العودة للرئيسية
أخبار

الجوع والجفاف ونقص التمويل تدفع دارفور نحو المجاعة

يواجه ملايين السودانيين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، مع بلوغ الأزمة مستويات كارثية في مناطق من دارفور وجنوب كردفان. ويتزامن تدفق النازحين بحثاً عن الطعام والماء مع تعثر الموسم الزراعي، وانتشار سوء التغذية بين الأطفال، وتراجع تمويل عمليات الإغاثة بما يهدد بتقليص المساعدات خلال أسابيع.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
تُظهر الصورة نازحين ومتعلقاتهم في منطقة ترابية قاحلة، مع تجمعات من الناس وسيارة محملة بالأمتعة في الخلفية. ويبدو المشهد في موقع استقبال أو مخيم للنازحين في دارفور.

تقترب مناطق واسعة من دارفور وجنوب كردفان من مستويات كارثية من الجوع، في وقت يتواصل فيه نزوح الأسر بحثاً عن الغذاء والمياه، وتتزايد مخاطر سوء التغذية بين الأطفال، وسط جفاف يهدد الموسم الزراعي وتراجع حاد في تمويل عمليات الإغاثة.

وتشير تقديرات إنسانية مختلفة إلى أن ما بين 19.5 مليون ونحو 20 مليون شخص في السودان يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي. ويظهر أثر الأزمة بوضوح في مخيمات طويلة للنازحين في دارفور، حيث تعيش حليمة مع أطفالها الخمسة على وجبة واحدة من العصيدة عندما تتوفر.

والعصيدة طعام تقليدي يُصنع من دقيق الذرة المطهو بالماء حتى يصبح عجيناً كثيفاً، ويقدم عادة مع الصلصة، لكن الأسر النازحة تضطر إلى تناوله منفرداً، وقد تمر عليها أيام لا تجده فيها. وتصف حليمة نمط حياتها اليومي قائلة: «هذه وجبتنا الوحيدة، نأكلها ظهراً، وننام جوعى حتى الصباح، وأحياناً لا نجد شيئاً، فنشرب الماء وننام».

لم نعد نسأل ماذا سنأكل، بل هل سنأكل اليوم أم لا؟

ويقول إن مغادرته قريته لم تكن طلباً للأمان وحده، بل جاءت بعدما فقد السكان القدرة على الحصول على الطعام والمياه. ويضيف: «لم نعد نجد ما نأكله ولا ما نشربه، فقررنا النزوح بحثاً عن الغذاء».

أرقام الجوع والنزوح في السودان

وفي تقديرات أحدث أعلنها برنامج الأغذية العالمي في 14 سبتمبر/أيلول 2026، حذر المدير التنفيذي بالإنابة للبرنامج كارل سكاو من أن نحو 20 مليون شخص في السودان يواجهون الجوع الحاد، بينما وصل عدد النازحين بسبب النزاع إلى نحو 14 مليوناً. وقال إن قرابة 200 ألف شخص يعيشون مستويات كارثية تصل إلى حد المجاعة، إلى جانب 5 ملايين شخص في مستوى الطوارئ.

وتتركز الاحتياجات الإنسانية الأشد، وفق عبد الباقي محمد حامد، وزير الرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، في محلية المالحة، تليها مناطق كرنوي ثم مبرو. وتشمل خريطة المناطق المحتاجة أيضاً الطينة وهشابة والدور وأورشي وأم مراحيل وأبوديسة، التي تستضيف تجمعات كبيرة من النازحين.

ويقول حامد إن معدلات الحاجة في دارفور لا تزال مرتفعة جداً، وإن المناطق المتضررة تحتاج إلى تدخل إنساني عاجل لتوفير الغذاء والدواء ومياه الشرب النظيفة. ويحذر من تداعيات بقاء الأوضاع على حالها، قائلاً: «استمرار الوضع الحالي يعني كارثة إنسانية حقيقية». وتضع الأزمة الأطفال دون الخامسة أمام مخاطر مباشرة.

سوء التغذية يهدد الأطفال

فقد قدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف»، في بيانات صدرت في 17 مايو/أيار 2026، أن 825 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد الوخيم خلال العام، بزيادة نسبتها 25% على مستويات ما قبل النزاع. كما أُدخل قرابة 100 ألف طفل إلى برامج العلاج من سوء التغذية الحاد بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026 وحدهما.

ويقول مدير منظمة الجسور للسلام والتنمية في محلية المالحة بشمال دارفور إن عشرات الأطفال أصيبوا بسوء التغذية نتيجة تدهور الظروف المعيشية، واصفاً الوضع بأنه «خطير جداً». ويوضح أن الأسر لا تجد ما تطعم به أبناءها، وأن المنطقة تحتاج إلى تدخل عاجل لإنقاذ حياة الأطفال المصابين.

ويحذر المسؤول من أن استمرار الأزمة ينذر بكارثة إنسانية، ولا سيما أن المراكز الصحية تفتقر إلى الأدوية وإلى الغذاء العلاجي المستخدم في التعامل مع حالات سوء التغذية. ويجمع هذا النقص بين ضعف قدرة الأسر على توفير الطعام وعجز المؤسسات الصحية عن تقديم العلاج الضروري للأطفال الأكثر تضرراً. ولا يزال مخيم طويلة يستقبل عائلات قادمة من مناطق أخرى بسبب الجوع والعطش.

ويقول المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين آدم رجال إن 138 عائلة جديدة وصلت إلى المخيم في 15 سبتمبر/أيلول 2026، ما رفع إجمالي العائلات النازحة حديثاً إلى 354 عائلة تضم 2127 شخصاً، غالبيتهم من النساء والأطفال. وأوضح رجال أن هذه الأسر قدمت من شرق الفاشر وكردفان، وهي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.

تدفق العائلات إلى مخيم طويلة

وتواجه العائلات انعدام الأمن الغذائي ونقص المياه النظيفة والأدوية، إلى جانب غياب المأوى الملائم، في حين يؤكد المتحدث أن المساعدات التي تصل إلى النازحين لا تغطي عُشر احتياجاتهم. ويتزامن اتساع الجوع مع تضرر النشاط الزراعي في دارفور.

ويحذر وزير الزراعة بحكومة الإقليم الصادق خميس برانقو من أن «المجاعة أخطر من الحرب»، متهماً قوات الدعم السريع بتدمير مقومات الإنتاج الزراعي ونهب البذور والمعدات وإطلاق الماشية على المحاصيل المتبقية.

وقال برانقو: «الدعم السريع لم يحرق القرى فقط، بل أحرق مستقبل الزراعة في دارفور، نهبوا البذور والمعدات الزراعية، وأطلقوا الماشية على ما تبقى من محاصيل لتجريفها وتدميرها، لقد حرموا ملايين السودانيين من مواسمهم الزراعية، وتحولت الأراضي الخصبة إلى حقول خاوية لا تنتج شيئاً». ويضاف إلى آثار النزاع تراجع الأمطار والجفاف.

فبعد زيارة ميدانية للسودان، قال كارل سكاو خلال مؤتمر صحفي في 14 سبتمبر/أيلول 2026 إن «دارفور لم تشهد هذا الجفاف منذ عام 1984، ونحن الآن في موسم الأمطار». وحذر من مخاوف واسعة من إلحاق أضرار جسيمة بالزراعة ومخرجاتها وبقطاع الثروة الحيوانية على المدى البعيد.

الجفاف يضر بالموسم الزراعي

وأظهر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة صدر في 3 سبتمبر/أيلول 2026 أن موسم الأمطار سجل انخفاضاً في معدلات الهطول التراكمي مقارنة بالمتوسط في معظم مناطق الزراعة. ووصل العجز إلى 20% في ولاية سنار و30% في ولاية القضارف، وهو ما انعكس سلباً على إنبات المحاصيل ونموها، وزاد المخاطر المحيطة بالإنتاج الغذائي. وفي موازاة تراجع الإنتاج الزراعي، تواجه عمليات الإغاثة نقصاً حاداً في الموارد.

300 مليون دولار
فجوة تمويل عمليات الإغاثة

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن التمويل المتاح له انخفض إلى النصف تقريباً، بعدما تلقى 645 مليون دولار خلال العام الماضي، مقابل 206 ملايين دولار فقط منذ بداية العام الجاري وحتى موعد صدور الإفادة في سبتمبر/أيلول. وقال سكاو إن «الفجوة اللازمة لاستمرار العمليات الحالية تقترب من 300 مليون دولار»، محذراً من احتمال اضطرار البرنامج إلى تقليص مساعداته خلال أسابيع إذا لم تتوفر تمويلات عاجلة.

ويهدد ذلك بتقليل الدعم المقدم في وقت تتزايد فيه أعداد المحتاجين والنازحين وترتفع مستويات الجوع الحاد. وكانت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين قد وجهت في 11 سبتمبر/أيلول 2026 نداءً عاجلاً إلى المنظمات الإنسانية لتوفير حصص غذائية طارئة تكفي للتخفيف من الجوع اليومي.

كما طالبت بتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية الأساسية، وتأمين مصادر مياه شرب نظيفة وآمنة، وتقديم خيام ومساكن مؤقتة للعائلات الوافدة حديثاً. وشمل النداء أيضاً إطلاق برامج عاجلة للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء المتضررين.

ولم يقدم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي رداً على طلبات التعليق بشأن تدهور أوضاع الجوع في السودان حتى وقت نشر التقرير، بينما يستمر وصول الأسر إلى مخيم طويلة وتتزايد التحذيرات من تقليص المساعدات بسبب فجوة التمويل.