العودة للرئيسية
فن ونجوم

«الانتفاضة» يستعيد ثورة فلاحي إنجلترا بروح معاصرة وعنف مباشر

يعيد فيلم «الانتفاضة»، من كتابة وإخراج بول غرينغراس، تجسيد التمرد الشعبي الذي اندلع في إنجلترا عام 1381، عبر قصة مزارع منكوب ينضم إلى حشود تزحف نحو لندن. ويجمع العمل بين واقعية بصرية قاتمة وأداءات بارزة، فيما يرصد تحول قضية عادلة إلى تمرد دموي ينتهي بالقمع وإلغاء مواثيق الحرية.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
لقطة من عمل درامي تاريخي تُظهر رجلاً يرتدي ملابس ريفية من العصور الوسطى ويحمل عصا، وسط مجموعة من الأشخاص أمام مبانٍ ريفية. ترتبط الصورة بتصوير ثورة فلاحي إنجلترا.

وصل فيلم «الانتفاضة» إلى دور السينما في 11 سبتمبر/أيلول، مقدما معالجة ملحمية ودامية للتمرد الذي هز إنجلترا في القرن الـ14 ووضع التاج البريطاني في مأزق. وكتب الفيلم وأخرجه البريطاني بول غرينغراس، مستعيدا لحظة انتقال الحزن الفردي إلى غضب جماعي يدفع أناسا عوملوا بوصفهم أرقاما بلا قيمة إلى المطالبة بالكرامة وحق تقرير المصير.

الفيلم يربط ثورة 1381 بالغضب المعاصر

ينطلق العمل من قصة حقيقية ارتبطت بجماهير عانت الموت الجماعي والضغوط الاقتصادية القاسية والاستبداد، لكنه لا ينشغل بشرح كل تفصيل في السياق التاريخي بقدر اهتمامه ببناء صلة بين فلاحي القرن الـ14 والجمهور المعاصر.

ويراهن غرينغراس على أن مشاعر الغضب والإحباط والرغبة في عالم أفضل لا تفقد تأثيرها باختلاف الأزمنة، وهو ما يمنح الحكاية التاريخية صدى يتجاوز زمنها. يستحضر الفيلم أجواء العصور الوسطى من خلال عالم موحل وقاتم، تتداخل فيه أصوات الحيوانات مع سحب الدخان، وتظهر الشخصيات بشعر أشعث وملابس متسخة وسط غياب واضح للنظافة الشخصية.

وتبلغ كثافة التفاصيل الحسية حدا يوحي للمشاهد بأنه يكاد يشم رائحة الأجساد عبر الشاشة، فيما يُقدَّم العنف بصورة مباشرة وغير مزينة، من قطع الرؤوس إلى اختراق السهام للأجساد. اعتمد غرينغراس، المرشح سابقا لجائزة الأوسكار، أسلوبا سينمائيا واقعيا وخشنا يضع المشاهد في قلب الوقائع.

وتغلب على الصورة ألوان باهتة ومكتومة، بما يخلق انطباعا ساخرا بأن الشمس ربما لم تكن قد أشرقت قبل القرن الـ18. كما تمنح الكاميرا المحمولة المهتزة المشاهد طابعا فوريا ووحشيا، قد يصبح باعثا على عدم الارتياح في بعض اللحظات. وتظهر إنجلترا في تلك المرحلة بلدا أنهكه الموت والفقر؛ فالحقول الخالية والموحشة تعكس تراجع عدد السكان، بينما يتحرك الناس بثقل وقد غطتهم القذارة وآثار التعب.

إنجلترا المنهكة تحت وطأة الطاعون والضرائب

ويخيم الحزن على المكان والشخصيات، في وقت يعمق فيه الإيقاع البصري الإحساس بالإنهاك، ويحول البيئة نفسها إلى جزء أساسي من سرد الحكاية، لا مجرد خلفية تاريخية للأحداث. تدور القصة عام 1381 في شرق إنجلترا، بعد ثلاثة عقود من انتشار وباء الطاعون الذي قتل ما بين ثلث السكان ونصفهم.

وترك الوباء وراءه مجتمعا يرزح تحت الضرائب، بينما يحكم البلاد الملك المراهق ريتشارد الثاني، الذي يؤدي دوره وودي نورمان، ويتلقى توجيهاته من مستشارين أثرياء متملقين يتطلعون إلى توسيع نفوذهم وسلطتهم. في قلب الأحداث يظهر مزارع فقير يؤدي دوره أندرو غارفيلد، ويحمل لقب «الحرّاث» بسبب سنوات عمله الطويلة في حرث الأرض برفقة ثوره.

يقدمه الفيلم وهو يكافح داخل قطعة أرض صغيرة غارقة في الوحل، مغطى بالطين ولا يكاد يلتقط أنفاسه. وقد انتزع الطاعون منه زوجته وأطفاله، ولم يترك له سوى كوخ وحيوان يشاركه المأوى أحيانا، إلى جانب صراع يومي شاق من أجل البقاء.

الحرّاث ينضم إلى قادة التمرد الشعبي

تتغير حياة الحرّاث عندما يواجه أمرا بفرض ضريبة جديدة، فينفجر غضبه ويجد نفسه فجأة داخل تمرد تتصدره شخصيات مختلفة. من بينها القس جون بول، الذي يجسده جيمي بيل، ويقود حركة دينية تنادي بالمساواة وتعارض فساد رجال الدين، والجندي السابق وات تايلر، الذي يؤدي شخصيته كوزمو جارفيس ويتولى دورا عسكريا محوريا في الانتفاضة.

ينضم الحرّاث إلى أصدقائه وجيرانه لإشعال شرارة ما عُرف باسم «ثورة الفلاحين»، وتنجح الحركة في حشد عشرات الآلاف من عامة الإنجليز للزحف إلى لندن. ويعتقد المشاركون أن مهمتهم الأساسية تقتصر على الوصول إلى الملك وعرض مطالبهم عليه، قبل أن تصطدم آمالهم بمسار أكثر قسوة وتعقيدا مما توقعوه.

ثورة الفلاحين تحشد أطياف المجتمع الإنجليزي

85%
امتداد التمرد في البلاد

ويشرح المؤرخ الإنجليزي دان جونز أن تسمية «ثورة الفلاحين»، التي صاغها المؤرخون، لا تعكس التنوع الواسع للمشاركين فيها. فلم يقتصر التحرك على المعدمين، بل شاركت قرى كاملة، وانضم إليه قادة محليون وكهنة وعمال ونساء، إلى جانب سكان لندن الذين كانت لديهم مظالم خاصة، حتى امتد التمرد، بحسب جونز، إلى نحو 85% من البلاد.

كما لم تكن الانتفاضة موجهة إلى الملك وحده، بل شكلت، في توصيف جونز، حركة شعبية حقيقية ضد المستشارين والأساقفة والنبلاء والمسؤولين الفاسدين. ويؤكد المؤرخ أن القضية كانت عادلة، لكنه يقول إن التمرد خرج عن السيطرة بصورة مروعة.

فالمظالم كانت حقيقية وكان الناس يتعرضون للاستغلال، غير أن الانتفاضة اكتسبت طابعا وحشيا، وتجاوز العنف المسؤولين الملكيين ليطال أشخاصا لم يشاركوا في فرض الضرائب. وصلت الثورة في نهاية المطاف إلى نقطة الانهيار، وقُتل قائدها العسكري وات تايلر، بينما تمكن الملك من تهدئة الحشود.

وبعد ذلك، طاردت الحكومة قادة التمرد وأعدمتهم، كما ألغت مواثيق الحرية. وعند قياس الانتفاضة بحجم ما حققته من مطالبها الأساسية، فإنها تبدو فاشلة بصورة شبه كاملة، رغم اتساعها وعدالة جانب من دوافعها. على مستوى التمثيل، يثير الفيلم ملاحظة تتعلق بمنح الحرّاث قدرات قتالية لافتة رغم أنه أمضى حياته في الحقول لا في ساحات الحرب.

ومع ذلك، جاءت الأداءات قوية في مجملها، وبرز جيمي بيل وكوزمو جارفيس في شخصيتي القائدين المتمردين. كما قدمت كاثرين ووترستون حضورا مؤثرا في دور والدة الملك ريتشارد، رغم محدودية حواراتها. ويترك سكاي يانغ انطباعا قويا في شخصية «الكاتب»، التي تؤدي دورا حاسما في تطور الوقائع.

أما وودي نورمان، الممثل الأيرلندي الشاب، فيقدم أداء آسرا في مشاهده، مجسدا ملكا مراهقا يحمل ندوبا نفسية عميقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن قدر كبير من الدهاء والمكر، بما يجعله أحد أبرز عناصر الفيلم التمثيلية. تبلغ مدة «الانتفاضة» ساعتين و7 دقائق، وصُنّف للكبار فقط بسبب ما يتضمنه من مشاهد عنيفة ودموية.

ووصف الناقد المسرحي فرانك شيك الفيلم بأنه عمل متقن من حيث الصنعة والأداء، لكنه مرهق للمشاهد، في إشارة إلى كثافة العنف والجو البصري الكئيب والإيقاع الضاغط الذي يلازم الحكاية.

وقال أندرو غارفيلد لمجلة «تايم» إنه يعتقد أن كل من يشاهد العمل سيسأل نفسه عما يمكن فعله في مواجهة ظلم فادح كهذا، وكيف يمكن النضال من أجل الحق في حياة تتسم بالحرية والكرامة والترابط الإنساني. ويضع تصريحه الأسئلة الأخلاقية والسياسية للعمل في مقدمة التجربة، بدلا من التعامل مع الأحداث باعتبارها واقعة تاريخية منقطعة الصلة بالحاضر.

ويستند غرينغراس في مقاربته إلى خبرة مبكرة في الأفلام الوثائقية، وثق خلالها الاضطرابات في أيرلندا الشمالية ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وأماكن أخرى شهدت انهيار أنظمة سياسية. ويقول المخرج إن الثورات لطالما التهمت نفسها؛ إذ تبدأ بآمال الناس وأحلامهم الكبيرة، ثم تتحول إلى فوضى بمجرد إسقاط السلطة، ولذلك يترك للجمهور مهمة التأمل واستخلاص استنتاجاته على ضوء أحداث العصور الوسطى التي يراها انعكاسا للواقع المضطرب.

وترى الناقدة الفنية لاسي باوغر ميلاس أن خاتمة الفيلم مخيبة للآمال، لكنها تعده، باستثناء ذلك، ملحمة تاريخية جديرة بالمشاهدة، تنبض بروح معاصرة نادرا ما تتوافر في هذا النوع من الأعمال.

ويجمع هذا التقييم بين الاعتراف بمواطن ضعف النهاية والإشادة بقدرة الفيلم على تحويل تمرد وقع عام 1381 إلى معالجة تتصل بأسئلة الحرية والسلطة والعنف في الحاضر.