العودة للرئيسية
أخبار

الاستيطان في الضفة يصعّد التوتر بين إسرائيل ودول أوروبية

انتقلت خلافات إسرائيل مع عدد من الدول الأوروبية بشأن المستوطنات في الضفة الغربية من الإدانات السياسية إلى قيود تجارية وعقوبات، قابلتها إجراءات دبلوماسية إسرائيلية. ويتزامن التصعيد مع تسجيل أكثر من ألفي اعتداء خلال أغسطس/آب، وتحذيرات أممية من أثر مخطط «إي 1» على حل الدولتين.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
مبنى دبلوماسي محاط بسياج وبوابات، ترفرف أمامه راية الاتحاد الأوروبي وعلم فرنسي. يظهر حارس أمن مسلح في الشارع أمام المبنى.

دخلت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية مرحلة جديدة من التوتر بسبب التوسع في المستوطنات الإسرائيلية وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وانتقلت مواقف أوروبية من الانتقاد السياسي إلى فرض قيود على منتجات المستوطنات وعقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بها، بينما ردت إسرائيل بإجراءات شملت سحب الصفة الدبلوماسية من دبلوماسيين وإغلاق قنصلية واستدعاء دبلوماسية إسبانية.

بريطانيا تصعّد انتقاداتها للمستوطنين

وفي أحدث المواقف البريطانية، وصف وزير الخارجية إد ميليباند ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية بأنها «تطهير عرقي»، وأدان من وصفهم بـ«المستوطنين الإرهابيين». وأكد ميليباند أن حل الدولتين يمثل السبيل الوحيد لتحقيق السلام، مشددا على أن بريطانيا لن تسمح بتقويض هذا الحل.

وتزامنت تصريحات ميليباند مع تحركات أوروبية أخرى مرتبطة بالمستوطنات. فقد حظرت هولندا استيراد المنتجات المصنّعة فيها، في حين دعت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، إلى جانب تعليق اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.

قيود أوروبية على منتجات المستوطنات

وفرضت بريطانيا وفرنسا وهولندا قيودا على استيراد منتجات المستوطنات، بينما تقترب الدنمارك والنرويج من تبني خطوات مماثلة. كما أقرت دول أوروبية عقوبات تستهدف أفرادا وشركات تتعامل تجاريا مع المستوطنات، في مؤشر على تحول الضغوط الأوروبية إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية مباشرة.

وفي المقابل، استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية القائمة بأعمال السفارة الإسبانية فرنسيسكا بادروس إلى ما وصفته بـ«جلسة توبيخ»، عقب تصريحات الوزيرة الإسبانية. واعتبرت الخارجية الإسرائيلية أن تلك التصريحات تندرج ضمن «سياسة ممنهجة» تتبعها الحكومة الإسبانية.

وألغت إسرائيل كذلك الوضع الدبلوماسي لدبلوماسيين هولنديين يمثلان بلادهما لدى السلطة الفلسطينية في رام الله، ردا على العقوبات الهولندية المتعلقة بالمستوطنات. وكانت السلطات الإسرائيلية قد أغلقت في وقت سابق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي تمثل بريطانيا لدى السلطة الفلسطينية، بعد إعلان لندن عقوبات مماثلة وحظر استيراد منتجات المستوطنات.

إسرائيل ترد بإجراءات دبلوماسية

ووفقا للهيئة، شملت الانتهاكات الاستيلاء على نحو 1629 دونما من الأراضي، إلى جانب تنفيذ 71 عملية هدم استهدفت منشآت ومنازل فلسطينية. وتشير بيانات الهيئة أيضا إلى سيطرة إسرائيل على نحو 42% من مساحة الضفة الغربية تحت مسميات متعددة، من بينها المناطق العسكرية وأراضي الدولة والشوارع الالتفافية.

اعتداءات واسعة ومصادرة أراضٍ في الضفة الغربية​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​‎

وتأتي هذه المعطيات في وقت تتزايد فيه الاعتراضات الأوروبية على توسيع المستوطنات وعلى نشاط المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. ولا تقتصر المخاوف على الاعتداءات، إذ يثير مخطط «إي 1» الاستيطاني تحذيرات بشأن مستقبل التواصل الجغرافي في الضفة الغربية. وتسعى السلطات الإسرائيلية من خلال المخطط إلى ربط مستوطنات معاليه أدوميم بالقدس.

وقال القائم بأعمال المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط إن تنفيذ المخطط سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وقطع أوصال المنطقة. ووصف المسؤول الأممي مخطط «إي 1» بأنه أكبر خطر على حل الدولتين، بالنظر إلى موقعه وتأثيره المحتمل على الترابط الجغرافي للأراضي الفلسطينية.

33 ألف
النازحون من مناطق شمال الضفة الغربية

وأشار المسؤول الأممي كذلك إلى أن مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم باتت خالية من سكانها، وأن نحو 33 ألف شخص نزحوا من هذه المناطق. ووصف ذلك بأنه أكبر موجة نزوح تشهدها الضفة الغربية منذ عام 1967. وفي قراءة للتحول في الموقف البريطاني، قال أستاذ تسوية الصراعات الدولية محمد الشرقاوي إن حكومة لندن تتبنى ما وصفه بـ«نظرة تصحيحية» تجاه إسرائيل.

وأوضح أن سلوك المستوطنين وممثلي اليمين المتطرف أصبح، بحسب تقديره، يوصف باعتباره إرهابا وتطهيرا عرقيا. وربط الشرقاوي هذا التحول أيضا بتداعيات حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول، معتبرا أن رد الفعل الإسرائيلي تجاوز، في رأيه، حدود التعامل التقليدي مع السيطرة الإسرائيلية والممارسات ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

وقال إن الرسالة البريطانية إلى إسرائيل تتمثل في ضرورة «احتواء المد الاستيطاني» وضبط سلوك المستوطنين بدلا من ترك المجال مفتوحا أمامهم. ولا يعزو الشرقاوي تغير الموقف البريطاني إلى الحسابات السياسية الخارجية وحدها، بل يرى أن ديناميكيات الداخل البريطاني والرأي العام تؤدي دورا في ذلك.

وأشار إلى التنافس بين حزبي المحافظين والعمال، إضافة إلى نشاط مؤسسات المجتمع المدني وتأثيرها في الناخبين ومرشحي الأحزاب. وبحسب الشرقاوي، يمارس المجتمع المدني البريطاني ضغوطا على الناخبين والمرشحين، فيما لم يعد الموقف من إسرائيل مجرد قضية سياسية خارجية، بل أصبح قضية رأي عام تضغط على حكومة لندن حتى لا تتجاهل ما يحدث في الضفة الغربية.

ويرى أن هذا العامل الداخلي يفسر جانبا من تنامي الإجراءات البريطانية والأوروبية تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية والمستوطنات. وأضاف الشرقاوي أن تراجع تأثير الصورة التي اعتادت إسرائيل تقديمها عن نفسها بوصفها الطرف الذي لا يحصل على دعم كاف أسهم، وفق تحليله، في تبدل بعض المواقف الأوروبية.

وقال إن إسرائيل اعتمدت لعقود على ما سماه «منظومة الضحية» في مخاطبة الرأي العام الأوروبي والأميركي، إلا أن تأثير هذه السردية تراجع مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وإتاحتها للجمهور متابعة ما يجري في المستوطنات وقطاع غزة بصورة مباشرة.

ويرى الشرقاوي أيضا أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة تواجه تراجعا في قدرتها على التأثير مقارنة بمستويات نفوذها السابقة. وخلص إلى أن عوامل سياسية واجتماعية وإعلامية مجتمعة أسهمت، من وجهة نظره، في التحول الذي تشهده مواقف بريطانيا وبعض الدول الأوروبية تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية واليمين المتطرف.

وبات ملف الاستيطان من أبرز نقاط الاحتكاك بين إسرائيل وعدد من العواصم الأوروبية، خصوصا بعد انتقال بعض الحكومات من الإدانات إلى القيود التجارية والعقوبات. وفي الجهة المقابلة، تواصل إسرائيل اتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد الدول التي تفرض قيودا على منتجات المستوطنات أو توجه انتقادات إلى سياساتها في الضفة الغربية.