العودة للرئيسية
فن ونجوم

الخوارزميات تعيد رسم طريق الأغنية العربية من الفنان إلى الجمهور

غيّرت منصات مثل تيك توك ويوتيوب مسار وصول الأغنية العربية إلى المستمع، بعدما أتاحت لفنانين بناء جمهور قبل تدخل شركات الإنتاج. وتستعرض تجارب الشامي وسانت ليفانت وتوو ليت امتداد جدل قديم رافق أحمد عدوية وزياد الرحباني، مع بقاء الزمن معياراً لقدرة الأعمال واسعة الانتشار على الاستمرار.

•4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رسم توضيحي بأسلوب قلم الرصاص لرجل يؤدي الغناء أو الموسيقى، داخل إطار ذهبي على جدار مزخرف. يظهر في الزاوية نص عربي وسنة 1972.

أعادت الخوارزميات والمنصات الرقمية تشكيل الطريق الذي تسلكه الأغنية العربية للوصول إلى الجمهور، إذ بات في إمكان فنانين تسجيل أعمالهم بوسائل محدودة ونشرها عبر الهاتف على منصات مثل تيك توك ويوتيوب، ثم تكوين قاعدة جماهيرية قبل أن تلتفت إليهم شركات الإنتاج أو يدخلوا سوق الحفلات، وسط جدل بشأن ما إذا كانت تجاربهم تمثل تحولاً موسيقياً طويل الأمد أم موجة قد تتراجع سريعاً.

من شركات الإنتاج إلى المنصات الرقمية

وكان المسار التقليدي لإنتاج الأغنية يمر بشركات الإنتاج والاستوديوهات، ثم الإذاعات والتلفزيون، إلى جانب هيئات الرقابة والمصنفات التي امتلكت قدرة كبيرة على تحديد الأعمال التي تصل إلى المستمعين.

أما المعادلة الجديدة، فيمكن أن تبدأ بالفنان وهاتفه والمنصة الرقمية، ومنها إلى الجمهور مباشرة، على أن تلتحق شركات الإنتاج والحفلات بالتجربة بعد اتساع انتشارها. وفي هذا النموذج، أصبحت الخوارزميات بمثابة حارس جديد للبوابة الموسيقية. فالمنصات تدفع المحتوى الذي يحقق تفاعلاً مرتفعاً إلى أعداد أكبر من المستخدمين، وهو ما يتيح لفنان غير معروف الانتقال، خلال فترة قصيرة، إلى اسم واسع الانتشار.

ويعني ذلك أن سلطة الاختيار لم تعد محصورة في المؤسسات الإنتاجية والإذاعية، لكنها لم تنتقل بالكامل إلى الفنان أو المستمع، إذ أصبحت آليات عمل المنصات عنصراً مؤثراً في تحديد مدى وصول الأغنية. ولا يبدو تجاوز القنوات التقليدية ظاهرة بدأت مع الإنترنت وحده.

أحمد عدوية وكسر المسار الغنائي التقليدي

ففي سبعينيات القرن الماضي، ظهر أحمد عدوية خارج القالب الغنائي السائد الذي ارتبط آنذاك بأسماء مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ. وساعد شريط الكاسيت أعماله على الانتشار بعيداً عن المسارات المعتادة، فانتقلت الأغاني من محلات التسجيل إلى السيارات والمنازل والأعراس، متجاوزة بعض حواجز الإذاعة والرقابة.

وتكشف تجربة عدوية نمطاً يتكرر مع الأجيال الجديدة؛ إذ قد يواجه الصوت المختلف في بدايته اعتراضاً من الجيل الأكبر، قبل أن يتبناه جمهور أصغر سناً، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى جزء من الذاكرة الموسيقية. وبينما أدى الكاسيت هذا الدور في مرحلة سابقة، يقوم الهاتف والمنصات الرقمية اليوم بوظيفة مشابهة في تغيير العلاقة بين الفنان والمستمع.

الشامي يبني جمهوره قبل شركات الإنتاج

70 مليون مشاهدة
مشاهدات أغنية يا ليل ويا العين خلال شهرين

وتقدم مسيرة الشامي مثالاً على هذا التحول. فقد بدأ بنشر مقاطع مصورة وأغان بإمكانات بسيطة عبر تيك توك ويوتيوب، وتمكن من بناء قاعدة جماهيرية قبل دخول شركات الإنتاج على خط تجربته. واتسع انتشار اسمه منذ طرح أغنية «يا ليل ويا العين» عام 2023، بعدما تجاوزت مشاهداتها 70 مليون مشاهدة خلال شهرين.

وفي عام 2024، تصدر الشامي «بيلبورد العربية» بأغنية «وين»، ثم دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية في عامي 2025 و2026، وفق ما عرضته الحلقة التي تناولت التحولات الجارية في صناعة الأغنية. وتعكس تجربته قدرة المنصات على نقل الفنان من الإنتاج المحدود إلى الانتشار الواسع، قبل المرور بالمؤسسات التي كانت تمثل سابقاً نقطة البداية الإلزامية.

سانت ليفانت وتوو ليت يعيدان تعريف الصورة الفنية الكاملة

وتناولت الحلقة أيضاً تجربة سانت ليفانت، المولود في القدس والذي عاش بين أكثر من بلد. وقد انعكست تلك الخلفية في أعماله التي تجمع بين العربية والإنجليزية والفرنسية، وتقدم هوية موسيقية متعددة تمزج عناصر فلسطينية وعربية بتأثيرات عالمية. وفي مقابل انتشار هذه الصيغة، واجهت بعض أعماله انتقادات مرتبطة بالطريقة التي تصور بها النساء.

أما «توو ليت»، فظهر عام 2023 مرتدياً قناعاً أبيض يخفي وجهه، وجعل الغموض جزءاً أساسياً من صورته الفنية، بما يسمح للأغنية بأن تسبق معرفة الجمهور بشخصية صاحبها. واستعاد في إحدى تجاربه أجواء فيلم «آيس كريم في جليم» لعمرو دياب، مستحضراً ملامح صورة الشاب المتمرد التي برزت خلال تسعينيات القرن الماضي.

ولم يكتف «توو ليت» باستعادة تلك الصورة، بل دمجها مع أنماط موسيقية متعددة، شملت البوسا نوفا والفلامنكو والتراب وآر أند بي والبوب. ويجمع هذا النموذج بين استدعاء الذاكرة الفنية القديمة والاستفادة من أدوات الانتشار الجديدة، في وقت باتت فيه الصورة البصرية والغموض المحيط بالفنان عنصرين موازيين للعمل الموسيقي نفسه.

ويمتد التجديد في الأغنية العربية إلى ما قبل ظهور المنصات الحديثة، كما توضح تجربة زياد الرحباني، ولا سيما تعاونه مع فيروز. فلم يسع زياد إلى إلغاء الصورة التي ارتبطت بها فيروز خلال عملها مع الأخوين رحباني، بل أعاد تركيبها ووسع المساحة التي يستطيع صوتها التعبير ضمنها، مستخدماً لغة وموسيقى وشخصيات أكثر قرباً من الحياة اليومية.

وتعاون زياد الرحباني كذلك مع أصوات جديدة، من بينها سلمى مصفي، وقدم صيغاً مختلفة عن القالب الموسيقي السائد. وتدعم هذه التجربة فكرة أن الأغنية العربية لم تكن ثابتة في أي مرحلة، وأن أعمالاً كثيرة أصبحت لاحقاً جزءاً من الذاكرة الموسيقية بدأت بوصفها موضوعاً للجدل والانتقاد.

ومع ذلك، لا يضمن عدد المشاهدات بقاء الأغنية في الذاكرة، إذ يظل الزمن الاختبار الأبرز لاستمرارها. فقد تختفي بعد عقود أعمال تحقق اليوم ملايين المشاهدات، بينما تحافظ أعمال أخرى على حضورها، في ظل تداخل أدوار الفنان والناقد وشركة الإنتاج والخوارزمية والمستمع في تحديد شكل الأغنية العربية في كل عصر.