وحدة للإنتاج ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي، في صورة مصغرة لمجتمع يبحث عن قواعد جديدة بعدما انهار العالم المحيط به.
الطبيعة تستعيد حضورها بعد غياب التكنولوجيا
يقدم الفيلم نظرة رومانسية جزئيًا إلى الحياة السابقة للثورة الصناعية. فمع غياب الكهرباء والتكنولوجيا، تصبح حياة أفراد الأسرة أبسط، وتعود الطبيعة إلى احتلال موقع مركزي في يومياتهم.
ويظهر العالم خلف النافذة أكثر جمالًا من الناحية البصرية، لكنه يصبح في الوقت ذاته أكثر قسوة، لأن البقاء فيه يتطلب مواجهة شروط خطرة لم تعد وسائل الحضارة قادرة على تخفيفها. ومن خلال هذا التناقض، يفتح «المنزل الأخير» مساحة لتصور الحياة بعد انهيار الحضارة بصورتها المعروفة.
فالابتعاد عن التكنولوجيا يتيح استعادة علاقة تبدو أكثر توازنًا مع الطبيعة، إلا أن هذه العلاقة ليست مثالية أو آمنة؛ إذ تترافق مع مخاطر أكبر وموارد محدودة وضرورة العمل المتواصل لتأمين أبسط متطلبات الاستمرار. ولا يقتصر أثر الحصار على منع الأسرة من مغادرة المنزل، بل يعيد أيضًا تشكيل بنيتها الداخلية وعلاقات السلطة بين أفرادها.
فالمكان المغلق والموارد القليلة يفرضان نظامًا جديدًا، ومع تعاقب السنوات يصبح البيت مجتمعًا صغيرًا يؤدي الوظائف التي كان يتولاها العالم الخارجي: زراعة المحاصيل، وتخزين الموارد، وصناعة الأدوات، وتوزيع الأعمال وفق احتياجات النجاة.
الحصار يعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة
لكن هذا التنظيم، الذي قد يبدو مثاليًا من الناحية النظرية، يكشف داخل الفضاء المنزلي عن انقسامات أكثر تقليدية. ينشغل جيسون بالصيد وابتكار أدوات تساعد على البقاء، بينما تخصص آن وقتها لزراعة المحاصيل ورعاية الأطفال وإدارة تفاصيل الحياة اليومية.
ويعيد هذا التقسيم إنتاج صورة الأب الصياد والحامي، مقابل الأم المسؤولة عن الرعاية وضمان استمرار البيت. يوحي هذا الاختيار بأن سقوط الحضارة الحديثة لا يؤدي بالضرورة إلى تحرير الأفراد من القوالب القديمة، بل قد يعيدهم إليها تحت ضغط الضرورة.
وكلما امتد الحصار، أصبح هدف البقاء مبررًا لإعادة تنظيم الحياة وتقليص مساحة الاختيار الفردي، بما يجعل المنزل مكانًا للحماية من الخطر الخارجي، وسجنًا تحدد داخله الأدوار مسبقًا في الوقت نفسه.
ويواصل جيسون النظر إلى الخطر بوصفه مشكلة يمكن التحكم بها عبر التخطيط والأدوات، إلا أن حدود هذا المنطق تظهر عندما تتجاوز الكارثة مجرد نقص الموارد أو الأعطال التقنية. فالكائنات الموجودة في الخارج تمثل تهديدًا يحتاج إلى استجابة مختلفة، تتخطى قدرات الأب بعدما تحول، إثر تجريده من وسائل الحضارة، إلى ما يشبه صيادًا بدائيًا من عصور ما قبل التاريخ.
يلمح الفيلم بذلك إلى أن النجاة لا تعتمد على الصيد وتخزين الطعام وحدهما، بل تستلزم إعادة النظر في العلاقة مع الآخرين والبيئة، وكذلك في مفهوم السيطرة على الموارد وأفراد الأسرة. وتصبح العائلة عالقة بين محاولة استعادة النظام القديم وبناء نمط جديد من الحياة يقوم على التعاون والمرونة، بما قد يتيح لها التحرر من حصار البيت ومن التوقعات المسبقة المفروضة على كل فرد.
بصريًا، يعالج صناع الفيلم انهيار الحضارة على مستويين متداخلين. يتمثل الأول في ندرة الموارد وتعطل أساليب المعيشة المعتادة، بينما يظهر الثاني في التغير الذي يصيب العالم عندما تنحسر علاماته الحديثة وتستعيد الطبيعة مساحاتها.
ويصبح هذا التحول أكثر وضوحًا خلال النصف الثاني، بالتوازي مع ابتعاد الأسرة عن نمط حياتها السابق. تتراجع الإضاءة الصناعية وحضور التكنولوجيا تدريجيًا، وتحل محلهما الإضاءة الطبيعية، فيما تتحول الشمس إلى المصدر الأساسي للنور.
وتتسلل الظلال إلى الغرف، وتتغير هيئة المنزل تبعًا للوقت والطقس، فتكتسب الصورة قدرًا أكبر من الحميمية، لكنها تبدو أيضًا أكثر انكشافًا وهشاشة، بما ينسجم مع وضع الأسرة وافتقادها أدوات الحماية التي اعتادت عليها. ولا يعامل الفيلم غياب الحضارة باعتباره خسارة مطلقة، لأن التخلص من التكنولوجيا يعيد ترتيب علاقة الشخصيات بالزمان والمكان.
ويبرز ذلك خصوصًا من خلال النباتات التي تنتشر داخل المنزل وخارجه، فتمنح المكان حياة جديدة وتسمح للطبيعة باستعادة جزء من المساحات التي انتزعتها منها الحضارة، من دون إلغاء القسوة المصاحبة لهذا العالم الجديد. مع ذلك، لا تكفي الجاذبية البصرية لتعويض ضعف كتابة الشخصيات والأداء الناتج عنها.
فعلى الرغم من حضور اسمي جريتا لي وفاجنر مورا، يحصرهما السيناريو في وظائف محددة سلفًا: أب صياد وحامٍ، وأم ترعى الأسرة وتحفظ استمرارية المنزل. ولا تتوافر لهما مساحة درامية كافية لتطوير شخصيتين قادرتين على حمل الفكرة إلى مستوى أكثر إقناعًا.
وينتهي الفيلم، وفق هذا البناء، إلى عمل متوسط بين إنتاجات نتفليكس؛ يجذب الانتباه عند طرحه بفضل فرضيته ونجميه وصور عالم ما بعد الحضارة، لكنه لا يحول هذه العناصر إلى تجربة سينمائية متماسكة بالقدر نفسه.
فالفكرة البارزة والتحولات الجمالية تظلان مقيدتين بشخصيات نمطية، ما يجعل حضور العمل مرشحًا للتراجع سريعًا وسط وفرة المحتوى على المنصة.